ولد سيد المرسلين ﷺ بشعب بني هاشم في مكة يوم الأثنين العشرين أو الثاني والعشرين من أبريل سنة 571م، والذي يستقر في يقيني أن الله عز وجل صنع رسول الله ﷺ على عينه، وهيأ له الظروف والأحداث ليصنع شخصية رسوله ﷺ الذي جاء ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد القهار، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
وسوف أحاول في تناولنا لمرحلة ما قبل بعثة رسول الله ﷺ أن نتعرف على معالم تكوين شخصيته، وما يسره الله له ليصنع على عينه ليكون مهيأ لتلبيغ الرسالة وحمل الأمانة، لعل ذلك يساهم في إلقاء الضوء على كيفية إعداد الداعية المتميز الذي يعمل على قيادة الأمة إلى طريق الله، ولا يغيب عن أذهاننا أن اختيار الله قبل أي اختيار، وأن السير في طريق الله فضل محض من الله، واصطفاء ، ولكنه اقتفاء للأثر لنتعرف على معالم التربية والإعداد.
ولعلي استطيع أن أميز هذه المرحلة فيما يلي:
- الاختيار والاصطفاء.
- اختيار البيئة المناسبة صحياً ونفسياً ولغوياً.
- التهيئة القلبية والنفسية.
- حقيقة الموت وفراق الأحباب.
- حضور المشاهد الكبيرة والأعمال العظيمة ومخالطة الكبار.
- السفر والرحلات وأثر ذلك في تكوين الشخصية.
- حياة الكدح والكد.
- المحافظة على نقاء النفس وسموها.
- الأخلاق الفاضلة والصفات الكريمة.
- الزواج الموفق السعيد.
- الخلوة والتفكير والتدبر.
أولاً: الاختيار والاصطفاء:
يقول رسول الله ﷺ عن نفسه:
إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريشاً بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم
رسول الله ﷺ
وحين سُئل رسول الله ﷺ أي الناس أكرم؟ قال:
“فعن معادن العرب تسألونني؟” قالوا نعم، قال: “فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا”
رسول الله ﷺ
وما من نبي ولا رسول أُرسل إلا اصطفاه الله عز وجل، واختاره من خيرة قومه نسباً وخلقاً ومعدناً وهنية، وقد قال ربنا:
﴿إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين﴾
سورة آل عمران: ٣٣
إن الله اصطفاه عليكم وزاده في العلم والجسم والله يؤتي في ملكه على ما يشاء والله واسع عليم
من قصة طالوت
وما من دعوة تريد أن تصل إلى أهدافها أو معهد يريد أن يحقق رسالته إلا اختار لدعوته النجباء والافذاذ ليكونوا جملة فكرية وسفراء رسالته، ولا يعني هذا أنه يهمل من عداهم ولا يهتم بأمرهم، ولكنه يصطفي الطليعة والمقدمة التي يفتح الله على أيديها أسباب الخير لتنطلق جموع الأمة إلى الخير، واختار رسول الله ﷺ مصعب بن عمير ليكون سفيره إلى المدينة المنورة فكان خير سفير من خير رسول.
ثانياً: إختيار البيئة التربوية المناسبة صحياً ونفسياً ولغوياً:
درج الشرفاء من أهل مكة على إرسال أبنائهم لينشأوا نشأتهم الأولى في البادية حيث الطبيعة النقية والأماكن الفسيحة والهواء النقي واللغة السليمة لتتوافر لأبنائهم نشأة صحية وصحة نفسية ولسان فصيح. وهذا يستدعي اهتماماً خاصاً بتنشئة أطفالنا في ظل هذه المدن المعقدة المتشابكة الكثيفة، فإن لم نتمكن من الأماكن الفسيحة فلا أقل من الاهتمام:
- بالناحية الصحية على وجه العموم والاهتمام بالتطعيمات والأخذ بأسباب الصحة، وقد جعل الإمام البنا من واجبات الأخ المسلم أن يبادر بالكشف الصحي العام وأن يأخذ في علاج ما يكون فيه من أمراض وأن يهتم بأسباب القوة والوقاية الجسمانية ويبتعد عن أسباب الضعف الصحي.
- بتوفير وسائل المرح والترفيه والرحلات والرياضات التي تساهم في تكوين نفسية الطفل تكونياً سليماً يعالج ازدحام المساكن وضيق المساحات التي يتحرك فيها الأطفال.
- الاهتمام بلغتنا العربية لغة القرآن الكريم، وألا تزاحمها لغة أجنبية في مراحل التنشئة الأولى على الأقل حتى يبلغ الطفل من العمر عشر سنوات، فاللغة هي وعاء الفهم ووسيلة التعبير عن النفس وهذا ما توصل إليه التربويون، ولا توجد روضة أطفال أو حضانة للأطفال على مستوى العالم تعلم لغة أجنبية لأبنائها في طفولتهم المبكرة.
ثالثاً: التهيئة القلبية والنفسية:
مكث رسول الله ﷺ في ديار بني سعد خمس سنوات صح فيها بدنه، واطرد نماؤه، وسجلت السنة الصحيحة ما عُرف بحادثة شق الصدر، حيث أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه واستخرج منه حظ الشيطان ثم غسل قلبه في طست ذهب بماء زمزم ثم لامه ثم أعاده مكانه.
فقد حرصت عناية الله عز وجل أن تستخرج حظ الشيطان من قلب رسول الله ﷺ فلا يكون غرضاً للوساوس وإلقاءات الشياطين ليكون جهده ﷺ في متابعة الترقي لا مقاومة التدلي، وفي تطهير العامة من المنكرات لا في تطهير نفسه. وإن كان من تعليق في عالم أسباب البشر فينبغي أن يكون هناك جهد خاص موجه إلى الناشئة والدعاة والمربين نحو تطهير وتزكية النفس وتضييق مجاري الشيطان في النفس بالمجاهدة العالية والتربية الربانية الراقية، والرياضة المستمرة للنفس ومداومة الذكر والفكر وتحصين القلب بالقرآن والإستعاذة بالله من الشيطان الرجيم وغلق الباب أمام وساوسه وعدم اتباع خطواته.
رابعاً: حقيقة الموت وفقدان الأحبة:
ولد رسول الله ﷺ ولم ير أباه، وحين كان في السادسة فقد نبع الحنان والرعاية في حياة كل طفل فماتت أمه وهو في صحبتها ورجع إلى مكة بصحبة خادمته أم أيمن ودُفنت أمه بالأبواء بين مكة والمدينة ومات جده عبد المطلب وهو في الثامنة من عمره، وكان يحنو عليه ويختصه بكل صنوف الرعاية والعطف، ثم كفله عمه أبو طالب، ومن بعد ذلك توفى ابنه القاسم بعد أن بلغ سناً تمكنه من ركوب الدابة ومات عبد الله وهو طفل وماتت سائر بناته في حياته (زينب ورقية وأم كلثوم) باستثناء فاطمة ماتت بعده بستة أشهر، ومات ابنه إبراهيم وهو طفل، وفيه قال رسول الله ﷺ:
تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون
رسول الله ﷺ
وحين تعلق القلب بخديجة وكانت نعم السند والعون توفيت في أشد أيام المعاناة، وكذلك عمه أبو طالب، وكأن القدر يقول له: “أحبب من شئت فإنك مفارقه”.
فالموت حقيقة ماثلة في حياة رسول الله ﷺ، كلما تعلق قلبه بحبيب ذهب وتركه، فلم يكن في قلبه غير الله، وتمكنت المشاعر القلبية الراقية من قلبه ونفسه، ولم تجنح به نحو الحقد والحسد، فسما بنفسه عن دنيا الناس، فكان ﷺ متواصل الفكرة دائم الأحزان، لا يمنعه حزنه من التبسم والبشاشة وحسن استقبال الناس وطيب معاملتهم، وإن انطوى قلبه على كثير من الأحزان والآلام.
وأراد الله أن يستشعر تلك المشاعر ليكون قلباً يسع الناس، ويقدر مشاعرهم واحتياجاتهم، فكان رسول الله ﷺ يحنو على الأيتام ويقول:
أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة
رسول الله ﷺ
وأشار بأصبعية السبابة والوسطى، ويحرص على حسن معاملة المساكين والفقراء، والبر بالوالدين والأقربين، وصلة الأرحام، وهكذا يكون القلب المسلم الذي يري أن يعمل في مجال دعوة الخلق إلى الله.
خامساً: حضور المشاهد الكبيرة والأعمال العظيمة ومخالطة الكبار:
- كان النبي ﷺ بحكم قربه من نفس عبد المطلب، وكان سيد مكة يجلس على فراشه، وإن حاول بنوه إبعاده عن مجلسه قربه عبد المطلب، وقال دعوه إن لأبني هذا لشأناً، فأتاح هذا لرسول الله ﷺ أن يكون كبيراً قبل أن يكبر، وأن يُخالط الكبار وهو لا يزال صغيراً.
- شهد رسول الله ﷺ حرب الفجار، وكان يناول أعمامه النبل وكان في الخامسة عشر.
- شهد رسول الله ﷺ حلف الفضول في دار عبد الله بن جدعان وهو في الخامسة عشر كذلك، وتعاهدوا فيه على نصرة المظلوم حتى ترد عليه مظلمته، وقال عنه ﷺ: “لقد شهدت في دار عبد الله بن جُدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم ولو دعيت به في الإسلام لأجبت”.
ففي هذه المرحلة المبكرة من حياته ﷺ كان موجوداً في مجالس الكبار مشاركاً ولم يقتصر على الحضور والمشاركة فحسب، مما ساهم في نضج تلك الشخصية مبكراً. فكلما حرصنا على الارتقاء بمستوى الناشئة وحضورهم المجامع الكبيرة والمشاهد المهمة والمناسبات العظيمة كان ذلك أدعى إلى الارتقاء بهم وبمداركهم واهتماماتهم توسعة آفاقهم ويؤدي ذلك إلى إنضاجهم عقلياً وفكرياً ونفسياً يرتفع بتصوراتهم ويسهم في نضجهم.
سادساً: السفر والرحلات وأثرها في تكوين الشخصية:
- سافر رسول الله ﷺ مع أمه وحاضنته أم أيمن إلى المدينة تُزَّيره أخواله وعمره ستة سنوات، ثم ماتت بالأبواء ورجعت به حاضنته قاطعاً قرابة ألف كيلومتر جيئة وذهاباً.
- سافر مع عمه الزبير بن عبد المطلب وعمره اثنا عشرة سنة.
- سافر مع عمه أبو طالب إلى الشام وعمره إثنا عشر سنة.
- سافر متاجراً في أموال خديجة وعمره خمس وعشرون سنة.
وتترك الأسفار بصماتها وآثارها في حياة النبهاء والنجباء حيث:
- تثري شخصياتهم وتزيد من خبراتهم ومعرفته بالناس والحياة من حولهم، وإذا نال الناشئة حظاً من الأسفار والترحال أثر ذلك في تكوين شخصياتهم ولا أقل من زيارة معالم بلدانهم التي يعيشون بها، وكلما اتسعت رقعة أسفارهم الهادفة كان ذلك أنمى لشخصياتهم، ولعلك تلاحظ ما تتركه الكشافة والجوالة من آثار في شخصية أفرادها نتيجة أسفارهم وأعمال التخييم التي يقومون بها في بلدانهم وخارجها.
- تَعلق بالنفس أحداث وذكريات تكون جزء من وجدان الإنسان وتفكيره، وإن صغر سنه، ويروى عن رسول الله ﷺ أنه كان يذكر أموراً في مقامه بالمدينة المنورة عند زيارة أخواله وكان عمره في ذلك الوقت ست سنوات حيث نظر إلى أطم (المنزل المرتفع) بني عدي بن النجار فعرفه فقال: “كنت ألاعب أنيسة جارية هلى هذا الأطم وكنت مع الغلمان من أخوالي نطير طائر أكان يقع عليه، ونظر إلى الدار فقال: ها هنا نزلت بي أمي، وأحسنت القوم في بئر بني عدي”. فلعلك تلحظ تذكر ذكريات الطفولة من ملاعبة الجارية وتطيير الطائر، فكلما وفرنا أسفاراً هادفة وتمريناً نافعاً ومشاركة واعية كان ذلك أدعى إلى حسن نمو الشخصية منذ صغرها.
سابعاً: حياة الكد والكدح:
رعى رسول الله ﷺ الغنم فقال:
“ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم” فقال أصحابه: “وأنت؟”، فقال: “نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة”
رسول الله ﷺ
وخرج الرسول ﷺ متاجراً كما بينا سابقاً وفي ذلك ما فيه من:
- تربية على السعي والدأب والعمل، وكلما توفرت فرص الناشئة في الاحتكاك والعمل منذ الصغر كان ذلك أجود لتكوينهم وبنيانهم النفسي، وهذه قصية تحتاج إلى تفكير وإعداد لأثرها البالغ في حياة الناشئة وتعويدهم على الجد والاجتهاد واحترام سُنة الحياة وقوانينها.
- قال بعض أهل العلم:”الحكمة في إلهام رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرين برعيها على ما سيكلفونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها ما يحصل الحلم والشفقة لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق، وعملوا على اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدةوالرعاية ألفِوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقلها فجبروا كسرها ورفقوا بضعيفها وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة لما تحصَّ لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم، وخُصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها، ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر.
- والمربي الموفق هو الذي يستفيد من كل ما حوله من أحداث ومعان ويتخذها وسيلة للتربية والمران النفسي، كٌل بحسب بيئته وما تهيأ له من وسائل وإمكانات وقدرات وطاقات.
- وتجدر الإشارة إلى ما ذكر الإمام البنا في واجبات الأخ المسلم حين قال: “أن تزاول عملاً إقتصادياً مهما كنت غنياً وأن تقدم على العمل الحر مهما كان ضئيلاً وأن تزج بنفسك فيه مهما كانت مواهبك العملية”.
ثامناً: المحافظة على نقاء النفس وسموها:
من الثابت المقطوع به أن رسول الله ﷺ قبل بعثته لم يسجد لصنم، ولم يذبح لوثن، ولم يشرب خمراً، ولم يقرب فاحشة، ولم يفعل منكراً، وقد ورد حديث أُختُلف في صحته وهو الذي يُذكر فيه عن رسول الله ﷺ حفظ الله إياه حين أراد أن يدخل مكة فيسمر بها كما يسمر الشباب، فضرب الله على أذنه فنام، فما أيقظه إلا حر الشمس وتكرر ذلك مرتين، وايا كانت درجة صحة الحديث فالثابت أن الله حفظ رسوله ﷺ من كل مساويء الجاهلية.
ولا يختلف أحد حول أهمية توفير الأجواء النقية التقية لتنشئة الشباب في طهر وعفة ونقاء وهم في مرحلة التكوين والإعداد، فكلما كانت الأبصار غضيضة عن الحرام، والعقول بعيدة عن الاستثارة وجو الشهوات كلما كانت النفس أهدأ وأنقى ولا تتلوث بأدران المعصية، وحين لاحظ رسول الله ﷺ نظر الفضل بن العباس إلى المرأة الوضيئة حول وجهه إلى الجهة الأخرى، وقال رايت شاباً وشابه فلم آمن عليهما الفتنة، فلنختر لأبنائنا صغاراً المناخ الذي يتربون فيه، فإذا ما شبوا وكبروا أشركناهم فيما نحب اختياره لهم من مجالس وأندية وصداقات ومجلات ومشاهدات وقصص وروايات وأفلام ومسرحيات وأناشيد وأغنيات.
تاسعاً: الأخلاق الفاضلة والصفات النبيلة الكريمة:
- عُرف رسول الله ﷺ بالأخلاق الكريمة الفاضلة، وشهد بذلك معاصروه من أهله، وكل من تعامل معه، فكان رسول الله ﷺ أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأكرمهم حسباً، وأحسنهم جواراً، وأعظمهم حلماً، وأصدقهم حديثاً، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم عن الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال تنزهاً وتكرماً.
- كان النبي ﷺ ملقباً بالصداق الأمين، وكانت تحفظ عنده الأمانات والودائع، وقلَّ أن يوجد رجل في مكة عنده شيء يخشى عليه إلا أستأمن رسول الله ﷺ عليه.
- اعترف مخالفوه بصدقه، فقالوا: “ما جربنا عليك كذب قط”.
- حين حمل رسول الله ﷺ الحجارة عند بناء الكعبة، ووضع إزاره على رقبته ليقيه أثر الحجارة في جسده (عملاً بنصيحة عمه العباس) خرَّ إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم أفاق فقال إزاري إزاري، فشُدَّ عليه إزاره، فما رؤيت له عورة بعد ذلك، وفي هذا الوقت كان الناس يطوفون عراة بالبيت.
- حين نزل الوحي عليه، ودار الحوار بينه وبين السيدة خديجة رضي الله عنها، قالت له: “والله لا يخزينك الله أبداً، إنك لتصل الأرحام، وتصدق الحديث، وتمل الكسل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتقين على نوائب الحق”.
- هيأت تلك الخصال الكريمة رسول الله ﷺ أن يحل مشكلة ضخمة عند إعادة بناء الكعبة وكاد الناس أن يحتكموا إلى السلاح ثم اتفقوا على تحكيم أول داخل من باب الصفا فلما رأوه قالوا هذا الأمين ارتضيناه حَكماً.
فمن الأهمية بمكان أن تكون ساحة الداعية مبرأة من العيب، موسمة بمكارم الأخلاق ما وسمه إلى ذلك سبيلاً، وقد قال رسول الله ﷺ:
إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق
رسول الله ﷺ
فمن الضروري أن يكون المسلم عاملاً في مجال العمل العام، مسابقاً إلى فعل الخيرات وأعمال البر والخدمات، مشاركاً في الجمعيات الأهلية، والأندية الرياضية، والهيئات الخيرية، ولعل من الضروري الإشارة إلى العقبات التي يواجهها الدعاة حين يغشون تلك المجالس والهيئات حرصاً من أعدائهم ومخالفيهم على عزلهم عن ساحة الحياة وأحداثها وإبعاداً لتأثيرهم في حياة الناس، ولكن لابد من الصبر والدأب والعاقبة للمتقين.
وتجدر الإشارة إلى ما ذكره الاستاذ البنا في واجبات الأخ المسلم حين قال: أن تكون عظيم الشأط مدرباً على الخدمات العامة تشعر بالسعادة والسرور إذا استطعت أن تقدم خدمة لغيرك من الناس، فتعود المريض وتساعد المحتاج، وتحمل الضعيف وتواسي المنكوب ولو بالكلمة الطيبة وتبادر دائماً إلى الخيرات.
عاشراً: الزواج الموفق السعيد
- هيأ الله لرسوله ﷺ زوجاً صالحة عطوفاً ودوداً، كانت تهيء له سبل الراحة والهناءة والسعادة، فالبيت هادئ مستقر، والأولاد بخير حال، والزوجة خير عَون على الفِكر، والإنطلاق إلى غار حراء الليالي ذوات العدد، فكان يجاور كل سنة شهراً يطعم من جاءه من المساكين، فلا يجد عنناً من زوجه ولا رغبة في الاستئثار بكل وقته، ولا يجد تنغيصاً بمشاكل البيت والحياة اليومية، حيث كانت خديجة تكفيه الكثير والكثير.
- كانت نعم المستشار العليم الأمين حيث تثبته بقولها: “أبشر يا ابن العم فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتخمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق”، ثم انطلقت به إلى ورقة بن نوفل فاستشارت عالماً، ولم تركته إلى خرافات العرب، وما تسمعه من أساطير بل ذهبت به إلى عالم مؤتمن في البيئة التي يشيع فيها الجهل.
- صدقت به حين كذب به الناس، وآمنت به حين كفر به الناس، وواسته بمالها حين حرمه الناس.
فمن الأهمية بمكان أن يحسن المسلم الصادق اختيار زوجته ورفيقة دربه في طريقه إلى الله عز وجل ليقي نفسه عثرات الطريق ويجد النصير والمعين في طريق السعي والداب والكفاح، فالزواج منعطف من أشد المنعطفات خطورة في حياة الناس عامة والدعاة خاصة، ولذا كانت وصيته ﷺ بد فاظفر بذات الدين تربث يداك.
حادي عشر: الخلوة والتفكر والتدبر:
حُبب الخلاء إلى رسول الله ﷺ فكان يخلو شهر رمضان بغار حراء فيتعبد فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك، ويطعم من جاءه من المساكين، فإذا رجع من جواره كان أول ما يبدأ به إذا انصرف قبل أن يدخل بيته الكعبة فيطوف بها سبعاً أو ما شاء ثم يرجع فيتزود لمثلها، ولعلنا نلاحظ في هذا المقام:
- أن رسول الله ﷺ حٌبب إليه الخلاء والتعبدومواظبته عليه الليالي ذوات العدد، والخلوة يكون معها فراغ القلب، وهي مُعينة على الفكر، ومقطع لدعاوى الشغل والبشر، ولا ينفك عن طباعه، ولا يترك مألوفه من عاداته إلا بالرياضية البليغة والمعالجة الشديدة.
- أن المقيم في غار حراء يمكنه رؤية الكعبة فيجتمع فيه ثلاث عبادات: الخلوة والتعبد والنظر إلى البيت.
- أن رُكنيَّ السير إلى الله هما الفكر والذكر، وأنه من الضروري في برامج التربية أن تكون فيها خلوات وأذكار ودعوات واعتكافات، وإن قلت ليتمكن القلب من أداء المهمة والقيام بأعباء الدعوة.







