تعريف التربية
التربية لغةً: «لأصل معنى التربية ثلاثُ معانٍ:
- الأول: رَبا يرْبو؛ بمعنى: زاد ونَمَا.
- الثاني: رَبَى يَرْبى، على وزن: خفي، يخفى، ومعناها: نشأ وترعرع.
- الثالث: رَبَّ يَرُبُّ، على وزن مدّ يَمُدّ، بمعنى: أصلح وتولى الأمر، وقال البيضاوي في تفسيره: الرّبّ في الأصل، بمعنى التربية، وهي: تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا؛ ثم وُصف به تعلى للمبالغة. أما الراغب الأصفهاني فقال في كتابه «المفردات»: الرّبّ في الأصل: التربية، وهو إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حد التمام».
والتربية اصطلاحًا هي: «الأسلوب الأمثل في التعامل مع الفطرة البشرية توجيهًا مباشرًا بالكلمة، وغير مباشر بالقدوة، وفق منهج خاص، ووسائل خاصة، لإحداث تغيير في الإنسان نحو الأحسن».
- وهي: «خبرة تؤثر في السلوك، والعلم رافدها المعرفي، والتدريب رافدها المهاري، والإثارة أو الانفعال رافدها القلبي والوجداني، وهي أساس التثقيف، والسلوك هو كل ما يصدر عن الفرد بصورة منتظمة».
- وهي: «عملية هادفة وفن مرن متطور تحكمه قواعد وقوانين، ترمي إلى تكوين العادات الحسنة بالاستفادة من الغرائز والميول في تحقيق هذا الهدف عن طريق الإرشاد والتدريب».
- وهي: «تغيير مقصود هادف فى بعض أو كل جوانب الشخصية الإنسانية عن طريق إكسابها خبرات متنوعة ذات معنى من خلال منهج».
التربية وعلاقتها بالتعليم والتدريب والتثقيف
التـعليــــم: هو كل معرفة مستندة إلى دليل ويبقى في دائرة المعرفة ولا يؤثر في السلوك. وطالما بقي العلم في دائرة المعرفة والمعلومة ولم يتجاوزها إلى دائرة التأثير في السلوك والتصرف، فمن الخطأ أن نسمي مجرد التعلم والتدارس تربية.
التــدريب: هو تمثيل الأدوار واستخراج كامن الكفاءات والطاقات الشخصية والوصول إلى أفضل مستوى من الإتقان بحيث يتم العمل في أقل وقت وبأقل جهد، وفي أحسن صورة؛ لذلك فالتدريب هو أحد روافد التربية ويعد أحد المسارات الهامة لإكساب الخبرة المهارية.
التثقيــف: هو إكساب خصائص لا إكساب معارف فحسب، وعملية تثقيف الإنسان المسلم هي إعداده للدخول في المجتمعات المحيطة به فيؤثر فيها التأثير المحمود ولا يتأثر بها التأثير المذموم. وهذا لا يتم إلا عن طريق التربية.
هدف التربية
أهداف التربية الإسلامية
يقول الدكتور على عبد الحليم: إن أهداف التربية الإسلامية، أو غاياتها التي تحاول أن تصل إليها هي على وجه الإجمال: كل ما يمكن الإنسان من حياة دنيوية راشدة صالحة، وحياة أخروية ترضي الله سبحانه، وتؤدي إلى ثوابه ورضوانه. وتتمثل في هذه النقاط:
أولًا: عبادة الله وحده وفق ما شرع: فلقد قال سبحانه:
﴿الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
سورة الذاريات: 56
ثانيًا: الخلافة الله فى الأرض: فقد قال سبحانه:
﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾
سورة البقرة: 30
وما ترتب على هذا الاستخلاف من ضرورة استعمار الأرض والاستفادة مما أودع الله فيها للإنسان من خيرات، قال سبحانه:
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾
سورة هود: 61
ثالثًا: التعارف بين الناس: فقد قال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾
سورة الحجرات: 13
رابعًا: سيادة الأرض والتمكن فيها: قال تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾
سورة النور: 55
خامسًا: الحكم بالشريعة: قال تعالى:
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾
سورة الجاثية: 18
وقال:
﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾
سورة المائدة: 94
خصائص التربية الإسلامية
1- ربانية
يقول الإمام البنا: «أما إنها ربانية فلأن الأساس الذي تدور عليه أهدافنا جميعًا أن يتعرف الناس إلى ربهم وأن يستمدوا من فيض هذه الصلة روحانية كريمة تسمو بأنفسهم عن جمود المادة الصماء وجحودها إلى طهر الإنسانية الفاضلة وجمالها،».
2- شاملة متكاملة متوازنة
فهي نابعة من تكامل منهج الإسلام في إمداد الإنسان المسلم بكل الجوانب اللازمة لصلاح الدنيا والآخرة، وكذلك نابعة من إيماننا بشمول المنهج الإسلامي وتكامله وتوازنه، فنحن لا نرضى بالإسلام إلا بشموله وعمومه. كذلك تناسق التكوين واتزانه معرفةً وتصورًا عقليًا وروحًا ووجدانًا قلبيًا وتصرفًا وسلوكًا حركيًا تأخذ الأمور بوسطية واعتدال وتوازن، فلا إفراط ولا تفريط فيها، لا تميل إلى جانب على حساب جانب، ولا تبالغ في أمر دون أمر.
3- متدرجة
وهذا ينبع من إيماننا بأن التدرج سنة من سنن الله في الكون فإن:
المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى
رواه البزار
فتنتقل في خطواتها ومراحلها التغيرية وفق معايير متدرجة، ووفق خطوات مدروسة ومرسومة وواضحة المعالم، لا تتعجل النتائج، ولا تستبق الأحداث، ولا تتجاوز درجات السلم التربوي للتغيير المنشود، فمن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.
4- جماعية منظمة
ففي بيعة العقبة الثانية قال رسول الله ﷺ للأنصار:
أخرجوا إلى منكم اثني عشر نقيبًا يكونوا على قومهم كفلاء ككفالة حواري عيسي بن مريم لقومهم
إنه النظام في العملية التربوية:
مَا مِنْ ثَلاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلا بَدْوٍ لا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَاةُ إِلا قَدْ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ فَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ
5- حركية
فهي دعوة للأمل والفاعلية، ترتكز على البحث عن إيجابيات النفس والبدء بها والتركيز عليها ومحاولة تنميتها، وإضفاء روح الإيجابية البناءة، والتفاعل المثمر، وبث روح الأمل في النفوس.
6- مستمرة
تبدأ من الميلاد الحقيقي للنفس البشرية ثم تمتد بهذه النفس في مسيرة منتظمة مستمرة حتى الوفاة، فهي عملية تربوية لا تتوقف:
﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾
سورة الحجر: 99
7- مثالية واقعية
تأخذ في سيرها بالسنن الإلهية في التعامل مع النفس البشرية، وأن هذه النفس لها مقومات وخصائص ومشاعر وأحاسيس يجب أن تراعى، فهي تتعامل مع الكينونة الإنسانية كلها وتعترف بالتفاوت الطبيعي بين الأفراد.
محاور العملية التربية
ومحاور العملية التربوية أربعة:
أولًا: المربي
وهو المسئول الأول عن نجاح العملية التربوية وتحقيق أهدافها، وعن رعاية مَن معه في الصف، وهو منهم بمنزلة الوالد بعاطفته وعنايته بشئونهم الحياتية والشخصية، وكان رسول الله ﷺ يقول:
إنَّما أنا لكم بمنزِلةِ الوالِدِ أُعَلِّمُكم …
وهو منهم بمنزلة الشيخ الذي يُعنَى بأحوالهم الإيمانية والسلوكية، وهو منهم بمنزلة الأستاذ الذي يُعنى بمستواهم الفكري والعلمي، وهو القائد القدوة الذي يقدم القدوة من نفسه.
فالمربي هو حجر الزاوية في العملية التربوية، يربِّي من معه وفق منهج الله، وهذه في الأصل مهمة الأنبياء:
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيْكُمْ رَسُوْلًا مِّنْكُمْ يَتْلُوْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيْكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَّا لَمْ تَكُوْنُوا تَعْلَمُوْنَ﴾
سورة البقرة: 151
ثانيًا: الفرد
هو اللبنة الأولى في المجتمع، وإذا صلحت هذه اللبنة صلح بناء المجتمع كله، والناظر في تاريخ الدعوات يجدها تبدأ دائمًا بفرد، فالرسول أو النبي كان يبدأ بنفسه كفرد ثم بعد ذلك يدعو أفرادًا يربيهم على عينه، فكان يحوِّل الفكرة المجردة إلى رجال يتحركون بها ويعيشون لها، ويجاهدون في سبيلها ويموتون من أجلها.
ومهمة المسلم مهمة تغييرية، وهي مهمة صعبة وشاقة؛ لذلك يجب أن يكون إعداد الفرد المسلم متكافئًا مع ثقل المسئولية
ثالثًا: البيئة التربوية
البيئة التربوية هي المناخ الذي تحرص العملية التربوية على توفيره متمثلًا في مجموعة القيم والأفكار والمفاهيم والمشاعر والاتجاهات لتؤتي العملية التربوية ثمارها المرجوة، ويتسم المناخ التربوي بالصفات والأجواء التالية:
1- الربانية: إن الخصيصة الأولى من الخصائص العامة للإسلام هي: الربانية.
والربانية كما يقول علماء العربية: مصدر صناعي منسوب إلى (الرب)، زيدت فيه الألف والنون، على غير قياس، ومعناه: الانتساب إلى الرب، أي: الله، سبحانه وتعالى، ويطلق على الإنسان أنه (رباني) إذا كان وثيق الصلة بالله، عالًما بدينه وكتابه، معلمًا له. وفي القرآن الكريم:
﴿وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾
سورة آل عمران: 79
والمراد من الربانية هنا أمران: ربانية الغاية والوجهة، وربانية المصدر والمنهج.
فالربانية وردت في كتاب الله في أربعة مواضع:
في قوله تعالى:
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾
سورة آل عمران: 79
وقوله تعالى:
﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
سورة آل عمران: 146-147
وقوله تعالى:
﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾
سورة المائدة: 44
وقوله تعالى:
﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾
سورة المائدة: 63
فالربانية تعليم وتعلم ومدارسة وتدريس، وجهاد وصبر ومصابرة وتضرع وإخبات، واعتراف بالذنب وطلب الغفران والتضرع إلى الله بالافتقار، وطلب النصرة والثبات، وتحكيم شرع الله والنزول على حكمه، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر.
2- القدوة: القدوة من المصطلحات التي وردت في القرآن الكريم، وقد ساق الله تعالى الكثير من سير الأنبياء والصالحين وأمر بالاقتداء بهم، كما قال تعالى:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾
سورة الأنعام: 90
لأن للقدوة أثرًا عظيمًا في بناء المقتدي، وصياغة شخصيته، وتنمية قدراته؛ ولهذا فإن الله- عز وجل- بعث الرسل إلى أُممهم لتبليغ دعوته.
والقدوة الحسنة هي المثال الواقعي للسلوك الخلقي الأمثل، وهذا المثال الواقعي قد يكون مثالًا حسيًّا مشاهدًا ملموسًا يقتدي به، وقد يكون مثالًا حاضرًا في الذهن بأخباره، وسيره، وصورة مرتسمة في النفس بما أثر عنه من سير، وقصص، وأنباء من أقوال أو أفعال.
والقدوة الحسنة تكون للأفراد على صفة أفراد مثاليين ممتازين، وتكون للجماعات على صفة جماعات مثالية ممتازة… ووجه القرآن الكريم بصراحة تامة إلى القدوة الحسنة، فقال الله تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾
سورة الأحزاب: 21
وتحرص البيئة التربوية على إشاعة القدوة الحسنة قولًا وعملًا.
٣ ـ الحب: إن حب الله ورسوله والمؤمنين والحب في الله والعاطفة الصادقة من أهم سمات البيئة التربوية الناجحة والفعالة في تحقيق الأهداف التربوية.
عن أنسٍ رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال:
ثَلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجَدَ بهِنَّ حَلاوَةَ الإيمانِ: مَن كانَ اللَّهُ ورَسولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ ممَّا سِواهُما، وأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ، وأَنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ في الكُفْرِ بَعْدَ أنْ أنْقَذَهُ اللَّهُ منه، كما يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ في النَّارِ
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه- خادم رسول الله ﷺ- أن النبي ﷺ قال:
لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: إني سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: قال اللهُ تعالى:
وَجَبَتْ محبتي للمُتَحابِّينَ فِيَّ، والمتجالسين فِيَّ، والمتزاورين فِيَّ، والمتباذِلين فِيَّ. وفي روايةٍ قال: يقولُ اللهُ- تعالى-: المتحابُّونَ في جلالي؛ لهم مَنابِرُ من نورٍ يَغْبِطُهم النبيونَ والشهداءُ
وقد روى عمر بن الخطاب فيما رواه أبو داود عن رسول الله ﷺ أنه قال:
إنَّ مِن عِبادِ اللهِ لَأُناسًا ما هم بأنبياءَ، ولا شُهداءَ، يَغبِطُهمُ الأنبياءُ والشُّهداءُ يَومَ القيامةِ لِمَكانِهم مِنَ اللهِ. قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ تُخبِرُنا مَن هم. قال: هم قَومٌ تَحابُّوا برُوحِ اللهِ على غَيرِ أرحامٍ بَينَهم، ولا أموالٍ يَتعاطَوْنها، فواللهِ إنَّ وُجوهَهم لَنورٌ، وإنَّهم لَعَلى نُورٍ: لا يَخافونَ إذا خافَ الناسُ، ولا يَحزَنونَ إذا حَزِنَ الناسُ، وقَرَأ هذه الآيةَ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (يونس: 62)
رواه أبو داود
يقول الأستاذ أحمد سالم البطاطي: إن التربية المنتجة عملية صعبة ومستمرة تحتاج إلى معايشة مع المتربين، والتربية التي تعتمد على لقاء عابر أو جلسة أسبوعية أو مناسبة عامة فقط تربية فيها نقص وخلل، ومن ثَمَّ لا يكون البناء متكاملًا، فلا نستغرب بعد ذلك من تلك المخرجات المتذبذبة والمتهلهلة التي من أبرز سماتها الالتزام الأجوف. والناظر في سيرة المصطفى ﷺ يجد أن قضية المعايشة قضية بارزة في حياته ﷺ، يؤكد هذا المعنى عبد الله بن شقيق- رضي الله عنه- عندما سأل عائشة- رضي الله عنها-:
هل كان النبي ﷺ يصلي وهو قاعد؟ قالت: نعم! بعدما حَطَمَهُ الناس
فقد كان ﷺ يتصدى للناس، ويعايشهم، ويخالطهم، يستقبلهم ويودعهم، ويتحمل أخطاءهم؛ لذلك حطمه الناس، وأثَّروا في بدنه ﷺ حتى أصبح يصلي جالسًا، وأسرع إليه الشيب بأبي هو وأمي ﷺ. ويؤكد هذا المعنى أيضًا حديث أنس- رضي الله عنه- حيث قال:
إن كان رسول الله ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير! ما فعل النغير؟
إن مفهوم المعايشة هو: أن يُظهِر المربي استعداده لمعايشة المتربين واستقبالهم والجلوس معهم، وأن يُشعِرَهم بتوفر الوقت والمكان لديه لمعالجة قضاياهم وحل مشكلاتهم، وتتمثل أيضًا في إظهار أوقات الاستقبال وتحديدها؛ كالساعات المكتبية، والساعات المنزلية، والأيام، والأوقات المتوفرة للخروج مع المتربين في نشاطاتهم ورحلاتهم، وزياراتهم، وتيسير سبل الاتصال به؛ كالاتصال الشخصي، والكتابي، والهاتفي، ومدى الاستعداد لتذليل وسيلة النقل؛ كالسيارة ونحوها عند الحاجة. والخلاصة: أن كل ما يُظهِرُه المربي من استعداد ليكون قريبًا من إخوانه، والعناية بحاجاتهم، وحل مشكلاتهم فهو من خاصية المعايشة.
5- التكافل: فعن النعمان بن بشير-رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ:
مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ، وتَراحُمِهِمْ، وتَعاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى
فالمعايشة الفعالة والأخوة الواعية تثمر تكافلًا راقيًا بين الإخوان بعضهم بعضًا فيحمل بعضهم عبء بعض ماديًا ومعنويًا
6- الاحترام: فالبيئة التربوية تعمل على احترام الذات والآخرين صغارًا وكبارًا، احترام الآخرين في أفكارهم وممتلكاتهم وحقوقهم والامتناع عن إيذائهم، وفي الحديث الشريف عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال:
المسلمُ من سلِمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ، والمؤمنُ من أمِنَهُ النَّاسُ على دمائهِمْ وأموالِهم، والمهاجرُ من هجرَ السَّيِّئاتِ، والمجاهدُ من جاهد نفسَهُ للهِ
وسُئل أي المسلمين أفضل قال:
من سلمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ
7- الشفافية: وتعني في البيئة التربوية التزام الصدق وسيادة المصداقية وتبيان الحقائق ووضوح الرؤية وبيانها بيانًا لا لبس فيه ولا غموض، فلا مكان للتناجي ولا للالتفاف وما أجمل ما قال كعب بن مالك في حديث توبته للنبي ﷺ:
يا رَسُولَ اللهِ، إنِّي، وَاللَّهِ لو جَلَسْتُ عِنْدَ غيرِكَ مِن أَهْلِ الدُّنْيَا، لَرَأَيْتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ مِن سَخَطِهِ بعُذْرٍ، وَلقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لقَدْ عَلِمْتُ، لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليومَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى به عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ على وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ على فِيهِ، إنِّي لأَرْجُو فيه عُقْبَى اللهِ، وَاللَّهِ ما كانَ لي عُذْرٌ، وَاللَّهِ ما كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: أَمَّا هذا، فقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ فَقُمْتُ
8- الشوري: فإن الله خاطب رسوله ﷺ فقال:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾
سورة آل عمران: 159
ووصف الله المؤمنين فقال في كتابه العزيز:
﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾
سورة الشورى: 38
ورسولنا هو القائل:
أشيروا على أيها الناس
فإشاعة مناخ الشورى من أهم معالم البيئة التربوية الناجحة.
9- الخلق الحسن: روى الترمذي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ
رواه الترمذي عن أبي الدرداء
وروى الإمام أحمد عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:
ألا أخبرُكم بأحبِّكم إلى وأقربِكم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ، فأعادها مرَّتَيْن أو ثلاثًا، قالوا: نعم يا رسولَ اللهِ، قال: أحسنُكم خُلقًا
رواه الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده
وقد روى أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا
رواه أبو داود عن أبي هريرة
وروى أحمد عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
إِنَّ الْفُحْشَ، وَالتَّفَحُّشَ لَيْسَا مِنَ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ إِسْلَامًا، أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا
رواه أحمد عن جابر بن سمرة
وفي رواية عند البخاري ومسلم:
أنَّ يَهُودَ أتَوُا النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالوا: السَّامُ علَيْكُم، فَقالَتْ عَائِشَةُ: علَيْكُم، ولَعَنَكُمُ اللَّهُ، وغَضِبَ اللَّهُ علَيْكُم. قالَ: مَهْلًا يا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بالرِّفْقِ، وإيَّاكِ والعُنْفَ والفُحْشَ قالَتْ: أوَلَمْ تَسْمَعْ ما قالوا؟ قالَ: أوَلَمْ تَسْمَعِي ما قُلتُ؟ رَدَدْتُ عليهم، فيُسْتَجَابُ لي فيهم، ولَا يُسْتَجَابُ لهمْ فِيَّ
متفق عليه (البخاري ومسلم)
وأخرج الإمام أحمد وابن حبان والطبراني عن أبي جري جابر بن سليم رضي الله عنه قال: انتهَيْتُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو مُحتَبٍ في بُردةٍ له وإنَّ هُدْبَها لعلى قدمَيْه فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ أوصِني قال:
عليك باتِّقاءِ اللهِ ولا تحقِرَنَّ مِن المعروفِ شيئًا ولو أنْ تُفرِغَ مِن دَلوِك في إناءِ المُستقي، وتُكلِّمَ أخاك ووجهُك إليه منبسِطٌ، وإيَّاك وإسبالَ الإزارِ فإنَّها مِن المَخِيلةِ، ولا يُحِبُّها اللهُ، وإنِ امرؤٌ عيَّرك بشيءٍ يعلَمُه فيك فلا تُعيِّرْه بشيءٍ تعلَمُه منه، دَعْه يكونُ وبالُه عليه وأجرُه لك ولا تسُبَّنَّ شيئًا. قال: فما سبَبْتُ بعدَه دابَّةً ولا إنسانًا
أخرجه أحمد وابن حبان والطبراني
١٠- دوام الارتقاء: تعمل البيئة التربوية الفعالة على مداومة الارتقاء النفسي والروحي والسلوكي، وأن تقيم من الشخص قيمًا على نفسه، يجاهدها ويشاركها ويحاسبها فهو يعلم أن الموعد الله، وأن الموت آت لا ريب فيه.
١١- إرشاد المجتمع: تحرص البيئة التربوية على قيام الأفراد بدورهم فى إرشاد المجتمع كما أوضح ذلك الإمام البنا في رسالة التعاليم في ركن العمل حيث قال:
وإرشاد المجتمع بنشر دعوة الخير فيه، ومحاربة الرذائل والمنكرات، وتشجيع الفضائل، والأمر بالمعروف، والمبادرة إلى فعل الخير، وكسب الرأي العام إلى جانب الفكرة الإسلامية، وصبغ مظاهر الحياة العامة بها دائمًا …
١٢ ـ مراعاة واجب الوقت ومقتضى الحال: تعمل البيئة التربوية على إقدار الأفراد على القيام بواجب الوقت والالتزام بفقه الأولويات، ومراعاة مقتضى الحال من حيث طلب العمل، أو بذل المجهود في تحصيل الرزق وكفاية الأهل والأولاد، أو القيام بواجب الدعوة تجاه النفس أو الأهل أو المجتمع.
رابعًا: المنهاج
مفهوم المنهاج: المنهاج في اللغة: الطريق الواضح. قال تعالى:
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾
سورة المائدة: 48
وأما في الاصطلاح: فهو منظومة المعارف والحقائق والمبادئ والمفاهيم والقيم والاتجاهات والمهارات التي تحقق الأهداف الكبرى للجماعة، وما تحصله من ذلك داخل المؤسسة أو خارجها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بما، في ذلك الأنشطة والرحلات والزيارات والمحاضرات والندوات والمؤتمرات والدورات والمعارض ووسائل الاتصال الإلكترونية الحديثة.
وفي هذا يقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله: «رأيت القائمين بكل نهضة موفقة نجحت وأثمرت كان لهم منهاج محدد عليه يعملون، وهدف محدد إليه يقصدون، وضعه الداعون إلى النهوض، وعملوا على تحقيقه خلفهم من قومهم، غيرهم يعملون على منهاجهم، ويبدأون من حيث انتهى أولئك، لا يقطعون ما وصلوا، ولا يهدمون ما بنوا، ولا ينقضون ما أسسوا وشادوا، ولا يخربون ما عمروا، فإما زادوا عمل أسلافهم تحسينًا أو مكَّنوا نتائجه تمكينًا، وإما تبعوهم على آثارهم فزادوا البناء طبقةً وساروا بالأمة شوطًا إلى الغاية».







