يختزل كثيرٌ من الآباء والمربين عملية تحفيظ القرآن للأطفال في فكرة إنجاز حفظ كتاب الله تعالى في أسرع وقت حتى لو كان ذلك دون وعي أو تدبر كامل، في حين تُؤسّس النظرة التربوية للحفظ لفكرة إنشاء علاقة وجدانية للطفل مع كلام الله- عز وجل- تمتد معه مدى الحياة.
ولا شك أنّ حفظ القرآن الكريم وإتقان التلاوة من الأمور المهمة، لكن التركيز على المشروع التربوي من عملية الحفظ في غاية الأهمية، إذ حري بهذا المشروع تشكيل عقل الطفل ووجدانه وسلوكه، وتكوين شخصيته وتعزيز علاقته بكتاب الله- سبحانه وتعالى- منذ نعومة أظافره.
أهمية وفضل تحفيظ القرآن للأطفال
إن تحفيظ القرآن للأطفال في سنّ مبكرة له أهمية كبيرة وفضل عظيم، بل يُعد من أهم عوامل تربية الروح والأخلاق لدى الصغار، ومن أهم فضائل حفظ كتاب الله:
غرس الأخلاق الحميدة
فالقرآن الكريم ليس مُجرّد نصٍّ للعبادة، بل هو منهج لتكوين الإنسان أخلاقيًّا، حيث يمكن غرس القيم والأخلاق الحميدة في نفوس الأطفال من خلال إبراز نماذج حسنةً وقصص استشهد بها القرآن، وبيان الصفات الحميدة التي يجب أن يتحلَّى بها المسلم؛ مثل الصدق والإحسان والصبر والأمانة والشجاعة الرحمة والعطف، يقول الله تعالى : {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119]، ويقول سبحانه في أهمية التقوى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].
ترقيق القلب والمشاعر
والقرآن يُربّي لدى الطفل العواطف الربانية، يقول الله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ} [الزمر:23].
التأني في العلم
ويُؤكد القرآن هذا المعنى المهم من خلال الفهم بتدرج وعدم التّسرع في عملية التعلم، يقول تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا} [الإسراء:106]، وقال سبحانه: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} [القيامة:16].
الفوز بالخيرية
ومن فضائل تعليم القرآن للأطفال فوزهم بالخيرية، كما أخبر النبي- صلى الله عليه وسلم-، حينما قال: «خَيْرُكُمْ- وفي رواية: إِنَّ أَفْضَلَكُمْ- مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (البخاري).
الدرجات العُلى في الجنة
فعن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «يُقالُ لصاحِبِ القُرآنِ: اقْرَأْ وارْتَقِ ورَتِّلْ كما كُنتَ تُرتِّلُ في الدُّنيا، فإنَّ مَنزِلَتَك عندَ آخِرِ آيةٍ تَقْرَؤها» (أبو داود والترمذي).
الحماية من نار الآخرة
فقد روى الإمام أحمد في مسنده، والدارمي في سننه، عن عقبة بن عامر- رضي الله عنه-، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «لَوْ أَنَّ الْقُرْآنَ جُعِلَ فِي إِهَابٍ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ مَا احْتَرَقَ»، قال الإمام أحمد: «في إهابٍ يعني في قلب رجل».
اتباع وصية النبي
وكان من وصية النبي- صلى الله عليه وسلم- لأمته عامة ولِحَفَظَة كتاب الله تعالى خاصة تعاهد القرآن الكريم باستمرار، فقال: «تَعاهَدُوا هذا القُرْآنَ، فَوالذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ لَهو أشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإبِلِ في عُقُلِها» (البخاري ومسلم).
يكون مع الملائكة
فعن عائشة- رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «الْماهِرُ بالقُرْآنِ مع السَّفَرَةِ الكِرامِ البَرَرَةِ، والذي يَقْرَأُ القُرْآنَ ويَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وهو عليه شاقٌّ، له أجْرانِ» (البخاري ومسلم).
أفضل طرق تحفيظ القرآن للأطفال
ومن أفضل طرق تحفيظ القرآن للأطفال في سن صغيرة، ما يلي:
- التكرار الجماعي: وهي الطريقة التي تستخدمها الكتاتيب مع الأطفال في سن يتراوح بين 3 و6 سنوات وهو أفضل عمر لتحفيظ القرآن للصغار، وفي هذه المرحلة يقرأ المحفظ الآية بوضوح ويردد خلفه الطفل عدة مرات.
- التدرج: ويكون بحفظ آية واحدة وتكرارها خلال اليوم، ثم في اليوم التالي، يربط الآية الجديدة بالقديمة.
- المصحف المعلم: وهي طريقة السمع البصري، عن طريق تشغيل مقطع صوتي من المصحف المعلم مع ترديد أطفال، وهي طريقة تقوي الذاكرة السمعية والبصرية للطفل.
- الربط بالقصص: وهي تعتمد على الفهم قبل الحفظ، ونتيجتها مبهرة، لأن الطفل يعشق الحكايات والقصص وبالتالي يصبح حفظ الكلمات والآيات أسرع وأسهل.
- التحفيز والمكافآت: وهي طريقة تعتمد على تشجيع الطفل، فمن الممكن تحديد جائزة عند حفظ كل جزء من القرآن.
- التسجيل الصوتي: وهذه الطريقة مشجعة جدا للطفل، حيث يمكن التسجيل له وهو يقرأ القرآن، ليسمع صوته وسيسعد بذلك ويحاول تحسين حفظه وصوته في كل مرة.
أخطاء تربوية
وأثناء تربية الطفل بالقرآن وتحفيظه آيات الله قد يقع المُحفّظ في بعض الأخطاء التربوية، نذكر أبرزها هنا للحذر منها، وهي:
- الضغط النفسي: ويشمل التوبيخ والضرب والمقارنة بأطفال أخرى، وكل ذلك يؤدي إلى حاجز نفسي لدى الطفل يصعب كسره.
- الحفظ دون تثبيت: حيث يكون التركيز على الانتهاء من حفظ السور بسرعة دون مراجعة، مما يشعر الطفل الإحباط عندما يكتشف أثناء المراجعة أنه لا يتذكر شيء.
- إهمال التجويد: حيث يسمح المحفظ أو المربي للطفل بالحفظ دون الاهتمام بالتجويد وتحسين مخارج الحروف بحجة أنه ما زال صغيرًا، مما يصعب على الطفل بعد ذلك عملية التصحيح.
- الحفظ دون فهم: ولا شك عن الترديد والحفظ فقط دون فهم، خصوصًا الكلمات الغربية، يؤدي إلى التلعثم والنسيان.
- عدم اختيار الوقت والمكان المناسبين: وتحفيظ الطفل وهو جائع، أو مرهق، أو أثناء فترة لعبه مع أقرانه، محاولة فاشلة تتسبب في دجر المحفظ والطفل معًا.
رسائل تربوية لتشكيل العقل والوجدان
وحريٌّ بنا معرفة أنّ تحفيظ القرآن للأطفال ليس هدفه الأساسي هو «الختمة» أو الحصول على «إجازة» فحسب، بل بناء قصرٍ شامخ في قلب الطفل وتشكيل وجدانه وسلوكه ومشاعره وتربيته على معاني الأحكام المنزلة من فوق سبع سماوات، فهذا هو النجاح الحقيقي والأمانة التي تَستَحقّ منّا أن نتعمق في فهم أدواتها ونتقن صناعتها، ويكون ذلك من خلال:
تهيئة قلب الطفل وعقله
وهي المرحلة الأولى لتربية «الطفل القرآني» وذلك قبل أن يمسك المصحف، من خلال ربطه بصوت القرآن الكريم منذ مرحلة الرضاعة، لبناء ذاكرة سمعية لا واعية لديه، وحين يكبر قليلا، لا بد من أن يرى الطفل قدوة أمامه تعشق القرآن، وحبذا لو كانت القدوة هي الوالدين، فيراهما الطفل يتلذّذان بالقراءة، ويبكيان عند السّماع، ويحتكمان إلى كلام الله في أمور حياتهما، هنا يحفظ الطفل ما تراه عيناه ويتشرب قلبه بالقرآن.
استهداف العقل والوجدان
وفي هذه المرحلة يكون الطفل كبر وتهيّأ عقله ووجدانه لتعلّم القرآن وتشرّب ما فيه من معانٍ وقصص تربوية، لذا نحذر في هذه المرحلة من الانشغال فقط بالتلقين البحت، بل لا بد من استهداف العقل والوجدان، وبكل سهولة يمكن بدلًا من تكرار الآية بهدف الحفظ، تحويلها إلى قصة قصيرة، تشتمل على أهم الأسئلة وهي «ما القصة التي تحكيها؟ ماذا يعني هذا التشبيه؟ وما سبب نزول هذه الآية؟»، فيتحول الحفظ من الذاكرة القريبة إلى الذاكرة الدائمة.
استخدام الحواس
وحفظ القرآن للصغار يمكن أن يتم باستخدام الحواس، وذلك بالخروج من البيت لملاحظة الليل والنهار عند حفظ الآيات التي تتحدث عنهما، وعند حفظ آيات عن الجبال، يمكن تشكيل الجبال بالصلصال مثلا في حالة عدم وجود جبال قريبة، لأن هذا يخلق روابط عصبية أعمق ويُحوّل الآية إلى مشهدٍ محفورٍ في ذهن الطفل، كما يمكن تخيُّل شكلِ الآيةِ في المصحف، وربطها بمكانها في الصفحة، واستخدام الخطوطِ والألوانِ لزيادةِ تمييزِ نهاياتِ الآياتِ المتشابهة، ومناطقِ الحفظِ الضعيفةِ، ويمكننا الرّبط السّمعي بالتّركيز على صوت بعضِ الكلماتِ والحروفِ المميزةِ، للربط بين الآياتِ وتثبيتِ الحفظ.
احترام نفسية الطفل
فلا يجب أن يكون القرآن الكريم أداة لتهديد الطفل أو حرمانه، حتى لا يكرهه، ومن الضروري استثمار فترات القبول أثناء عملية تحفيظ القرآن للأطفال وهي أوقات بالطبع يكون الطفل فيها متفرغًا ذهنيًّا ونفسيًّا لعملية الحفظ، وغالبًا تكون هذه الفترات بعد انتهاء اللعب، كما يجب دعمه وتشجيعه بعد كل إنجاز يحققه في الفهم والحفظ ومعرفة المعاني والمقصود من الآية، فهذا يربط في ذهنه بين الإنجاز والشعور بالرضا.
إدارة النسيان بذكاء
فبدلًا من الغضب والصراخ في وجه الطفل بسبب التقصير في التحصيل والفهم والحفظ، ندرّبه على آليات ووسائل التّذكر، وطمأنته بأن النّسيان طبيعي ولا يعني فقدان الأجر أو أنّ الله غير راضٍ عنّا.
القدوة.. الملاذ الآمن
وتمثل القدوة نقطة مهمة في عملية حفظ كتاب الله، إذ يجب أن يرى الطفل قدوته وهو يلجأ دائمًا إلى القرآن باعتباره «الملاذ الآمن» للحماية من أي عقبات أو صدمات في الحياة، فإذا رأى الطفل ذلك تعلّم هو الآخر أن يلجأ إلى الآيات عندما يحزن، أو يخاف، أو حتى حينما يفرح، وها يتحول القرآن بالنسبة للطفل إلى صديق يلجأ إليه في جميع الأحوال.
استغلال المواقف
ومن الوسائل التربوية المهمة في عملية حفظ القرآن، استغلال المواقف وتربية الطفل من خلالها بالآيات القرآنية، فمثلا: إذا غضب الطفل، نذكره بقول الله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134]، إذ غضب نذكره بقوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 28]، وهنا يتحوّل القرآن إلى بوصلة أخلاقية داخل قلب الطفل تحركه دائمًا نحو الأخلاق الحميدة.
تعزيز العلاقة العاطفية مع القرآن
ولأن المشاعر الإيجابية تُعزز تثبيت المعلومات في الذاكرة طويلة المدى لدى الأطفال، فلا بد من أن يشعر الطفل بأن القرآن مصدر طمأنينة وجمال، وذلك بسماعه في أجواء هادئة وربطه بلحظات دافئة مع والديه أو مُحفّظه، ليصبح الحفظ عملية طبيعية وليست مفروضة بالقوة.
تمرين الذاكرة والحس اللغوي
ولا شك أن حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة عملية تعتمد على التدريب الذهني، لذا يجب التركيز على الانتباه والتكرار المُنظّم لتقوية الشبكات العصبية المرتبطة بالذاكرة، كما لا بد من تنمية الذاكرة السمعية، وتحسين النُّطق ومخارج الحروف، واكتساب مفردات لغوية جديدة.
الحذر من المنافسة
ومن الخطر أن نُحوّل عملية حفظ القرآن إلى منافسة شديدة قد تضر الطفل، وتسبب لديه ضغطًا نفسيًّا كبيرًا، ووقتها بدلا من أن يكون القرآن مصدرًا لسكينة قلب الطفل ووجدانه يصبح سببًا للقلق ومقياسًا للمقارنة فحسب.
التدرج في الحفظ
ومن الضروري التدرج في تعليم الأطفال القرآن الكريم، والهدف من اتباع هذه الوسيلة هو ترسيخ العلاقة بين الطفل والقرآن، لا سيما أن الضغط المستمر على الطفل من أجل الحفظ يؤدي إلى نفوره.
خلاصة القول
إن القرآن الكريم عندما يدخل عالم الطفل مبكرًا لا يضيف إلى ذاكرته آيات وكلمات فحسب، بل يغرس داخله منظومة قيمٍ ومعانٍ تشكّل عقله وشخصيته على المدى البعيد، وتلك هي النظرة التربوية الأعمق التي تكشف أن عملية تحفيظ القرآن للأطفال ليست مجرد تدريب على الحفظ والاستظهار، بل هي عملية بناء متكاملة للعقل والوجدان.
مصادر ومراجع
- ابن مفلح: الآداب الشرعية 2/ 33.
- عبد الله محمد الطولة: الطريقة النموذجية لحفظ القرآن الكريم – الجزء الرابع – وسائلُ تسهيلِ الحفظِ وتثبيتهِ.
- محمد قطب: منهج التربية الإسلامية، ص 45.
- د. عامر الهوشان: ضرب الأولاد لِيَحفظوا القرآن.