تتعدّد آثار الصيام في رمضان على شخصية المسلم لتشمل الجوانب الإيمانية والأخلاقية والروحية والنفسية والاجتماعية، حيث إن هذا الشهر الكريم من أعظم مواسم الخير؛ ففيه تصفو النفوس، وتقترب القلوب من خالقها، ويغنم فيه المسلم من المحاسن والبركات ما لا يُمكن أنْ يُحصَى.
ولا ريب أن الصوم وسيلة عمليّة تُحقق التَّقوى التي أرادها الله- جل وعلا- لعباده، من خلال تهذيب القلب والجوارح، كما أنه عبادة روحيّة وتربويّة تُصلح ظاهر الإنسان وباطنه، وتجعله أكثر قُدرة على ضبط النفس والشهوات، لذا فهو مدرسة عظيمة لبناء الشخصية الإسلامية المتكاملة، تتسم بقوة الإيمان، واتّزان النّفس، وسمو الأخلاق.
آثار الصيام الإيمانية على شخصية المسلم
وتتجلّى آثار الصيام الإيمانية على شخصية المسلم في العديد من المظاهر أبرزها:
التقوى
إنّ المسلم إذ التزم بالصيام في شهر رمضان أو في أي يومٍ خلال العام من المؤكد أنه سيجني التقوى سبب خيرات الدنيا والآخرة؛ يقول الله تعالى:
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]
وقال ابن القيم: الصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويُعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى.
الإخلاص
لأن المسلم الصائم يكون في أرفع درجات الصَّفاء والقرب من الله، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- أنّ رَسُول اللهِ- صلى الله عليه وسلم- قال:
«كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي» (مسلم)
المراقبة
فالصيام درس عملي لتحقيق منزلة مراقبة الله سبحانه، فهو يُعلِّم الصائم كيف يكون مراقبًا لله في جميع أحواله وأفعاله، حيث يمتنع عن الطعام والشراب- الذي به قوام بدنه- وهو يستطيع أن يتناوله دون أن يراه إنسان.
التسليم لله
فالصوم لِجامُ المتقين، وجُنَّةُ المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال. وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قَالَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم-:
«صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ» (البخاري ومسلم)
تعظيم شعائر الله
ولا شك أن الصوم يجعل المسلم يعظم شعائر خالقه فيزداد تقوى، يقول سبحانه:
{ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]
قال ابن عاشور: شعائر الله أخصُّ من حرمات الله، فعطف هذه الجملة للعناية بالشعائر، وإضافة (تقوى) إلى (القلوب)؛ لأن تعظيم الشعائر اعتقاد قلبي ينشأ عنه العمل.
الصبر
والصَّوم يُعين المسلم على الصَّبر وحبس النَّفس عن الشهوات والغضب، ولهذا فسّر الصَّبر في قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} [البقرة:45] بأنَّه الصَّوم. قال بعض السَّلف: «الصَّوم نصف الصَّبر». والله سبحانه فرض صوم رمضان ليستشعر المسلم النِّعمة الَّتي كانت عليه حلالًا طوال الدَّهر، حتَّى إذا ردَّت إليه بعد انصرام تلك الأيَّام الفاضلة شكرها واستعان بالله على أداء حقها.
الإيمان باليوم الآخر
فالصوم يربط المسلم بأحوال الآخرة وما فيها، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ:
«لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ، وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ» (البخاري ومسلم)
تذكر نعم الله
والصوم يُذكِّر المسلم بنٍعَم الله- جل شأنه-، فالإنسان إذا تكاثرت عليه النِّعَم ألِفَها وطال أُنْسه بها، وربما نسي الشعور بقيمتها والإحساس بأهميتها، لذا يأتي الصيام كالموعظة العملية، إذ يسلب الله تعالى به من العباد- باختيارهم- بعضَ نِعَمه في أوقات محدودة، فيعرفوا قيمة هذه النعم ويشكروه عليها. وفي هذا يقول سبحانه:
{وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]
الآثار الروحية للصيام
وتتمثل أبرز آثار الصيام الروحية على شخصية المسلم في رقة القلب والأنس بالله ولذة المناجاة، والانقطاع عن شواغل الدنيا، والافتقار إلى الله، والتواضع. وعن ذلك يقول الأستاذ محمد قطب: «في هذه العبادة حرمان مشروع وتأديب بالجوع وخشوع لله وخضوع ابتغاء مرضاة الله وهو بمثابة تجنيد لكل أبناء الأمة القادرين على الصيام وذلك لكبح جماح شهوات الجسد وتهذيب الروح في وقت واحد».
رقة القلب
فقلب الصائم يصبح أكثر استجابة للمواعظ والحديث عن الله، وقد كانت هذه الميزة واحدة من أبرز السمات التي تجلّت في حياة النبي- صلى الله عليه وسلم-، فكان مثالاً للرحمة واللين في عالم يميل إلى العنف والقسوة، لذا قال الله تعالى في حقه:
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]
مناجاة الله
والصيام يُعلّم المسلم مناجاة ربه في كل وقتٍ، أما عند الإفطار فيقول: «ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله» (رواه أبو داود).
الانقطاع عن شواغل الدنيا
والصوم يحث المسلم على الطاعة دائمًا وترك كل ما يشغله عنها، وفي ذلك يقول النبي- صلى الله عليه وسلم- إنَّ اللَّهَ تعالى يقولُ:
«يا ابنَ آدمَ! تفرَّغْ لعبادتي، أملأْ صدرَكَ غنًى، وأسدَّ فقرَكَ، وإن لا تفعَل، ملأتُ يديْكَ شغلاً، ولم أسدَّ فقرَكَ» (الترمذي وابن ماجه وأحمد)
الافتقار إلى الله
وهو من آثار الصوم الذي يعد من أخص خصائص العبودية، حيث الافتقار المطلق لله جل وعلا، قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ} [فاطر:15]
ويقول ابن القيم إنه «حقيقة العبودية ولبُّها».
التواضع
والمسلم يتعلم التواضع من الصيام، لأنه ليس مُجرّد امتناع عن الطعام والشراب، بل رسالة ربانية تحطم «صنم الأنا»، وتزيل الكبرياء من الصّدور، وتُعيد الإنسان إلى حقيقته عبدًا لله الخالق القهار.
الآثار الأخلاقية للصيام
أما عن الآثار الأخلاقية التي يتركها الصيام في شخصية المسلم، فيأتي أبرزها كالتالي:
الحلم وضبط الغضب
والصيام يُدرّب المسلم على «الذكاء العاطفي» وكبح جماح الغضب، ليصبح شعاره إذا سابّه أحد أو قاتله «إني صائم»، اتباعًا لقول النبي- صلى الله عليه وسلم-:
«وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» (البخاري)
الصدق
والنفس تتربى بالصوم فتلزم الصدق في القول والعمل، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه-، أنّ النبيّ- صلى الله عليه وسلم- قال:
«مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ» (البخاري)
تحصين البصر والفرج
والصيام يُزكّي النَّفس ويُطهّرها من الأخلاق السّيئة، قال النبيُّ- صلى الله عليه وسلم- موصيًا الشباب:
«يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (البخاري ومسلم)
وقال ابن القيم: المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية، لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية.
الكرم
فالصيام يُعزز في شخصية المسلم الرّغبة في إفطار الصائمين ومساعدة المحتاجين، ويُطهر النفس من الشح والبخل. وقد كان النبي- ﷺ- «أجود ما يكون في رمضان».
الوفاء بالعهد
ويتعلم المسلم من الصيام الوفاء بالعهد، لأن الصوم عبارة عن عهد غليظ بين العبد وربه يبدأ من طلوع الفجر وينتهي عند غروب الشمس. يقول الله تعالى:
{وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} [النحل: 91]
الإيثار والقناعة
ويعلم الصيام المسلم أنّ سعادة الآخرين قد تكون أهم من إشباع حاجة النفس الآنية، وقد أثنى الله تعالى على أهل الإيثار في قوله:
{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9]
كما أن الصيام يورّث خُلُق القناعة بما في اليد، والرضا عن النفس، والبعد عن الجشع. وعن أبي هُرَيرةَ- رَضِيَ اللهُ عنه- عن النَّبيِّ- صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قال: «ليس الغِنى عن كثرةِ العَرَضِ، ولكِنَّ الغِنى غِنى النَّفسِ» (البخاري ومسلم).
الآثار الاجتماعية للصيام
وتتلخص آثار الصيام الاجتماعية على الفرد والمجتمع في الحرص على تطبيق مبدأ المساواة، وأنه لا فرق بين فقير وغني، كما يحضه على الوحدة بين الجميع، والرحمة بالضعفاء والفقراء.
المساواة
فالمسلمون حين يفطرون في وقتٍ واحد، لا يتقدم أحدٌ على الآخر، ويمتنعون جميعًا عن المأكل والمشرب في وقتٍ واحد، فما ذاك إلَّا مظهر اجتماعي عظيم من مظاهر الوحدة والمساواة، ومظهر المساواة ميزة وخاصيَّة امتازت بها الأُمَّة الإسلاميَّة، وتفردت به على جميع الأمم.
الانتماء لأمة واحدة
والصيام يُشعر المسلم أنه ينتمي لأمة واحدة وهي الأمة الإسلامية، وأنَّ المسلمين جماعة واحدة، وبذلك يعد الصيام وسيلة ناجحة ترسخ عاطفة التّحاب والإخاء والمساواة والتعاون والوحدة بين المسلمين.
وقد عبر عن هذه الفكرة الدكتور يوسف القرضاوي- رحمه الله- فقال: «ومن أسرار الصيام الاجتماعية أنه تذكير عملي بجوع الجائعين، وبؤس البائسين، تذكير بغير خطبة بليغة ولا لسان فصيح، تذكير يسمعه الصائم من صوت المعدة، ونداء الأمعاء».
الرحمة بالفقراء
فمع الصوم تتفجر ينابيع الرحمة في قلب المسلم الغني تجاه الفقراء، كما يدفعه الصوم إلى مُوَاساة الذين ضاقَتْ بهم سُبُل العيش، بعد أن أحَسوا بِأَلَم الجوع. ولمّا سُئِل بعضُ السلف: لِمَ شُرع الصيام؟ قال: «ليذوق الغنيُّ طعمَ الجوع فلا ينسَى الجائِعَ».
تقوية الروابط الأسرية
فالصوم يجمع شتات الأسرة التي قد تفرقها مشاغل الحياة طوال العام، وذلك من خلال الجلوس على مائدة واحدة في الإفطار والسحر، مما يفتح آفاقًا للحوار والتقارب الروحي والعاطفي. وهذا ما يؤكده الدكتور القرضاوي حين يشير إلى أن رمضان شهر التكافل لا الإسراف والتبذير، بل هو شهر يُعلّم فيه المسلم الإنفاق في وجهه الصحيح.
خلاصة القول
وفي الختام، نرى الصوم مدرسة تربوية كبرى يتربّى فيها المسلم على الإيمان الحقيقي، الذي تُزيِّنُه التقوى والصبر والمجاهدة ومراقبة الله- جل وعلا-. وهو كسر لشهوات النفس، وتقويمٌ لمواضع الاعوجاج في القلب، وتعويد على الصبر وتحمل المشقة، وشعور بآلام الغير، وتخفيفٌ للضغط المادي على حياة الإنسان. وعبادة خالصة تقود إلى تربية عبادية ربانية رفيعة تحول بين الإنسان وبين اقتراف المعاصي وحب النفس.
مصادر ومراجع
- محمد سالم محيسن: أركان الإسلام في ضوء الكتاب والسنة وأثرها في تربية المسلم، ص 222.
- محمد بن أمين أبو بكر: العبادة وأثرها، ص 123.
- عبد الجواد الصاوي: الصيام معجزة علميَّة، ص 208.
- ابن القيم: زاد المعاد 2/28.
- ابن عاشور: تفسير التحرير والتنوير، ص 393.
- ابن القيم: عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، ص 183.
- محمد قطب: في النفس والمجتمع، ص 135.
- د. يوسف القرضاوي: العبادة في الإسلام، ص 277-278.