منير الغضبان يكتب: التربية بالوفاء وبالنموذج
المنتدى الإسلامي العالمي للتربية

منير الغضبان يكتب: التربية بالوفاء وبالنموذج

 

عندما نتحدث عن التربية النبوية إنما نتحدث عن آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأرض، وفي بنائه خير القرون، وفي صياغة خير أمة أخرجت للناس، وفي هذا المقال نستكمل تناول مشاهد من السيرة النبوية والوقوف على بعض الدروس التربية المستفادة منها.

 

الدرس الرابع: التربية على الوفاء

عندما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم أسرى بدر قال: "لو كانَ المُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي في هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ له"1، المطعم بن عدي زعيم من مشركي قريش ومات كافرا، وذكره الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع لأن له موقف إيجابي مع الدعوة في الأيام الحالكات؛ فعندما مُنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من دخول مكة قام المطعم بن عدي وأتى بأولاده الأربعة بسلاحهم وأمسك بيد الرسول صلى الله عليه وسلم وراح يطوف به حول الكعبة، قال المشركون: يا أبا جبير مجيرًا أم تابعًا؟ قال لهم: بل مجير. قالوا له: نحفظ جوارك. واكتفوا بهذا الموقف، ودخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة في جواره.

وكان له موقف آخر؛ فقد كان أحد الزعماء الذين ساهموا في نقض صحيفة القطيعة الظالمة التي كتبتها قريش على بني هاشم وعلى بني المطلب، هذه المواقف لم ينسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل عندما مات المطعم طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من حسان بن ثابت أن يرثيه، فتحدث عنه كما لو كان يتحدث عن أعظم القادة في العالم وكان مما قال فيها:

فما تطلع الشمس المنيرة فوقهم على مثله فهو الأعز المعظم

ما تطلع الشمس على أعظم من المطعم بن عدي!!؟

هذا من الأدب ومن الوفاء، صحيح أنهم بالنسبة لنا كفار، ولكننا نحفظ العهد ونحفظ المعروف ونؤديه في الوقت المناسب.


 

الدرس الخامس: التربية بإبراز النموذج

في عزوة بدر نظر الرسول صلى الله عليه وسلم فرأى عمه العباس في جيش المشركين فقال: "من لقي العباس بن عبد المطلب، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرها". وذكر رجلا آخر من الذين كان لهم موقف جيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "من لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله"، وكان أبو حذيفة بن عتبة أحد السابقين الأولين من الذين أسلموا قبل دار الأرقم، فلما سمع هذه الكلمة وأبوه عتبه بن ربيعة وعمه شيبة وأخوه الوليد في صفوف الكفار، فكأنه غاب عنه وعيه فقال: "أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخوتنا وعشيرتنا ونترك العباس، والله لئن لقيته لألجمنه السيف"2، إذ كيف نقتل آباءنا وأعمامنا ولأن هذا عم لمحمد لا نقتله، إذن قد يزل العظيم بخطأ ضخم جدًا، موقف كهذا في ساحة المعركة؛ جندي يعلن خروجه على أوامر القيادة ويحطم معنويات الجيش ويدعو إلى الثورة ويقلب القضية من أولها إلى آخرها، في هذا الموقف لا يوجد له حل إلا القتل، فماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إزاء هذه الكلمة، أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعيد أبا حذيفة إلى صوابه من خلال إبراز النموذج الصحيح، فاستدعى عمر بن الخطاب، وقال صلى الله عليه وسلم: "يا أبا حفص أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟" فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه بالسيف، فوالله لقد نافق. ولكن ما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم بعمر من أجل هذا ولكن جاء ليريه الموقف الصحيح من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم.

هذه الكلمة أعادت وعي أبي حذيفة وشعر بأنه قال كلمة كبيرة جدًا، وهذه الكلمة قد تخرجه من الدين وهذا موقف النفاق، فماذا فعل أبو حذيفة أمام هذه الخطيئة؟ أول شيء فعله أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأذن منه أن يبارز أباه -الصورة المعاكسة بدلًا من أن يأتي ليبارز العباس- فلم يأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وانتهت المعركة والعواطف في أعنف ما تكون؛ عتبه بن ربيعة قتيل، شيبة بن ربيعة قتيل، الوليد بن عتبة قتيل؛ وشعور أن يقتل الأب والعم والأخ شعور ليس بسيطا، فماذا لو بقي حذيفة على رأيه؟ لكنه رضي الله عنه تربى برؤية الموقف الصحيح.

وهنا نتذكر موقف شقيقته هند بنت عتبة التي بقيت في حقدها حتى كانت غزوة أحد، وبلغ من حقدها أنها شقت بطن حمزة وأخذت كبده فلاكته، لأي درجة تثأر لقتل أبيها وأخيها وعمها.

والرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أنه يتعامل مع بشر لا جمادات، فنظر في وجه أبي حذيفة وقال يا أبا حذيفة: "لعله رابك من مقتل أبيك شيء"، فقال: "والله يا رسول الله ما شككت في أبي ولا في مصرعه ولكني كنت أرى له حلما وعقلًا وكنت أرجو أن يهديه الله إلى هذا الدين فلما مات على ما مات عليه آلمني ذلك"، صار إيماناً يتكلم، ما عاد يحس بالأحاسيس السابقة فجبر الرسول صلى الله عليه وسلم خاطره وواساه في مصيبته.

وكان أبو حذيفة يقول: "والله ما أنا بآمن من تلك الكلمة، فما زلت أصوم وأتصدق وأصلي رجاء أن يكفرها الله عني وما أرى أن يكفرها عني إلا الشهادة"، فالمسلم يتعلم من خطئه، ليست المشكلة في الخطأ بل في الموقف من الخطأ، المشكلة في الاستمرار على الخطأ، وبالرغم من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رضي عن أبي حذيفة وانتهى الأمر، لكنه لم ينتهِ في نفس أبي حذيفة حتى حقق الله رغبته واستشهد في اليمامة رضي الله عنه.

نحن لا نتعامل مع ملائكة لا يخطئون، نحن نتعامل مع بشر ينزلون إلى أدنى المستويات، لكن بالتربية العظيمة بحسن التعامل مع هذه الخطيئة نرفع هذا الإنسان للقمة الأعلى.

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

1 رواه البخاري.

2 السيرة النبوية: ابن هشام.

قد يعجبك ايضا