نزلت سورة الضحى على النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- لمواساته بعد فترة انقطاعٍ للوَحْي، وعلى الرغم من كونها قصيرة في المبنى، فهي عميقة في المعنى، وتحمل دستورًا متكاملًا لبناء الإنسان على المستويات النفسية والأخلاقية والاجتماعية.
ولأنّ هذه السورة نَزَلَت في لحظة فارقة من حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-، لتكون «مُطَمْئِنة» لقلبه ومواسية له في ظروفه الصعبة فإنها تستحق بجدارة لقب سورة «الاحتواء النفسي» التي صارت بعد ذلك منهج حياة ودليل يُعلّم المسلمين كيفية بناء شخصية سويًّة صُلبة في مواجهة التحديات، والخروج من ظلمات اليأس إلى أنوار اليقين.
أسباب نزول سورة الضحى وتفسيرها
وعن سبب نزول سورة الضحى على النبي -صلى الله عليه وسلم- في مكة، يقول الصحابي الجليل جندب بن عبد الله -رضي الله عنه-:
«احتَبَسَ جِبريلُ -عَليه السّلام- على النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-، فقالتِ امرَأةٌ مِن قُرَيشٍ: أبطَأ عليه شيطانُه، فنَزَلَت: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى: 1-3]» (البخاري ومسلم).
والمقصود أنه لمّا أبطأ جبريل -عليه السلام- عن المجيء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، قالت امرأة من قريش -وهي أم جميل أروى بنت حرب، زوج أبي لهب- أبطأ عليه شيطانه، تقصد جبريل عليه السلام، وهذا من الأذى الذي ابتلي به النبي -صلى الله عليه وسلم- من قومه، فنزلت السورة الكريمة تكذيبًا للمرأة الكافرة وتأييدًا للنبي -صلى الله عليه وسلم-.
والله -سبحانه تعالى- افتتح هذه السورة المكية مُقسِمًا بالنّهار الذي انتشر ضياؤه، وبالليل الذي اشتدت ظلمته، على أنّه ما ترك نبيه -صلى الله عليه وسلم- وما أبغضه.
وقال الطاهر بن عاشور في قول الله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} نفيٌ لأنْ يكونَ اللهُ قَطَعَ عنه الوحْيَ، وقد عُطِفَ عليه {وَمَا قَلَى} للإتيانِ على إبطالِ مَقالتَي المشرِكينَ؛ إذ قال بَعضُهم: ودَّعَه ربُّه، وقال بَعضُهم: قَلَاهُ ربُّه، يُريدون التَّهكُّمَ.
والله -جل وعلا- أخبر نبيه -صلى الله عليه وسلم- أنَّ حالَه في الآخرةِ أعظَمُ وأجَلُّ من حاله في الدنيا {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى}، وهو السَّبقُ والتَّقدُّمُ على جَميعِ أنبياءِ اللهِ ورُسلِه، وشَهادةُ أُمَّتِه على سائرِ الأُمَمِ، ورفْعُ دَرَجاتِ المؤمنينَ وإعلاءُ مَراتبِهم بشَفاعتِه، وغيرُ ذلك مِن الكَراماتِ.
وأما قوله تعالى {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} فهو وَعدٌ شامل لِمَا أعطاه في الدُّنيا مِن الفوْز والظَّفَرِ بأعدائه يومَ بدْرٍ ويومَ فتْحِ مكَّةَ وغيرِها، ودخول الناس في الدِّين أفواجًا، وما فَتَحَ على الخُلفاءِ الرَّاشدينَ ومَن بعْدَهم مِن أقْطارِ الأرضِ، ولِما ادَّخَرَ له مِن الثَّواب الذي لا يَعلَمُ كُنْهَه إلَّا اللهُ.
وفي قوله {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى}، فقد رُوي «أن أباه مات وهو جنين قد أتت عليه ستة أشهر، وماتت أمه وهو ابن ثمان سنين، فكفله عمه أبو طالب وعطفه الله عليه فأحسن تربيته»، {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} أي: غافلا عما أوحاه إليك من الهدى والفرقان، فهداك إليه وجعلك إمامًا له.
وقال سبحانه {وَوَجَدَكَ عَائِلًا} أي فقيرًا {فَأَغْنَى} أي فأغناك بمال خديجة الذي وهبته إياه، أو بما حصل لك من ربح التجارة.
والمقصود مِن هذا إيقاعُ اليَقينِ في قلوب المشرِكين بأن ما وَعَدَه الله به مُحقَّقُ الوقوعِ، قياسًا على ما ذَكَّرَه به مِن ملازمة لُطْفِه به فيما مَضى، وهم لا يَجهَلون ذلك، عَسى أنْ يُقلِعوا عن العناد ويُسرِعوا إلى الإيمانِ، وإلَّا فإن ذلك مَساءةٌ تَبْقى في نُفوسِهم وأشباحُ رُعبٍ تُخالِجُ خَواطِرَهم، ويَحصُلُ مع هذا المقصودِ امتنانٌ على النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وتَقويةٌ لاطمئنانِ نفْسِه بوَعْدِ اللهِ تعالى إيَّاهُ.
ويقول الله تعالى لنبيه: يا محمد إذا كنتَ تَعلَمُ هذه النعم عليك وأقرَرْتَ بها، فعليكَ بشُكرِ ربِّك، وبيَّن الله له الشُّكرَ بقولِه: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ} أي فأما اليتيم فلا تهنه وتذله ولا تظلمه بأخذ حقه وإساءة معاملته، ثم قال سبحانه: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} أي وأما الذي يسألك شيئا فلا تنهره وتزجره.
وفي نهاية السّورة يقول الله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} أي وحدِّث الناس بما أنعم الله به عليك، وقد جُعِلَ الشُّكرُ هنا مُناسِبًا للنِّعمةِ المشكورِ عليها، وإنَّما اعتُبِر تَقدير: إذا أرَدْتَ الشُّكرَ؛ لأنَّ شُكرَ النِّعمةِ تَنساقُ إليه النُّفوسُ بدافعِ المُروءةِ في عُرفِ النَّاسِ، وصُدِّرَ الكلام بـ(أمَّا) التَّفصيليَّةِ؛ لأنَّه تَفصيل لمُجمل الشكرِ على النعمة.
دستور تربوي
ولا شك أن سورة الضحى تُؤسس لصحّة نفسيّة ترتكز على الثّقة بالله والإحسان إلى الخَلْق، وهي دستور تربوي لبناء إنسان متصالح مع نفسه، صامد أمام الأزمات وفَعّال في مجتمعه. ومن أهم الدروس التربوية التي يُمكن تعلمها منها ما يلي:
لا قسم بغير الله
لأنّ الله -عز وجل- هو وحده مَن يُقسم بكل شيء، ولا يجوز للمسلم أن يُقْسِمَ بغير الله، لأنّ القَسَمَ بغير الله مُـحَرَّمٌ ونوعٌ مِن الشّرك، فعَنْ عبد الله بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَدْرَكَ عمر بن الخطّاب وهو يسير في ركب يحلف بِأَبِيه، فقال: «أَلا إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» (البخاري ومسلم).
الفرج من الله
فالسورة تبدأ بالقسم بالضحى والليل، وهما آيتان متضادتان أي نور وظلام، وبناء الإنسان يتطلب تعليمه أنّ الحياة لا فرح فيها دائم ولا حزن باقٍ، وأن الحياة ليست وردية، لذا من الضروري أن تكون نفس المسلم مرنة تتقبل الأزمات في انتظار الفرج.
والإنسان السّوي هو مَن يُدرك أن الليل وهو السكون والهدوء، جزء من الدورة الطبيعية للحياة مثل الضحى الذي يُعبّر عن النشاط والظهور.
الله لا يترك عباده الصالحين
وتُبيّن السورة الكريمة أن الله -تبارك وتعالى- لا يتخلّى عن عباده الصَّالحين، بل هو معهم في أي مكان وفي كل زمان، ويُيَسّر حالهم ويُوفّقهم إلى العمل الصالح، ويحفظهم مِن كُل سُوء ومكروه، ويستجيب دعاءهم، وينصرهم على أعدائهم، يقول الله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 173- 174].
الزهد طريق السعادة في الدارين
ويأتي هذا المعنى من قول الله -سبحانه وتعالى-: {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى}، يقول ابن كثير -رحمه الله- أي والدار الآخرة خير لك من هذه الدار؛ ولهذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أزهد الناس في الدنيا وأعظمهم لها إطراحًا، كما هو معلوم من سيرته. ولما خُيّر -عليه الصلاة والسلام- في آخر عمره بين الخُلد في الدنيا وبين الصيرورة إلى الله -عز وجل-، اختار ما عند الله على هذه الدنيا الدنيّة.
لذا ينبغي على المسلم الواعي العلم بأن الحياة الدنيا ليست دار قرار، وإنما قنطرة إلى الآخرة الدائمة، لذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أزهد الناس، فعن عائِشَة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: «كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ أَدَمٍ (جِلْدٍ) وَحَشْوُهُ مِنْ لِيفٍ» (البخاري).
معاملة اليتيم بالحسنى
يقول الله تعالى: {أَلَم يَجِدكَ يَتيمًا فَآوى}، ويقول سبحانه: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ}، وفي الآيتين حض على الإحسان إلى اليتيم ومعاملته برحمة، لذا أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- برعاية الأيتام وبشّر من يكفلونهم بالجنة، فعن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» (البخاري).
الإحسان إلى الفقراء
يقول الله -عز وجل-: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ}، قَالَ الإمامُ الطبري -رَحِمَهُ اللهُ- وَأَمَّا مَنْ سَأَلَكَ مِنْ ذِي حَاجَةٍ فَلَا تَنْهَرْهُ، وَلَكِنْ أَطْعِمْهُ وَاقْضِ لَهُ حَاجَتَهُ، بينما قال الإمامُ الْحَسَنُ البصري -رَحِمَهُ اللهُ- إن المقصود هنا طالب العلم.
وأكد النبي -صلى الله عليه وسلم- أهمية الإحسان إلى الفقراء والمحتاجين، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ القَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ» (البخاري).
وقال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 215].
ربط القيم بالتجربة الشخصية
وهو ما بينه الله -سبحانه وتعالى- في السورة، حينما ذَكّر النبي -صلى الله عليه وسلم- بيُتْمه وفقره، ليرحم اليتم ويرشد الضال، ويعطي المحتاج، لذا من المهم جعل الأبناء يمرّون بتجارب إنسانية مثل مساعدة محتاج أو زيارة دار أيتام، ليتعلموا بالتجربة القيم الإنسانية وفعل الخيرات.
الشكر من جنس النعمة
وفي نهاية السّورة يقول الله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}، أي التحدث بكل النعم وشكْرُها عمليًّا من إيواء اليتيم كما آواه الله، وإعطاء السائل كما أغناه الله، وتعليم المسترشد كما علَّمه الله، وهذا مِن شُكْر النِّعمة، أي كما أنعم الله عليك يا محمد فتنعم أنت على غيرك، وكذلك المسلم يشكر الله تعالى لفظيًا وعمليًا.
بناء الإنسان يكون تدريجيا
وهو ما بيّنه الله -تبارك وتعالى- لنا في السورة، حيث طمأن النبي -صلى الله عليه وسلم- في البداية، ثم زرع في قلبه الأمل، وذكّره بالنعم، وفي النهاية جاء التوجيه العملي، وهذا فيه حث لأولياء الأمور والمربين بألا ينتقلون إلى التوجيه مباشرة قبل التأهيل النفسي، فالتربية عملية تدرّج لا أوامر مفاجئة.
ختامًا
إنّ سورة الضحى تبني إنسانًا متصلًا بخالقه، ومتصالحًا مع ماضيه، ومستشرفًا لمستقبله، ونافعًا لمجتمعه، وهي سورة تُعلمنا أنّ جبر الخواطر هو المنهج الأسمى لبناء النفس البشرية، بل يُمكن أن نعتبرها منهجًا تربويًا متكاملاً يبدأ من الداخل ليُصلح الخارج، ويُعيد تشكيل الإنسان على أساس الرحمة والأمل والوعي بالنعم.
مصادر ومراجع
- الواحدي: أسباب النزول 1 / 235.
- إسلام ويب: سبب نزول سورة الضحى.
- الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير 30 / 395.
- الزمخشري: الكشاف 4 / 766.
- البيضاوي: أنوار التنزيل وأسرار التأويل 5 / 319.
- القاسمي: محاسن التأويل 17 / 6185.
- ابن كثير: تفسير ابن كثير 8 / 425.
- الطبري: تفسير الطبري 24 / 490.