يقع كثيرٌ من الآباء والأمهات في بعض الأخطاء التربوية مع الطفل في رمضان على الرغم من أنّ هذا الشهر الكريم فُرصة كبيرة لتعديل السلوكيات إلى الأفضل، كونه منحة ربانية مُحمَّلة بقِيَمٍ أخلاقية لتزكية النفوس وغرس معاني الإيمان والتقوى في قلوب ونفوس الأبناء.
ولا شك أنّ رمضان في جوهره هو دورة تدريبية مكثفة لتربية الصغار على التقوى ومراقبة الله- عز وجل- في السّر والعلن، لكن بعض أولياء الأمور ينشغل عن هذا الهدف السّامي ويجعل همّه الأول في إعداد الطعام وكل ما لذَّ وطاب من مأكولات ومشروبات ليملأ بها المائدة وقت الإفطار، ثمّ لا يصطحب أولاده معه في صلاة التراويح، وبدلًا من النوم مبكرًا يُضيّع وقته في السَّهر الذي قد يُضيّع عليه صلاة الفجر، وفي هذا الجو الخالي من الروحانيات يغيب الحوار الأسري الدافئ، لتكتمل «حلقة الخطر» في تربية الطفل على التقوى والإيمان.
الانشغال بالطعام من الأخطاء التربوية مع الطفل في رمضان
ويأتي على رأس الأخطاء التربوية مع الطفل في رمضان المبارك، الانشغال طوال اليوم بإعداد الطعام في المطبخ، وفي أداء الأعمال المنزلية، ما يترتب على ذلك إهمال تربية الصغار بالقدر المطلوب، وفي الوقت نفسه يرى الطّفل أن الجهد الأكبر من والديه مُوجّه للمائدة، فتتشكل لديه رسالة ضمنية مفادها أن رمضان «موسم الأكل لا العبادة».
إنّ هذا السلوك السيئ وهو الانكباب على الطعام بأنواعه والمشروبات بألوانها، يجعل رمضان وكأنه «مَعرض غِذائي» يقبل عليه البعض فيُصابون بالتخمة، متناسين حديث النبي- صلى الله عليه وسلم-:
«ما ملأ ابنُ آدمَ وعاءً شرًّا من بطنِه حسْبُ ابنِ آدمَ أُكلاتٌ يُقمْنَ صلبَه فإن كان لا محالةَ فثُلثٌ لطعامِه وثلثٌ لشرابِه وثلثٌ لنفسِه»
الترمذي والنسائي وابن ماجة
وبذلك يتلاشى عندهم الإحساس بما يُعاني منه الفقراء.
وفي هذه الأجواء يترسخ في ذهن الطفل أنّ قيمة شهر رمضان تدول حول «المعدة» وليس «القلب» الذي من المفترض الاعتناء به في موسم الخيرات، بدلا من انتظار الطعام من الصباح حتى وقت أذان المغرب، وبهذا نربي طفلا «مستهلكًا» بدلًا من طفل «عابد» ينتظر النّفحات الرّبانية ليتعرّض لها بقلبه وروحه فيزداد إيمانًا وتقوى.
والبدن إذا أًصيب بالتخمة ماتت معه الأوراد وثقلت النفوس عن أداء الصلوات والقيام وقراءة القرآن وصلة الأرحام، بل انعدام القدرة على تدبّر القرآن أو الذكر، وقد يتحوّل الوقت بعد الإفطار إلى وقتٍ للشاي أكل الحلويات والحديث الدنيوي الخالي من الرسائل التربوية للأطفال.
السهر وضياع صلاة الفجر
ومن الأخطاء التربوية مع الطفل في رمضان تعويده على السّهر طوال الليل وضياع صلاة الفجر، ما يُسبب لديه اضطراب في نظام النوم، وأضرار صحية ونفسية أبرزها ضعف التركيز وتقلب المزاج والعصبية، وتأخر النمو بسبب اضطراب هرمونات الجسم.
والسّهر يُقلل مناعة الطفل، ويزيد الشّهية للطعام، ويُسبب إرهاقًا مزمنًا وخمولًا خلال النهار، وبالتالي يكسل عن أداء الصلوات وقراءة القرآن وحضور مجالس العلم، حيث يقضي معظم اليوم في النوم، ولتنجنب هذه المشكلة لا بد من أن يلتزم الآباء والأمهات بالنوم مبكرًا ليكونوا قدوة للأبناء، ومن المهم عمل جدول نوم ثابت، وتجنب الوجبات الثقيلة قبل النوم مباشرة، وتقليل الأجهزة الإلكترونية لضمان نوم عميق خصوصًا قبل الذهاب إلى النوم.
ومن الضروري أن يشعر الأطفال بأن هذا الشهر الكريم لا مجال فيه للكسل والخمول، وأن الأوقات فيه غالية لا ينبغي أن تضيع فيما لا فائدة فيه، فضلًا عمّا يَعُود بالضرر على الطفل، لذا فإنّ من الخطأ ترك الصغار ضحية للمحطات الفضائية والقنوات التي تغرس فيهم القيم والسلوكيات المنحرفة بما تبثه من برامج وأفلام وترفيه غير بريء، تحت مبرر أنها قنوات موجهة للأطفال.
إهمال الأطفال في صلاة التراويح
ويذهب بعض الآباء إلى المسجد لأداء صلاة العشاء والتراويح في رمضان دون اصطحاب أبنائهم معهم، حيث يتركوهم إما في البيت لمتابعة المسلسلات والبرامج أو خارج المنزل للعب وضياع الوقت فيما لا يجدي ولا ينفع، وهذا من الأخطاء التربوية مع الطفل في هذا الشهر الكريم.
وإذا اصطحب الآباء أبناءهم إلى الصلاة عليهم مراعاة بعض الأمور، لتكون التراويح تجربة روحية محببة للطفل تبني صلة بالمسجد، فلا بُد من عدم إجباره على أداء النافلة كاملة في البداية خصوصًا إذا كان صغيرًا لا يتحمل الوقوف كثيرًا، ولا بد من شرح آداب المسجد برفق ورحمة قبل الذهاب إلى الصلاة، كما يجب نهيهم عن التشويش على المصلين أو العبث فى المسجد.
وحرمان الطفل من هذه الصلاة، هو حرمان من «تدريب ميداني» على الصبر والطاعة، حيث التربية هنا لا تقتصر على أداء الركعات، بل في تعليم الطفل تعظيم الشعائر واحترام الآخرين.
ويمكن التحدث مع الطفل عن فضل صلاة التراويح بطريقة تناسب سنّه، وشراء شيء مما يُحبّه بعد أداء الصلاة مباشرة، ومن الممكن التنسيق مع القائمين على المسجد لتقديم بعض الحلوى للأطفال، كما يمكن تنظيم مسابقة يومية للأطفال بعد التراويح لتشجيعهم على الحضور.
غياب الحوار الأسري
ومن أسوأ الأخطاء التربوية مع الطفل في رمضان هو «صمت الموائد» وضياع وقت الإفطار الذي تتنزّل فيه الرّحمات في التركيز على التهام أكبر كمّ من الأطعمة والمشروبات، فتتحول «الشعيرة» إلى «غريزة» لسّد الجوع فحسب، ثم بعد الإفطار ينشغل الآباء والأمهات بالهواتف أو المسلسلات والبرامج.
وهذه العادة السّيئة تتسبب في آثار نفسية وتربوية خاطئة، تتمثل في افتقاد القدوة، بل عندما لا يجد الطفل مَن يسمعه في البيت، يبحث عن ما يسمعه في في الشارع، وقد يكونوا من أصدقاء السوء.
والصمت الأسري يُولّد شعورًا بالوحدة لدى الطفل، ويجعله يربط شهر رمضان بالجمود الذي يُضعف من مهاراته اللغوية والاجتماعية، لأنّ النقاش يُعلّم الطفل كيف يُعبّر عن أحاسيسه ومشاعره وكيف يتحدث بأسلوب راقٍ ويختلف بأدب، وكيف يقنع الآخرين برأيه، وكيف يقبل هو رأي الآخر.
والطفل يحتاج إلى سماع والديه في رمضان، وخصوصًا القصص والتجارب التي مرُّوا بها في هذا الشهر الكريم، ليتعلم ثمرات الصيام التربوية على الفرد والمجتمع، وكيف تغلَّبوا على الجوع والعطش بالعبادة والذِّكر وقراءة القرآن بدلا من اللعب طوال النهار والسّهر ليلا وإهمال العبادات المختلفة.
نصائح لتربية الأطفال في رمضان
وهناك العديد من النصائح الهامة، حيث يُعد شهر رمضان المبارك فرصة سانحة لتقويم سلوك الأبناء وتعويدهم على الفضائل، لأنّ الأبناء أمانة في أعناق الوالدين، فالله تعالى يقول:
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ]التحريم: 6
وعن عبد الله بن عمر عن النبي-صلى الله عليه وسلم – قال:
«كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه، فالإمامُ راعٍ، وهو مسؤولٌ عن رعيَّتِه، والرجلُ راعٍ في أهلِه، وهو مسؤولٌ عن رعيّتِه، والمرأةُ راعيةٌ في بيتِ زوجِها، وهي مسؤولةٌ عن رعيَّتِها، والخادمُ راعٍ في مالِ سيِّدِه، وهو مسؤولٌ عن رعيَّتِه، والرجلُ راعٍ في مالِ أبيه وهو مسؤولٌ عن رعيَّتِه، فكلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه»
البخاري ومسلم
ولأنّ معرفة كيفية تربية الأبناء بشكل سليم في هذا الزمان – وخصوصًا في شهر رمضان- ضرورة هامة لتجنب انحرافهم وتمرّدهم، فإن هناك عددًا من النصائح التي يجب الأخذ بها لغرس القيم الإيجابية والأخلاق الحسنة في نفوسهم، ومنها:
التدريب على الصيام
ويكون ذلك بالتحدّث مع الطفل عن هذه العبادة العظيمة بأسلوب جذّاب ومُناسب لسنّه وبعيدًا عن الضغط والتخويف، ومن الممكن تدريبه على الصيام بدءًا من السحور وحتى الوقت الذي يطيق فيه تحمّل الجوع والعطش، ثم يزيد من فترة صيامه بالتدريج، حتى يصل إلى صيام الوقت كاملًا.
القدوة الصالحة
وهي أوقع كثيرًا إذا كانت متمثلة في الوالدين، حيث يعيش معهما الطفل أغلب الأوقات، وبالتالي إذا رأى الطفل أباه وأمه يصومان في رمضان وينشغلان بالصلاة والذكر وقراءة القرآن فيسير على خطاهما، والعكس بالعكس.
ومن المهم أنّ لا يرى الطفل أفعالا متناقضة من والديه في هذا الشهر الكريم، مثل الإقبال على العبادات وفي الوقت نفسه الإتيان بالمنكرات مثل التدخين أو الجلوس في الكافيهات أو مشاهدة المسلسلات والبرامج، لأن هذا مَن يفعل ذلك كمثل رجلٌ يبني بيدٍ ويهدم بأخرى، فكثرةَ العباداتِ لا تُغني عن صاحبِها إذا ما تداخَلَ معها اجتراح السيئات.
الحوار الهادف
والحوار الهادف حول الطعام من الوسائل المهمة لتربية الأطفال، ومن الممكن الحرص على بعض الممارسات على المائدة، منها تقديم الوجبات بكميات صغيرة بدلاً من ملء الأطباق التي تدفع الأطفال على الالتهام بشراسة والتسبب في تخمة، ومن الضروري ذكر الله عند الطعام وتذكير الأطفال بالأذكار وإشراكهم في إعداد الطعام، ثم الحديث عن النعم والخير الذي أنعم الله به عليهم، وكذلك الحديث عن ضرورة الحفاظ على هذه النعمة.
الدعاء
ورمضان فرصة كبيرة لتدريب الطفل على عبادة الدعاء، ويمكن للوالد أن يجمع أولاده قبل أذان المغرب على الدعاء، ثم يُشجّع كل واحد منهم أن يدعو الله- عز وجل- بما يرجو تحقيقه، وهو ما يدعم قيمة الترابط الأسري الذي يمنح الطفل إحساسًا بالاستقرار النفسي ويُدرّبه على الارتباط بربه.
مساعدة الغير
فرمضان ساحة كبيرة للجود والعطاء والكرم مع الآخرين، ولا بد من أن يرى الطفل أباه وأمه يساعدان الآخرين، ليكونا قدوة حسنة له، بل ويتحدثان معه عن فضل ومكانة مَن يُساعد الناس عند الله- سبحانه وتعالى-، وعليهما إشراكه معهم ولو بجزء صغير من مصروفه في شراء التمر وتوزيعه على مَن يمر قرب البيت به من الصائمين قبل أذان المغرب.
قراءة القرآن
ولأن رمضان هو شهر القرآن، وفيه أُنزل على النبي- صلى الله عليه وسلم-، فمن الضروري أن تستثمر الأسرة ذلك في غرس حب القرآن في قلوب الأبناء، وذلك بالتحدث معهم عن فضائل قراءة القرآن وحفظه، والقراءة معهم في حلقة ذكر، وذكر أهم القصص فيه، وتنظيم المسابقات فيه.
صلة الرحم
ومن المهم اغتنام هذا الشهر في التواصل بين الأهل والأقارب وتعويد الطفل على ذلك والتحدث معه عن فضائل صلة الرحم، وما أعدّه الله تعالى لِمَن يَصِلُون أرحامهم، كما يمكن التواصل مع البعيد عنا بالهاتف ودعوة القريب إلى تناول الإفطار معنا مع إظهار السرور والبهجة بذلك.
ختامًا، فإنّ شهر رمضان يُصبح فرصة كبيرة لتربية الأولاد تربية إسلامية صحيحة، وذلك حينما تكون العبادة هي الإيقاع اليومي، وحينما يقود الاعتدال تفاصيل الحياة داخل البيت، وعندما يكون الحب هو العلاقة السائدة بين الآباء والأبناء، والقدوة هي الحماية التي تظلل الأبناء.
المصادر والمراجع
- عماد الدين الكناني: رمضان و مظاهر الأخطاء التربوية عند المربّي والمتربّي.
- محمد بن إبراهيم الحمد: رمضان دروس وعبر – تربية وأسرار، ص 115-120.
- سلمان العودة: أولادنا في رمضان.
- مجلة المجتمع: كيف تستثمر رمضان في تربية أبنائك؟
- سحر شعير: تربية الأبناء في رمضان ليكونوا من المتقين.