أفريقيا.. أرض خصبة تنتظر الدعاة إلى الله
المنتدى الإسلامي العالمي للتربية

أفريقيا.. أرض خصبة تنتظر الدعاة إلى الله

 

عرفت أفريقيا الإسلام في أيامه الأولى بعد بزوغه في مكة المكرمة، فكانت الملاذ الآمن للمسلمين الفارين بدينهم من بطش الكفار، حيث استقبلهم وأكرم وفادتهم ملك عرف بالعدل في أرض الحبشة، وصفه النبي – صلى الله عليه وسلم- بقوله: [إنَّ بأرض الحبشةِ ملِكًا لا يُظلَمُ أحدٌ عنده ، فالْحقوا ببلادِه حتى يجعل اللهُ لكم فرجًا ومخرجًا](سنده صحيح عن أم سلمه).

 

الإسلام في أفريقيا

منذ انطلاق الدعوة الإسلامية خارج حيز مكة المكرمة، وقد سهل الله لها طريقا إلى إفريقيا، فما إن بلغ اضطهاد المسلمين على يد قريش مبلغا عظيما حتى أذن رسول الله لبعضهم بالهجرة، ولعلمه بحقائق الأماكن الآمنة فقد أمرهم بالتوجه إلى الحبشة لأن ملكها عادل لا يظلم عنده أحد.

ومن هنا عرفت إفريقيا بشائر الدعوة الإسلامية ثم تتابعت الدعوة بمختلف الطرق والوسائل السلمية، وقد عرف الإسلام طريقه إلى أفريقيا عبر كثير من المحاور، منها:

  • عن طريق سواحل البحر الأحمر من جهة شبه الجزيرة العربية والسواحل المقابلة لها في إفريقيا، وذلك من خلال التجارة البحرية، واستقرار عدد من التجار هناك، حيث نشروا تعاليم الدين الإسلامي، فكان سفراء خير للدين الإسلامي.

وأيضا عن طريق دخول بلاد شمال إفريقيا كاملة في الإسلام، فمن بلاد المغرب العربي انتشر الإسلام إلى دول في إفريقيا الوسطى والغربية، وفي القرن الخامس الهجري نشرت دولة المُرابطين الإسلام في باقي أنحاء إفريقيا حتى يومنا هذا(1).

غير أنها مع ضعف الدولة الإسلامية وتعرض المسلمين هناك لحملات التشكيك والاضطهاد والقتل والاستعباد، حيث تعتبر من أكثر الأماكن محاربة للدين الإسلامي والعمل على نشر الجهل والتخلف والتبشير، وهو ما يجعل المهمة ليست بسيطة على عاتق العلماء والمصلحين الآن.

 

كيف يعيش مسلمو إفريقيا

ذكر أسامه شحادة - باحث وكاتب في شؤون الفرق والحركات الإسلامية - أن أفريقيا تعد ثاني أكبر قارات العالم من حيث المساحة وعدد السكان بعد قارة آسيا، وتعتبر القارة المسلمة الأولى في العالم حيث يشكل المسلمون حوالي 52 % من سكانها، وأن الإحصاءات تفيد أن بين كل عشرة أشخاص في أفريقيا يتركون الديانات الوثنية التقليدية، يدخل تسعة منهم في الإسلام وواحد في المسيحية(2).

لقد انتشرت الممالك الإسلامية القوية والكبيرة في مجاهيل إفريقيا وكان لها شأن عظيم ودور في حماية المسلمين وإقامة العدل بين الشعوب التي انتشرت وسطها وعملت على حمايتها كمملكة شوا الاسلامية (284- 684هـ) (896 - 1289م) في الحبشة، ومملكة غانا التي تعد أول الممالك الإسلامية في غرب أفريقيا وأقدمها، فقد دخل الإسلام غانا في أواخر النصف الأول من القرن الأول الهجري، ومملكة مالي والتي نشأت على أنقاض مملكة غانا والتي امتد حكمها لأكثر من ثلاثة قرون ونصف، وأيضا مملكة البرنو، والتي تقع شرق بحيرة تشاد، وقد توسّعت حتى سيطرت على جميع الأراضي الواقعة إلى الغرب والشمال من بحيرة تشاد ونشأت في القرن الثامن الميلادي، وأيضا مملكة (برنو) المسلمة، كما توجد ثلاث ممالك أخرى أيضا مسلمة، وهي مملكة (كانو - کتسينا - زكزك)(3).

إلا أن المسلمين في إفريقيا اليوم اختلف عن سابقه حيث يتعرضون للمذابح من الجماعات النصرانية والوثنية، وبعض الحكومات الإفريقية التي تأتمر بأمر المستعمر الغربي (خاصة الفرنسي).

 

الإسلام والتبشير وجها لوجه

انتشرت حركات التنصير في أفريقيا بشكل واسع في العصور المعاصرة، وقد ميز المؤرخون بين مفهوم التبشير والتنصير بأن الأول بين الوثنيين والثاني بين المسلمين.

كما التفت كثير من الجمعيات والمؤسسات الإسلامية إلى إفريقيا حيث أرسلت الدعاة إلى كثير من الدول الإفريقية للعمل على نشر الدين الإسلامي، كما العمل على تثبيت الدين عند المسلمين أمام الغزوات التبشيرية التي لا تنقطع، وتصحيح مفاهيم الدين وإظهاره بالسمح المعتدل وليس المتشدد العنيف.

وهو نفس الهدف الذي من أجله يعمل المبشرون في إفريقيا من حيث الحيلولة دون دخول النصارى في الإسلام، والحيلولة دون دخول الأمم الأخرى غير النصرانية في الإسلام والوقوف أمام انتشار الإسلام بإحلال النصرانية مكانه أو بالإبقاء على العقائد المحلية المتوارثة، وإخراج المسلمين من الإسلام أو إخراج جزء من المسلمين من الإسلام، وزرع الاضطرابات والشكوك في المثل والمبادئ الإسلامية لمن أصروا على التمسك بالإسلام، والإيماء بأن تقدم الغربيين الذي وصلوا إليه إنما جاء بفضل تمسكهم بالنصرانية بينما يعزى تأخر العالم الإسلامي إلى تمسكهم بالإسلام(4).

فعلى مدار عقود شعر المنصرون في إفريقيا بقوة الدعوة الإسلامية في جذب المهاجرين، حيث اعتبروا الأمر تحديًا كبيرًا، يقول «ماريون بيرش» (الجيل الثاني من المنصرين في سيراليون): «كثير من الأفارقة أتباع الديانات التقليدية والمحلية يعتنقون الإسلام عند هجرتهم إلى المراكز الحضرية».

ويقول دون ماكوريى: نجاح التبشير الإسلامي في كسب أتباع الديانات الإفريقية التقليدية المنتقلين إلى المدن أحد أهم التحديات التي تواجهنا في غرب القارة.. فالكنيسة لم تنتبه بعد لهذه الفرصة»(5).

وهناك كثير من العوامل التي ساعدت الدعاة والعاملين في حقل العمل الإسلامي في إفريقيا عن غيرهم من المبشرين الذين لا يؤمنون إلا بالنظرية الفوقية والعنصرية والمادية في حين أن كثير من الأفارقة دخل الإسلام لطبيعته الروحية التي تعاملت مع النفس البشرية وطبيعتها.

العمل الدعوي في إفريقيا

نشط العمل الدعوي في قارة إفريقيا خاصة في غربها وجنوبها حيث يكثر فيها الدعاة والمبشرين بالإسلام، فمثلا عرفت دعوة الإخوان – أول ما عرفت خارج مصر- في القارة السمراء بدولة جيبوتي حيث افتتحت أول شعبة فيها عام 1933م، ثم نشط دعاتها في الكثير من الدول الإفريقية مثل جنوب إفريقيا ودول غرب إفريقيا، وأصبح لهم موضع قدم في العمل الإسلامي في كثير من هذه البلاد.

كما أن كثيرًا من المؤسسات الإسلامية تتنافس على العمل الدعوي فيها سواء من الكويت أو تركيا أو دول شمال إفريقيا.

فنجد مؤسسة "تيكا التركية" - وهي تابعة لرئاسة الوزراء التركية - وتهدف من خلال توسعة أنشطتها ومشروعاتها خارج تركيا إلى زيادة حجم مساعداتها الإنسانية العاجلة في أوقات الأزمات، بالإضافة إلى المساعدات الإنمائية طويلة المدى في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، كما تهدف إلى تأدية دور فعال في حل المشكلات التي تواجهها بعض الدول(6).

هذا غير الدور الذي تقوم به منظمة الدعوة الإسلامية بالسودان – تأسست عام 1980- وتقدم خدمات إنسانية وتطوعية لعدد كبير من سكان أفريقيا عبر مكاتبها المنتشرة في 41 دولة افريقيا. وترتكز أهدافها على نشر الإسلام في الأوساط الغير مسلمة، ودعم وإغاثة المحتاجين، وتشجيع المبادرات المحلية في التنمية والبناء(7).

 

واجب الدعاة نحو الأفارقة

قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت 33)، وقال صلى الله عليه وسلم: [بلغوا عني ولو آية] (رواه البخاري).

فالدعوة إلى الله من الأعمال المهمة في حياة الدعاة، خاصة في نشر الإسلام وسط الذين يدينون بغير الإسلام بالحسنى والقول الحسن.

ولقد أدركت كثير من المؤسسات الإسلامية (والأفراد) قيمة هذا العمل فحملوا متاعهم وحطوا رحالهم في دول إفريقيا ينشرون الدين الإسلامي محتسبين ذلك الأمر عند الله، حيث عملوا برامج دعوية توجه إلى الجماعات وقبائل بأكملها وليس للأفراد فحسب.

كما نشط الدعاة في عمل برامج موجهة إلى سكان الدول الإفريقية لتعريفهم بالإسلام، مثل البرنامج الموجة لأسلمة الأنتيمور بمدغشقر، أو الموجة لأسلمة قبائل البورانا جنوبي إثيوبيا، أو الموجة لقبائل الدبولا في جنوب السنغال، أو الموجة لأسلمة قبائل والرنديلي والبورانا في شمال كينيا(8).

ولابد لوضع أهداف ووسائل من أجل إنجاح هذا العمل عن طريق:

  1. حسن اختيار الدعاة المكلفين بهذه المهمة.

  2. تأهيل الدعاة وتدريبهم وتعريفهم بجغرافية إفريقيا وطباع شعبها وعاداتهم.

  3. وضع برنامج زمني ووسائل قابلة للتطبيق الواقعي وتؤثر في الناس، فقد أسلم إفريقي لمجرد سماعه بعض المسلمين يصلون جوار بيته فأعجب بصلاتهم وطريقة قراءتهم.

  4. الاهتمام بوسائل الاتصال الجماهيرية وإعدادها سواء الكتاب المترجم أو الاتصال الفردي أو الاهتمام بعادات الناس وتقاليدهم واحترمها.

 

دعاة جابوا أفريقيا

لقد حفل تاريخنا الحديث والمعاصر بالكثير من الدعاة والمصلحين الذين حملوا على عاتقهم هم نشر الدعوة الإسلامية في إفريقيا، وأيضا كثير من المؤسسات – خاصة الكويتية – التي انتشرت في ربوع إفريقيا، كجمعية العون ولجنة مسلمي إفريقيا ومؤسسة نماء وغيرها، ويأتي على رأس هذه النماذج الدكتور عبدالرحمن حمود السميط (1366 هـ / 15 أكتوبر 1947- 8 شوال 1434 هـ / 15 أغسطس 2013)، وهو داعية كويتي وطبيب تخرج من جامعة بغداد.

وحينما شعر بخطر المجاعة يهدد المسلمين في أفريقيا، وأدرك خطورة حملات التنصير التي تجتاح صفوف فقرائهم في أدغال القارة السوداء ترك عمله الطبي وحمل متاعه واتجه إلى أغوار أفريقيا داعيا ومطببا للمنكوبين ومعاونا في الخير، ومغيث للملهوف.

ولم تقتصر جهوده عند ذلك بل سطر بقلمه مأساة الشعوب في إفريقيا، مذكرا الأغنياء بواجبهم ودورهم، فأصدر أربعة كتب هي: لبيك أفريقيا، دمعة على أفريقيا، رسالة إلى ولدي، العرب والمسلمون في مدغشقر.

وقد حذا حذوه الشيخ الدكتور وليد محمد العلي والذي أطلق عليه (فقيد المحراب والعلم والدعوة في إفريقيا) حتى تم اغتياله على يد جماعة مسيحية في أغسطس 2017م(9).

ويأتي الشيخ أحمد ديدات على رأس العاملين من الدعاة في إفريقيا حيث حمل على عاتقه دحض الشبهات وإقامة الحجة على الآخرين حتى أنه أسلم على يديه آلاف من سكان إفريقيا.

 

أخيرا

إن مستقبل الدعوة الإسلامية في إفريقيا، لمن يعرف واقع القارة، يقع بين أمل ورجاء وخوف وشجاعة، وعلى المؤسسات والحكومات والدعاة في الدول الإسلامية العناية بجانب الدعوة في إفريقيا، ودعم مسلمي إفريقيا ضد موجات الاضطهاد والتنصير التي يتعرضون لها.

 

المصادر

  1. كيف توسع العالم الإسلامي في أفريقيا؟: 1 يناير 2006م، https://bit.ly/3dzC8R2

  2. الإسلام في أفريقيا.. تاريخ منسي: 7 يونيو 2012، https://bit.ly/3dznt8h

  3. جمعية الدعوة الإسلامية العالمية: الإسلام والمسلمون فى إفريقيا، جمعية الدعوة، 2008م، صـ 478 وما بعدها.

  4. الشيخ علي المسيري: كيف نواجه التبشير في أفريقيا، رسالة التقريب - العدد ٣٢، 1422هـ، https://bit.ly/3tzLf9z

  5. مجلة البيان: العدد 343  - ربـيـع الأول 1437هـ، ديسمبر  2015م.

  6. المؤسسات الخيرية الدعوية: صيد الفوائد، https://bit.ly/2QDq3B5

  7. مؤسّسة "تيكا" خلال مرحلة الانفتاح على إفريقيا: 1 ديسمبر 2015، https://bit.ly/33uJ77Q

  8. منظمة الدعوة الإسلامية: المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة، https://bit.ly/33uoOY5

  9. مجلة المجتمع الكويتية: العدد 2134، ذو الحجة 1440هـ/ أغسطس 2019م، صـ 55.

قد يعجبك ايضا