منهج الإسلام في التربية الجنسية
المنتدى الإسلامي العالمي للتربية

منهج الإسلام في التربية الجنسية

 

إن التربية عملية اجتماعية بالدرجة الأولي، وهي بهذا المعنى إطارها العام المجتمع بما فيه من معتقدات، وقيم، وآداب وعادات وتقاليد وأعراف، ومعالجة هذا الموضوع يتطلب الإبقاء على الكمون الجنسي لدي الأفراد، بعيدًا عن الإثارة، إلى أن يحين التعامل معه عبر القناة الشرعية التي يقرها الدين وهي الزواج، ويجب حين يعالج هذا الموضوع الإبقاء على المياه الراكدة وعدم إثارتها، ضمانًا لسلامة الشباب، ولو بنسبة بسيطة أمام غريزة ملحة، قد يضعف بعض الشباب أمامها، وخسارة البعض أرحم من خسارة الكل.

وتدريب النفس الإنسانية على تحمل المعاناة، وإنهاء الصراع لصالحها أمر يساعد على صقل الإرادة الإنسانية، والفتاة العاقلة هي التي لا تأمن أحدا من الذكور على عرضها، ما لم يكن مَحْرَمًا، فإن الذكورة والأنوثة كلاهما ممغنط للآخر.

وفى دراسة للباحثين: أ.د/ إبراهيم محمد عطا، أستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية التربة- جامعة الفيوم، و أ.د/ رجاء أحمد عيد، العميد السابق لكلية التربية- بالفيوم، بعنوان: «التربية الجنسية» -2012-، تناولا منهج التربية الإسلامية في التعامل مع هذه القضية، والذى لم يكتفِ بمجرد تحريم السلوك الخلقي المنحرف، بل يبحث من أول الأمر عن الأسباب المؤدية إليه، فيطالب المجتمع أولًا بتطهير مؤسساته كلها من أسباب الفتنة الجنسية، ومثيراتها الشهوانية، حتى يتوافر للأفراد المناخ الصحي الملائم، للنمو السوي والتحضر الأخلاقي، والازدهار السلوكي، ولعل البيئة الإسلامية الأولى خير دليل على معالجة المواقف التي تتصل بهذا المعنى.

 

أولًا: دواعي عرض هذه القضية

من دواعي عرض هذه القضية ما يلي:

  • الإعلان عن بعض حالات الاغتصاب، ونشرها في بعض الصحف اليومية، بل وصياغة هذه الحالات بأسلوب يشجع من ليس لديه فكرة عن القيام بمثل هذا العمل، إلى القيام بمثل هذه المواقف، مع أنه اجتماعيًا لا ينبغي نشر هذه الفضائح، بل الأوكد والأولي أن يتم نشر المواقف، التي تدعم الفضيلة، والحفاظ على العرض إلى جانب التسويق لقيم الشهامة والمروءة، التي تقمع صوت الشيطان، وترفع صوت الحق.
  • غلبة نزعات الشيطان على حكم العقل، عند بعض الناس، انطلاقًا من التركيب البشري، المكون من شهوة وعقل، وندرة من يسيطر على نفسه، إزاء تلك المواقف، واختراق بعض المحرمات للبلاد.

 

ثانيًا: التربية الجنسية وأهدافها

هي تربية الأطفال والشباب جنسيًا بما يساعد كل منهم على تحمل مسئولية جنسه، انطلاقا من أنها مظهر من مظاهر الإيمان بوحدة الواحد الخالق- سبحانه- دلت عليه الآية الكريمة: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (الذاريات: 42 بمعنى أن جميع المخلوقات أزواج، أو أنها تزويد الفرد بالمعلومات والحقائق المتعلقة بموضوعات الجنس وتنمية الاتجاهات الجنسية السليمة، المتمثلة في تفهم دور الجنس، ووظائفه، وطرق توجيهه وإشباعه، ليتمكن الأفراد من التصرف الإيجابي السليم تجاه المواقف الجنسية وفق المعايير الاجتماعية والأخلاقية، وبما يضمن الصحة النفسية السلمية.

وتستهدف التربية الجنسية ما يلي:

  • أن يستمتع كل منها بالآخر أي الزوج والزوجة.
  • أن تقلل من الانحرافات الجنسية والأخلاقية.
  • أن يتم التناسل لتعمير الكون.
  • أن يخرج الماء؛ الذي يضر احتباسه واحتقانه بجملة البدن.

وليس هناك أجمل من ترجمة هذا المعني، من قوله تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم: 21) ولو أنه- تعالى- جعل بنى آدم كلهم ذكورا أو إناثا- لكان بينهم نفور، لكنه جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم وبينهن مودة وهي المحبة، ورحمة وهي الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة، إنما لمحبته لها، أو لرحمة بها، بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق، أو للألفة بينهما، وغير ذلك. وفي صحيح مسلم- من حيث عبد الله بن عمر- قال، قال رسول الله ﷺ: «الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا، المرأة الصالحة».

ويبدأ شعور القلق ببداية مرحلة المراهقة، التي يمكن أن تتمثل في واحدة من ثلاث: الاحتلام الذي يأتيه مما يراه في المنام متصلا بالجنس الآخر، أو بلوغ سن الخامسة عشرة: قبلها أو بعدها طبقًا لطبيعة الشخص نفسه، أو بالإنبات.

وتبدو الظاهرة القوية في مرحلة المراهقة في البلاد المتحضرة بإقامة علاقات بين الجنسيين وأساسًا هذه الظاهرة هو التقليد، والرغبة في البحث عن المكانة الاجتماعية، والعمل على طلب الاستقرار في الحياة الاجتماعية، وفقًا للعرف السائد الآن، وفي الماضي كانت هناك فئة قليلة من الآباء هي التي تسمح بشكل ما للأبناء باتباع هذا الأسلوب، في إقامة صداقة مع الجنس الآخر، حتى تنتهى مرحلة المراهقة، لكن الذين يحافظون على التقاليد كانوا يعرفون أن الخجل والتقاليد الاجتماعية تحتم على الأبناء أن يتريثوا، وأن يصبروا، وألا يتعجلوا، حتى يتم لهم النضج الكامل، ويصبحوا قادرين على الخطبة والزواج، أو حتى الخطبة والفشل فيها.

وتشكل السذاجة، مع قصر النظر، وعدم النضج مثلثا مرعبًا، غالبًا ما يدفع المراهق إلى طريق غير محمود العواقب، من هنا كان شعور الآباء والأمهات من هذه المرحلة العمرية بالخوف الشديد، والقلق والإحباط، الأمر الذي يستوجب غرس القيم الخاصة بهم في إطار أفكارهم ومعتقداتهم الخاصة.

 

ثالثًا: أهمية تناول قضية التربية الجنسية

  • أنها غريزة محيرة؛ إذ لا يستطيع الإنسان أن يتحكم بفعله وإرادته في جميع حركاته أو نزعاته، إلا البعض من الشباب. وإذا كانت الغريزة تمثل استجابة آلية فطرية، يندفع إليها الفرد بتفكير أو بدونه- فإن كثيرًا من الجينات الوراثية في الإنسان تمارس نوعا من المكر والشجاعة والخديعة والنشاط يتذرع بها الفرد للقيام بعمل الشر والأمور العدوانية المخالفة للوضع الطبيعي.
  • أنها يمكن أن تهيئ الفرد لأن يحيا حياة عائلية سليمة، خاصة إذا كانت في إطارها القيمي والأخلاقي المحيط بموضوع الجنس والمجتمع وانشغال المربين بتأمين الظروف المعيشية، إلى درجة إهمال التربية الأخلاقية، وانتشار المفاهيم الخاطئة والملوثة، وقَلَّ من يصححها.
  • أن انتشار الإعلام: المسموع، والمقروء، والمشاهد يقدم مزيدا من المعلومات، التي تتطلب تزويد النشء بالمعارف الصحيحة في سن مبكرة، ضمانًا للسلامة الجسدية للنشء.
  • أنها يمكن أن تنتهي بالإنسان إلى العفة، وهي عملية مرغوبة جدًا، خاصة في هذا الجو الموبوء الذي اختلط فيه الحابل بالنابل، وبات الطلب على اللذة والمتعة- بغض النظر عن حلالها من حرامها- مطلبًا يلجأ إليه من لا يفهم طبيعة الحياة، وأن نعمة الجنس في حينها الشرعي ألذ وامتع بل وقربي إلى الله، والمجمع العفيف أقرب إلى طاعة الله ورضوانه.
  • أن الحياء من الشباب يمنعه من الجهر بها أمام الآخرين، أو من السؤال عنها، باعتبارها خصوصية غير قابلة للعرض، والمصطفي ﷺ يقول: «الحياءُ لا يأتِي إلا بِخيرٍ». وقوله ﷺ: «إنَّ من شرِّ الناسِ عندَ اللهِ منزِلةً يومَ القيامةِ، الرجلُ يُفضِي إلى امرأتِه وتُفضِي إليِهِ، ثُم يَنشرُ سِرَّهَا».
  • أنه قد يجنب الشباب من الجنسيين من الوقوع في الخطأ والإثم، انطلاقًا من أن هذا الخطأ لا يرضاه المجتمع ولا يرضاه الإنسان لنفسهِ، باعتباره فضيحة مجمع عليها من الكل، وأيضًا فإن الدين لا يرضي بذلك مهما اختلفت العقائد، كما أن التمسك بالعفة من أعلى الفضائل الإنسانية التي تؤكد على سمو الإنسان ورفعته، ووضعه المتميز بين مخلوقات الله.

 

رابعًا: فوائد التربية الجنسية

  • تُعَلِّم الإنسان التسليم بأمر الله، والرضوخ لمشيئته؛ فإذا كانت القوانين الطبيعية لها صفة الاستمرار والتطبيق في عالم الواقع- فإن هذه القوانين يمكن اختراقها من قبل المولي- سبحانه- ولا مرد لذلك، مهما بذل فيها من جهد وتضحية: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} (الشورى: 50-49). والاقتناع المبكر بذلك يمكن أن يحقق راحة البال، والتسليم بالواقع، لأن لهفة الأزواج على الإنجاب أمر وارد، بل ملح في أغلب الحالات، ويغلب عليه الجانب الفطري في الإنسان.
  • تعلم الإنسان الالتزام بشرع الله، بحيث لا يطمع فيها من لا حق له فيه، ومن التعدي على حقوق الآخرين، من حيث أن العلاقة الجنسية بين بنى الإنسان تتضمن قدرًا من الحياء، ومشاعر الارتباك، والشعور بالذنب، حتى في أقطار الدنيا، التي تختلف فيها العادات والتقاليد اختلافا بَيِّنًا عما هي عليه في غيرها، انتظارًا للمتعة الآجلة، التي يحبذها الشرع، بل ويدعو لها.
  • قد يقتنع الإنسان بخطر الوقوع في الفاحشة، إذا ما كان أمامه دليل مقنع، فعن أبى أمامه رضي الله عنه قال: أنَّ فَتًى شابًّا أتى النَّبيَّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إئذَنْ لي بالزِّنا، فأَقبلَ القومُ علَيهِ فزَجروهُ وقالوا: مَهْ مَهْ. فقالَ: «أدنُهْ»، فدَنا منهُ قريبًا. قالَ: فجَلسَ قالَ: «أتحبُّهُ لأُمِّكَ؟» قالَ: لا واللَّهِ، جعلَني اللَّهُ فداءَكَ. قالَ: «ولا النَّاسُ يحبُّونَهُ لأمَّهاتِهِم». قالَ: «أفتحبُّهُ لابنتِكَ؟» قال: لا واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ، جَعلَني اللَّهُ فداءَكَ. قالَ: «ولا النَّاسُ يحبُّونَهُ لبَناتِهِم». قالَ: «أفتُحبُّهُ لأُخْتِكَ؟» قال: لا واللَّهِ يا رسول اللَّه، جعلَني اللَّهُ فداءَكَ. قالَ: «ولا النَّاسُ يحبُّونَهُ لأخواتِهِم». قالَ: أفتحبُّهُ لعمَّتِكَ؟ ال: لا واللَّهِ يا رسولَ اللَّه، جَعلَني اللَّهُ فداءَكَ. قالَ: «ولا النَّاسُ يحبُّونَهُ لعمَّاتِهِم». قالَ: «أفتحبُّهُ لخالتِكَ؟» قال: لا واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ، جَعلَني اللَّهُ فداءَكَ. قالَ: «ولا النَّاسُ يحبُّونَهُ لخالاتِهِم». قالَ: فوَضعَ يدَهُ عليهِ وقالَ: «اللَّهمَّ اغفِرْ ذنبَهُ، وطَهِّر قلبَهُ، وحصِّن فَرجَهُ»؛ فلم يَكُن بعدُ ذلِكَ الفتَى يَلتَفِتُ إلى شيءٍ». والإقناع أحيانا سيد الأدلة، خاصة إذا مس جانب العاطفة التي ليست محل شك.

والشباب والبنات الذين يملكون إحساسًا بالمسئولية، ويشعرون بها، ويحاولون ضبط النفس، وقمع الرغبة الحسية، حتى يتجنبوا التورط في الإثم والعار، والبنات بصفة خاصة- هن أكثر قدرة من الأولاد في هذه المجال، وأكثر ضبطًا لأنفسهن، فليست القوة بالإنجاز السريع، بل القوة في كبح النفس، والسيطرة على شطحاتها، وغلبة جانب العقل على الهوى.

  • قد تقلل من المغالاة في اختيار الملابس الضيقة والمثيرة والتي تظهر ملامح الجسد بالنسبة للبنات، سواء أكان ذلك في مجال الدراسة، أو العمل، أو الشارع، الأمر الذي يمكن أن يقلل من حالات التحرش، التي إن رضي بها بعض البنات، إلا أن الغالبية منهن تستاء من ذلك، خاصة إذا كانت المعلومات التي تتعلق بذلك أكيدة، وموثوق من صحتها، فعن عائشة- رضى الله عنها: أنَّ أسماءَ بنتَ أبي بكرٍ دخلَتْ على رسولِ اللهِ ﷺ وعليها ثيابٌ رقاقٌ فأعرضَ عنها، وقال: «يا أسماءُ، إنَّ المرأةَ إذا بلغَتِ المحيضَ؛ لنْ يصلُحَ أن يُرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهِهِ وكفَّيْهِ».
  • ويمكن أن يسري هذا الشيء على الرجال، فقد ورد أن عمر بن الخطاب مرّ ليلة في المدينة فسمع امرأة تقول: هل من سبيل إلى خمر فأشربها، أو من سبيل إلى نصر بن حجاج. فقالت لها امرأة معها: من نصر؟ قالت: رجلٌ أود لو كان معي ليلة ليس معنا أحد. فدعا بها عمر، فحنقها بالدرة، ودعا بنصر، فحلق لُمته، فعاد أحسن مما كان، فقال: «لا تساكني في بلدة يتمناك النساء بها»، وأخرجه إلى البصرة، وحاول نصر أن يعود إلى المدينة، فأبى ذلك عليه عمر، وقال: أما ولي السلطان فلا. وكان نصر من أجمل الناس، وهذا دليل على أن وأد الفتنة لمصلحة المجتمع أولى وأحق لولى الأمر أيّا كان مستواه.
  • يتعلم الناس أدب الحديث، والحرص على اختيار الألفاظ الجميلة، التي لا يمجها اللسان، ولا تتفوه بها الشفاه، معيار الفصل في ذلك قول المولى- سبحانه-: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} (النساءِ: 21) فعبر عن الجماع بــــ أفضى، لأن المصطفي ﷺ يقول: «ما من مُسلِميْنِ إلَّا وبَينهُما سِتْرٌ من اللهِ عزَّ وجلَّ، فإذا قال أحدُهُما لِصاحِبِه كلِمَةَ هَجْرٍ؛ خَرَقَ سِتْرَ اللهِ». والهَجْرُ: هو رديء الكلام وفاحشه. ومعروف عند العامة: أن بعض الصراحة وقاحة.

 

خامسًا: بعض مبادئ التربية الجنسية

يستحسن أن نسترشد ببعض المبادئ الكلية، التي توصل إليها الخبراء في مجال العلم والمعرفة، وهي مبادئ يقرها الجميع، ويحبذون العمل بها في كل مجال ولعل من هذه القواعد، القول: بأن الوقاية خير من العلاج، والقول بأنه: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، ضمانًا للسلامة، وإيثارا للمصلحة، ومع هذا فإن هناك بعض الضمانات، التي تكفل الوصول إلى موقف مرضٍ، يريح الشباب؛ بنينًا وبناتٍ، ولعل من هذه المبادئ ما يلي:

  • تفادى التحديق في جسم المرأة أو الرجل، والنظر إليها بإمعان، لأن ذلك تأباه النفس الإنسانية وتستنكف القيام به، خاصة ما يوجه إلى النساء، فذلك ضرر يحيق بالرجل أكثر من المرأة، وهذا التحديق مرفوض من كليهما، مع أن البعض منهن يقابل عدم النظر إليها، بأنه إنكار لجمالها، وجرح لكبريائها. ولعل البديل عن ذلك، النظر إلى آيات الله في كونه، فذلك هو قمة الإفادة للجانب الإنساني: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} (يونس: 101) فأي نظر في الآيات السماوية والأرضية يمكن أن يفيد عن قوم لا يؤمنون.
  • وهناك الكثير من الأحاديث النبوية، التي تخص على تفادى النظرة من الجنسيين، لأنه كما في الحديث القدسيّ: «النظرةُ سَهمٌ مَسمومٌ من سِهامِ إبليسَ، مَن تَركَها مِن مَخافَتِي؛ أَبدلْتُه إِيمانًا يَجِدُ حَلاوَتَه في قَلبِه» رواه الطبراني والحاكم. ومنها قول المصطفي ﷺ لعليّ: «يا عليُّ لاَ تتبعِ النَّظرةَ النَّظرةَ، فإنَّ لَكَ الأولى وليست لَكَ الآخرةُ» رواه الترمذي. بمعنى أن يقع بصره عليها من غير قصد، فيصرف بصره عنها تورعًا. ومنها أيضًا: «لا تُؤذُوا عبادَ اللهِ، ولا تُعيِّروهم، ولا تطلُبوا عوراتهم؛ فإنَّه مَن تطلَّب عورةَ أخيه المسلمِ طلَب اللهُ عورتَه حتَّى يفضَحَه في بيتِه»، وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ قال: «لو أنَّ امرأً اطَّلعَ عليك بغيرِ إذنٍ فخذفْتَهُ بحصاةٍ ففقأتَ عينَه، لم يكن عليك جُناحٌ».
  • تفادى الاستماع لكلام المرأة المموج. ويعنى به ترقيق الكلام إذا خاطبت الرجال، بشيء من الترخيم والخضوع أي لا تخاطب المرأة الأجانب، كما تخاطب زوجها، وهذا من الآدب التي أمر الله نساء النبي، ونساء المؤمنين: {إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} (الأحزاب: 32) قال ابن زيد: قولًا حسنا جميلًا معروفا بالخير.
  • وتشمل مبادئ التربية الجنسية أيضًا، تفادى صوت الرجل، الذي يستلذ به من محادثه ما لا يحل له، لأن ذلك خروج عن قواعد الكلام وآدابه، وقرب من الحديث بالفسق والفاحشة ويشهد الواقع الحالي أن هناك استنكارًا شديدًا من قبل أغلبية الناس على ما يمكن سماعه بطريقة تلفت الانتباه، ولا تميل إليه النفس السوية. ولعل المعيار في أداء الحديث من كلا الطرفين: الذكر والأنثى، أن تكون لغة الخطاب بمثل ما يخاطب به من لا يحل له زواجها من الأقارب، كالأب والابن، والأخ، والعم، ومن يجرى مجراهم، على أن هذا لا يمنع من لغة دلال مع المحارم حتى لا يتهم الشرع بأنه لا يعطى مساحة للعواطف والدلال مع الأقارب، والحكم الفصل في ذلك على ما يتقبله العرف بين أبناء الأسرة الواحدة، أو البيئة التي يعيش فيها الإنسان.
  • تفادى انفراد الرجل بالمرأة، أو الولد بالبنت، لأن ذلك يفتح الباب أمام وسوسة الشيطان ويرخي لهما عنان الغواية، وإذا كان الطبع يغلب التطبع فإن الخطر باقٍ مع بقاء الخلوة. ولا عبرة بقبول ذلك، مهما تقبل الناس، أو بعضهم لفكرة الاختلاط بدعوى التحضر، وحسن النية. والشرط الأساسي في الانفراد، أو الخلوة أن يكون معهما محرم، لما روي أن رسول الله ﷺ قال: «لا يخلوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلا ومعها ذو محرمٍ»؛ لأن وجود المحرم فيه أمان للأنثى من وقوع الشر عليها، وفيه ردع للأجنبي من الاعتداء عليها، بدليل ما نشاهده، ونسمعه من تواطؤ الأجانب عليها، والاتفاق منهم ضدها. وفيه قطع الطريق أمام وسوسة الشيطان.
  • تفادى اللمس من كلا الطرفين: الولد والبنت، أو الرجل والمرأة، لأن اللمس مصدر من مصادر إشعال الشهوة. وتجدر الإشارة إلى أن الملامسةِ، إذ صاحبها نوع من اللذة فإنها تبطل الوضوء، فإن تم اللمس بغير شهوة فلا وضوء، وقال الشافعي: «إذا أفضى الرجل بشيء من بدنه إلى بدن المرأة. سواء كان باليد، أو غيرها من أعضاء الجسد انتقضت به الطهارة»، كما تجدر الإشارة إلى أن هناك نوعين من اللمس: لمسة صحية، ولمسة غير صحية، فاللمسة الصحية مثل ما يمكن أن يحدث من الأم أثناء تغيير الملابس، أو مصافحة الأقرباء ومعانقتهم، ويكون اللمس الصحي لليدين والكتفين والذراعين وبصورة سريعة، ودون الحاجة للكشف عن أجزاء من الجسم، أو رفع الملابس عنه، واللمسة غير الصحية كل لمسة عدا تلك اللمسات البريئة.
  • وإذا كان تفادى اللمس مبدئا من مبادئ التربية الجنسية، فإن البداية لذلك هي التفريق بين الإخوة والأخوات في المضاجع، فإن لم يتيسر ذلك لضيق في المسكن- فعل الأقل يتم تعويد الأولاد على آداب الاستئذان قال ﷺ: «مُروا أولادَكم بالصلاةِ وهم أبناءُ سبعِ سنينَ، واضربوهُم عليها وهمْ أبناءُ عشر، وفرِّقوا بينهُم في المضاجعِ».
  • تفادى الممشى إلى الأماكن التي يتوقع منها الخطى إلى المعصية ويسرى ذلك على الولد والبنت أو الرجل والمرأة، تطبيقًا للقاعدة الشرعية المعروفة في الحديث الشريف: «دَع ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ»، و«إنَّه مَن يَرعى حَولَ الحِمى يوشِكُ أنْ يَرتَعَ فيهِ، وإنَّ مَن يُخالِطُ الرِّيبةَ يوشِكُ أنْ يَجسُرَ»؛ ولأن ضعف الإنسان أمر مُسَلَّمٌ به، ومهما أوتينا من الشجاعة والوقوف عند الحق- فإن الشك وارد، والخطأ متوقع.
  • تفادى تشجيع الميول النفسية إزاء الجنس يصعب على المرء مغالبة نفسه في أشياء يتعذر البعد عنها، خاصة إذا كانت البيئة المحيطة به تشغل نار التفكير في هذه الأشياء. وقد يكون الجنس واحدا من تلك الأشياء. ويبدو ذلك واضحًا في حالة الوحدة، وما يتخيله المرء من مواقف بسبب ما يعرض على بعض القنوات الفضائية، من صور تستثير من النفس تهيآت مختلفة. {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} (الشمس: 8-7) بمعنى: بَيَّن لها الخير والشر.

ويبدو- والله أعلم- أن عملية المعاناة، التي تتمثل في الصراع بين مطالب الجنس، ومطالب الالتزام الخلقي- والطبع السليم يأبى ذلك- تشكل البداية الأولى لعملية حسم الصراع لصالح الفرد، إذا ما تسنم هذا الفرد يوما ما، مسئولية ما، لأن الإنسان تصقله الخبرة، وتنمية الموقف، ويعرف أنه ما زال إنسانا في طريقه إلى النضج، لكنه لم يصل إليه بعد، كما أن هذا المراهق يعرف أن التصرف المتزن يؤكد احترام الآخرين له، وتحقق له راحة الضمير، والثقة بالنفس.

والحق أن هذه المرحلة المشتعلة- غالبًا – بدوافع الغريزة والعاطفة الجياشة المستبدة- ليس لها من سبيل في تخفيف معاناتها، إلا بإشغال هذا المراهق بنشاط يستهلك وقته، مثل: الرياضة، والقراءة، والعمل التطوعي، والأعمال الخيرية، وهي تتسع باتساع الحياة.

  • عدم المبالغة في الزينة، خاصة بالنسبة للبنت أو المرأة، ويبدو أن اهتمام المرأة بزينتها أمر طبيعي، من منطلق أن الله جميل يحب الجمال، ولا غبار في ذلك طالما أن الزينة مقبولة وفي إطارها السليم، التي لا تلفت الانتباه، ولا تسترعي النظر، والاعتدال السائد هو الحكم فيها. فخير الأمور الوسط، بحيث ينطبق عليها قول المولى سبحانه: {ولَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} (النور: 31) أي أزواجهن، وكل المحارم التي ذكرتها الآية، ولم يحرمها الإسلام من استعراض جمالها أمام المحرمين عليها، ولينعم الزوج منها بما يراه، فضلًا عن تنفيس المرأة عما بداخلها. بشكل يرضيها ويسعدها.

ويبدو أن هناك من يستاء من تحكيم الدين في ذلك وغيره. وهذا خطأ محض. فليس الدين مماثلا لناد أو عشيرة، أو قبيلة، أو عائلة يتعصب لها الفرد، ويبذل إزاءها الغ إلى والرخيص، وإنما هو منهج حياة، يضع القواعد والأصول، وإن شذ عنه شاذ لا يعتد به، لأن منفعة العامة مقدمة على أهواء الخاصة: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ} (هود: 112).

والذي لا شك فيه أن كثيرا من حالات خطف البنات أو المرأة- إنما يعود- ضمن ما يعود- إلى المبالغة في الزينة، والجري وراء الموضة بشكل يقف الشاب أمامها ضعيفًا، وسط رغباته الجامحة وغياب عقله، الذي لا يستطيع معه تقدير موقفه، مما هو فيه، مع أن الحديث الشريف يقول: «كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ؛ عرضُهُ ومالُهُ ودمُهُ».

 

سادسًا: متى تبدأ التربية الجنسية؟

ذهب البعض مذهبًا بعيدًا في التربية الجنسية بحيث اعتبروها تبدأ منذ الولادة- اعتقادًا منهم أن لهم قصب السبق في ذلك- غير أن الحقيقة التي تقض مضاجعهم هي أن الإسلام هو السباق إلى ذلك، إذا اعتنى بالطفل منذ الولادة فجعل ختانه من خصال الفطرة، ومن سنن الهدي النبوي، بل الغريب في ذلك أن الغرب توصل إلى أهمية الختان في مقاومة الأمراض والتعفنات التي يمكن أن تصيب الرجل والمرأة على حد سواء. في الصحيحين عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ: «الفطرةُ خمسٌ (أو خمسٌ من الفطرةِ) الختانُ، والاستحدادُ، وتقليمُ الأظفارِ، ونتفُ الإبطِ، وقصُّ الشَّاربِ». ويرى البعض أنه يمكن توزيعها على المراحل الآتية:

  • المرحلة الأولى:

ما بين سن (7-10 سنوات) وهي مرحلة ابتدائية، وذلك بتعليم الصبيان ومن هم قبل البلوغ الأحكام- خاصة العملية- وتدريبهم عليها، سواء الصلاة والوضوء لها، ونواقض الوضوء وأحكام الطهارة، وكذلك الصوم... إلخ، طبعًا الطهارة والوضوء يترتب عليه بيان نواقضه، ووسائل رفع الحدث.

  • المرحلة الثانية:

ما بين سن (18-10) يتم استحضار المقدمات السابقة بشكل دائم، وشرح ما يطرأ على المراهق والمراهقة من تغيرات فسيولوجية، وفي هذه المرحلة لابد من تضافر مجهودات الآباء والمدرسين في توصيل المعلومات الصحيحة إلى الابن المراهق.

  • المرحلة الثالثة:

من 18 سنة فما فوق، وهنا يظهر دور الآباء والعلماء والوعاظ في شرح معنى الزواج والعلاقات الجنسية شمولية، فعن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: جاء عمر إلى رسول الله- ﷺ- فقال: يا رسول الله، هلكتُ، قال: «وما أهلكك؟»، قال: حولت رحلي الليلة، قال: فلم يرد عليه رسول الله ﷺ شيئًا، قال: فأنزل الله على رسول الله ﷺ هذه الآية: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُم} (البقرة:223 )، أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة»، إلى آخر هذه العبارات المغلفة بغلاف الأدب والوقار. وقوله: «هلكت»؛ أي أنه أتى امرأته في قبلها من ظهرها.

 

سابعًا: الإجابة عن الأسئلة المحرجة عن الأبناء وخاصا بالجنس

أما بالنسبة لأسئلة الأبناء الجنسية، فلا مانع من الإجابة عليها، ولكن هناك عدة شروط يفضل توافرها فيما يلي:

  • أن تكون مناسبة لسن وحاجة الابن: فيجب التجاوب مع أسئلة الابن في حينها وعدم تأجيلها لما له من مضرة فقدان الثقة بالسائل، وإضاعة فرصة ذهبية للخوض في الموضوع، حيث يكون الابن متحمسًا ومتقبلًا لما يقدم له بأكبر قسط من الاستيعاب والرضا.
  • أن تكون متكاملة: بمعنى عدم اقتصار التربية هنا على المعلومات الفسيولوجية والتشريحية، لأن فضول الابن يتعدى ذلك، بل لابد من إدراج أبعاد أخرى كالبعد الديني، وذلك بشرح الأحاديث الواردة في هذا الصدد، مثل سؤال الصحابة الكرام له ﷺ: يا رسولَ اللهِ، أيأتي أحدنا شهوتَه ويكون لهُ فيها أجرٌ؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرامٍ أكان عليه فيها وزرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلالِ كان لهُ أجرًا»، بمعنى ألا نغفل بعد اللذة في الحديث، ولكن يربط ذلك بضرورة بقاء هذه اللذة في ضمن إطارها الشرعي «الزواج» حتى يحصل الأجر من الله تعالى.
  • أن تكون مستمرة: هناك خطأ يرتكب ألا وهو الاعتقاد بأن التربية الجنسية هي معلومات تعطى مرة واحدة، أو دفعة واحدة، وينتهي الأمر، وذلك إنما يشير إلى رغبة الوالدين أو المربي في الانتهاء من واجبه «المزعج» بأسرع وقت، لكن يجب إعطاء المعلومات على دفعات بأشكال متعددة، مثلا مرة عن طريق كتاب، أو شريط فيديو، أو درس في المسجد، كي تترسخ في ذهنه تدريجيًا ويتم استيعابها وإدراكها بما يواكب نمو عقله.
  • أن تكون في ظل مناخ حواري هادئ: المناخ الحواري من أهم شروط التربية الجنسية الصحيحة، فالتمرس على إقامة حوار هادئ مفعم بالمحبة، يتم تناول موضوع الجنس من خلاله- كفيل في مساعدة الأبناء للوصول إلى الفهم الصحيح لأبعاد «الجنس» والوصول إلى نضج جنسي، متوافق مع شريعتنا الإسلامية السمحاء، وأحكام ديننا الحنيف.

 

ثامنًا: بين المعارضة والتأييد

يمكن القول إن الدعوة إلى تدريس التربية الجنسية لطلبة المدارس لا يعني تعليمهم بطريقة مبتذلة، وإنما هي دعوة مغلفة بالتعليم الإسلامية، هدفها الأساسي وقايتهم من التحرش الجنسي كي لا يصبحوا فريسة سهلة لضعاف النفوس وهي في ذلك بين اتجاهين:

1- الاتجاه الأول:

أوصت دراسة أجراها فريق من طالبات سعوديات يدرسن في قسم التربية الخاصة في جامعة الملك سعود في العاصمة السعودية الرياض، بتعليم مادة الثقافة الجنسية للأطفال في المدارس الحكومية وأن المجتمع بحاجة لمثل هذه النوعية من الثقافة.

واستندت تلك الدراسة السعودية إلى استبانة تضمنت 12 عبارة عامة، بينما تكونت عينة الدراسة من 200 زوج وزوجة بالتساوي، من سكان مدينتي القطيف (شرق) والرياض، نصف العينة أزواج تراوحت أعمارهم بين 39-20 عامًا، أما النصف الآخر فتراوحت أعمارهم بين 60-40 عامًا، وكان المستوى التعليمي والأكاديمي للمشاركين ما بين المرحلة الثانوية إلى المستوى الجامعي.

وأظهرت الدراسة تأييد 80% من أولياء الأمور المشاركين في الدراسة تدريس التربية الجنسية ضمن مقررات المراحل الدراسية، كما أجاب 43% أنهم يخجلون من محاورة أبنائهم في المواضيع الخاصة بالحياة الجنسية.

وأشار 79% من المشاركين إلى أنهم يحاولون التصدي للأثر السلبي الذي يمكن أن يتركه بحث الطفل عن إجابات لأسئلته الجنسية مما شاهده ولفت نظره في مواقع الإنترنت والبرامج التلفزيونية، وقد أبدي 87% من الأهل المشاركين انشغالهم في التفكير في موضوع التحرش الجنسي الذي يتعرض له بعض الأطفال.

2- الاتجاه الثاني:

ويمثله في ذلك دراسة عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد الفاضل بعنوان التربية الجنسية في مقررات الفقه بالمرحل الثانوية بالمملكة العربية السعودية بجامعة (أم القرى) وتوصلت نتائج الدراسة إلى:

  • أن مقررات الفقه بالمرحلة الثانوية تتضمن التربية الجنسية مع حاجتها إلى الترابط والتكامل في ذلك.
  • أن مقررات الفقه بالمرحلة الثانوية بحاجة إلى زيادة مضامينها من التربية الجنسية لتواكب متطلبات في مرحلة المراهقة.
  • أن أسلوب وطريقة عرض التربية الجنسية في مقررات الفقه بالمرحلة الثانوية بحاجة إلى التعديل ليتناسب مع متطلبات وخصائص النمو في مرحلة المراهقة بشكل أفضل.
  • أن مضامين التربية الجنسية في مقررات الفقه بالمرحلة الثانوية تؤدي دورها بشكل أفضل عند إعدادها لمواجهة التحديات المعاصرة.

 

تاسعًا: بعض الاعتبارات التي تراعي في التربية الجنسية

يخطئ من يظن أن الشباب من الجنسين في حاجة ملحة إلى التربية الجنسية، لا لسبب، إلا وهو أن هناك من تتوافر فيه بعد الفطرة، والتأدب بآداب الجماعة التي نشأ فيها، سواء كان أسرة، أو ناديًا، أو جماعة رفاق ملتزمين، أو اتجاه تربوي سائد اقتنع به الأغلب منهم.

ومع هذا فإن من باب النصيحة، والحرص على سلامة المجتمع من أي مظهر يسوؤه- هناك بعض مظاهر العلاج للتربية الجنسية- لعل من أهمها ما يلي:

  • مصاحبة الأخيار من الشباب، والصالحين من الإخوان، والبعد عن الأشرار، لأن ذلك من شأنه التقليل من الترهات، والأحاديث غير المقبولة، والتوجه إلى كل ما هو مفيد، والانتفاع بكل ما هو خير قال ﷺ: «بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعفوا عن النساء تعف نساؤكم»، ويقول ﷺ: «المرءُ على دِينِ خليلِه، فلينظُرْ أحدُكُم مَن يُخَالِلُ».
  • الإعلان عن مواقف العفة، والسلوكيات النموذجية، التي تدفع الشباب إلى نبذ المخالفين، واستبعاد الأشرار، فإن ذلك مدعاة لنشر الفضيلة، واستئصال لمواقف الرذيلة، وفي المقابل التقليل من الإعلان عن الفضائح، لأن ذلك أدعى إلى نشرها، فالفضائل تطوى، والرذائل تنتشر. والمصطفي ﷺ يقول: «ما كانَ الفُحشُ في شيءٍ إلَّا شانَهُ، وما كانَ الحياءُ في شيءٍ إلَّا زانَه»، سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن أكثرِ ما يُدْخِلُ الناسَ الجنةَ؟ فقال: «تَقْوَى اللهِ وحُسْنُ الخُلُقِ»، وسُئِلَ عن أكثرِ ما يُدْخِلُ الناسَ النارَ، قال: «الفَمُ والفَرْجُ».
  • اللجوء إلى الصيام، لقول المصطفي ﷺ: «يا معشرَ الشبابِ، مَن استطاع منكم الباءةَ فلْيَتَزَوَّجْ، ومَن لم يَسْتَطِعْ فعليه بالصومِ فإنه له وجاءٌ»؛ ذلك لأن الصيام سياج أمان للصائم يحميه من التفكير في الخطأ، ويستولى على مشاعره وجوارحه فلا تمتد جواره إلى الحرام، ولا يحب لنفسه أن تخرج عن معية الله؛ وهي مرتبة لا تعلوها أخرى.
  • المراقبة المستمرة للطفل أو المراهق، خاصة عندما يكون الواحد منهما منفردًا بنفسه، وإشعاره بأن هذه المراقبة ليس قيدا عليه، وإنما بهدف توجيهه، وحمايته من نفسه، لأنه لم يصل بعد إلى مرحلة النضج، بل لا بد له من الإفادة من خبرات الآخرين، وليس هناك أصدق من توجيه الأبوين حيث الحب والرحمة، وإتاحة الفرصة له لتحقيق نوع من المتعة عن طريق إشغاله ببعض الألعاب، أو الكتب المحببة إليه، أو توجيهه لبرنامج تليفزيوني معين، يكون مثارا للتفكير والتسلية المقبولة.
  • تنبيه المراهق بأن المطالب الفسيولوجية للإنسان ليست على درجة واحدة في إشباعها. فالأكل والشرب، والتنفس، والإخراج، والنوم يتطلب إشباعها في حينها، لأن تأخيرها يضر بالجسم، أما الجنس فيمكن تأجيله إلى اللحظة المناسبة، وهي ستة أشهر تقريبًا.
  • وضع الآية الكريمة رقم 32 من سورة النساء نصب عين الشباب، وغيرهم ممن لا يستطيعون مقاومة الغريزة الجنسية، فربما ما يسرى على المحارم ينسحب على غيرهم من الغرباء والأجانب بخصوص نظرة المراهق إلى الطرفين نظرة شبة واحدة، لأن البعد الداخلي في الإنسان هو الذي يحرك نزعاته الشيطانية.
  • إشغال الاطفال والشباب في عمل ما، من شأنه أن يشغلهم ويستهلك وقتهم، لأن الفراغ مدعاة إلى الفساد.
     وكما قال الشاعر: إن الشباب والفراغ والجدة**مفسدة للمرء أي مفسدة
  • لأن بعض الآباء والأمهات يرون ترك الأطفال، وبعض الشباب لاكتشاف أعضاء جسمهم بأنفسهم، وهذا خطأ محض، بل لا بد من تدخل المحيطين به وفق ما يرونه مناسبًا.
  • أن يدرك الشاب، إذا كانت المبادرة منه- أنه القاطرة التي تقود إلى الطريق الخطأ، انطلاقًا من القاعدة في الحديث الشريف: «عفوا تعفّ نساؤكم» فمن اقتنع بذلك، واستشعر أنه مصدر الخطر على أهله وذويه، فربما كان ذلك سببا في تراجعه إزاء ما يفعل، وانقلب اتجاه التربية الجنسية إلى المسار الصحيح.

ويبقى القول قبل ذلك وبعده، إن الشباب قوة فعالة، وطاقة غنية بالعمل والإنتاج يتم توجيها إلى المسار السليم، إما بفعل الفرد نفسه، لأنه الأحق بتنمية نفسه أولا، وإما بفعل المؤسساتِ، أو الهيئات، أو جهات العمل المختلفة، لأن مهمتها الأولى العناية بهؤلاء الشباب وتشغليهم وفق خطة مرسومة، يراعي فيها خدمة التنمية البشرية، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية وهذه مسئولية الكل، كل في اختصاصه، بحيث يسد ثغره في مبنى هذا المجتمع وبغير استغلال طاقة الشباب سيظل إهدارها بابا مفتوحًا، لا يجنى منه المجتمع إلا الخسارة والبوار.

 

عاشرًا: المنهج والتربية الجنسية:

المنهج الدراسي هو كل خبرة مربية تنمي الشخصية، ولا تدخلها في متاهات التفكير المدمر، أما التربية الجنسية فهي محملة على كل المواد الدراسية، من خلال المقررات التي يظهر فيه هذا النوع من الخبرة وقد يكون المعلم هو الحاكم لهذه العملية: نظر لمسئولية التربوية إزاء ما يقول: فهما ووعيًا وتوجيها.

والجنس سلوك فطري، غير متكلف، يصدر عن الشخص تلقائيًا، بلا تعلم، وهو عند الإنسان يختلف عن الحيوان، فكثير من إناث الحيوانات تقتل ذكورها بعد الممارسة الجنسية، وهو ملازم للإنسانِ، على اختلاف مراحله العمرية، ومع أنه يحقق اللذة والمتعة لصاحبه، إلا أنه يسري عليه بعض الحالات الإنسانية، والتي قد تكون مطلبًا شرعيًا مثل: الزهد، لأنه المدخل الرئيسي لبقاء النوع.

وقد تضمن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة آدابًا وتوجيهات كثيرة في هذا المجال فالاستنجاء، وآداب الغسل، والطهارة، والوضوء للصلاة- تعد مدخلا جيدًا للتربية الجنسية في مرحلة الطفولة، فيتعلم الأطفال أسماء أعضائهم التناسلية من خلال الممارسة العملية للنظافة دون أن تعطى هذه الأعضاء، وأسماؤها هالة من السرية، فلا تثار الرغبة في المزيد من المعلومات حول هذا الموضوع.

ونظرًا لأنه الشهوة رق- فإن منظمة الصحة العالمية أوصت بضرورة إدخال التربية الدينية ضمن المناهج الدراسية، بهدف الوقاية من مشكلات الانحرافات الجنسية المتفاقمة، مما يشير بوضوح إلى الأهمية الدينية في ضبط السلوك الجنسي، وتعديل مساره بصورة إيجابية- تماما- على عكس ما يراه البعض.

 

الحادي عشر: وقفة لابد منها:

ليس المقصود بتلك الوقفة تبرير الخطأ الإنساني، والسماح لهذا الإنسان أن يقع في المحظور، وإنما الهدف منه بيان طبيعة الإنسان، والتي يمكن تلخيصها فيما يأتي:

  • الإقرار بحالات الضعف الإنساني، يترجمها القرآن الكريم، في قوله تعالى: {يرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} (النساء:28 ). بمعنى أن البعض يريد أن يميل عن الحق إلى الباطل، في شرع الله: أوامره ونواهيه. ويبدو أن {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} جاء في أمر النساء. وقال وكيع: يذهب عقله عندهن. والذي يؤكد هذا المعنى قول المصطفي: «ما تَركتُ بَعدي فِتنَةً أضرَّ على الرجالِ منَ النساءِ»؛ فأوسع أبواب الشر، تلك التي يندفع منها الشباب، وهم ثائرو الغرائز، وينزلق منها إلى مزالق الفتنة والإغراء، ولما كانت المعرفة قوة- فإن الواقع يحتم تفعيل هذه المعرفة، في مواجهة الضعف الإنساني، والخروج بها إلى مرحلة الأمان والاطمئنان.
  • التسليم بأن المعاناة مظهر من مظاهر الطبيعية الإنسانية، يدل على ذلك قول المولى سبحانه: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} (البلد:4 ) فسرها البعض بأنها: مضايق الدنيا وشدائد الآخرة أو شدة وطلب المعيشة. وهذه المعاناة تكاد تنحصر في الصراع الذي يلاحق الإمام العادل في تحريه للعدل؛ والشباب الملتزم بشرع الله والبعد عنه؛ والرجل المعلق قلبه بالمساجد والانصراف عنه، والمتحابون في الله والمتصاحبون في غيره، والرجل الذي يخاف الله من الاستجابة للمرأة، والمتصدق سرا أمام سمعة الشهرة والإعلان عن نفسه، ورجل خلع نفسه من الدنيا واتجه إلى الله وسط مشاغله اليومية.
  • ومعنى هذا إن الإنسان ليس بشحمه، أو لحمه، أو طوله وعرضه، أو جماله وقبحه، أو بمتع بالدنيا المحيطة به، وإنما هو بصيانة النفس، وحملها على ما يزينها، فإن ذلك يضمن له كمال الإنسانية.
  • وإذا كانت الحياة الدنيا هي ميدان اختبار لمعرفة أينا أحسن عملا- فإن باب التصنيف العالي الذى يمكن أن تتسابق الناس إليه، ذلك التصنيف الذى أعلن فيه المصطفي ﷺ بقصد إيجاد الإنسان المتسامي، عن النبي ﷺ: «سبعةٌ يُظِلُّهمُ اللهُ في ظِلِّه يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه: الإمامُ العادلُ، وشابٌّ نشأ في عبادةِ ربِّه، ورجلٌ قلبُه مُعَلَّقٌ في المساجدِ، ورجلان تحابَّا في اللهِ اجتَمَعا عليه وتفَرَّقا عليه، ورجلٌ طلَبَتْه امرأةٌ ذاتُ مَنصِبٍ وجمالٍ، فقال إني أخافُ اللهَ، ورجلٌ تصَدَّق، أخفَى حتى لا تَعلَمَ شِمالُه ما تُنفِقُ يمينُه، ورجلٌ ذَكَر اللهَ خاليًا، ففاضَتْ عيناه». وتبرز هذه السبعة حجم الصراع القيمي، الذي يستحوذ على الإنسان، ويترك له حرية الاختيار، بما يتناسب مع كل إنسان على حده. وهي جدًا صعبة.
  • التسليم بأن الإنسان من طبيعته الجمع بين الخير والشر، وهو جزء من القسمة العقلية، التي ترى وتظهر في خلقه سبحانه، والجزء الآخر من مخلوقاته وهم الملائكة، خلق فيهم العقل فقط: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم:6 ) والقسم الثالث وهم البهائم، فقد ركبت من شهوة فقط، أما القسم الرابع وهو الجماد فلا عقل ولا شهوة. {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} (الشمس:8 ) أي فألهم كل نفس الفجور والتقوى، وعرفها حالهما، بحيث تميز الرشد من الغي، ويتبين لها الهدى من الضلال، وجعل ذلك معروفًا لأولى البصائر.
  • وإذا كانت الفضيلة وسط بين رذيلتين- فإن رمانة الميزان التي تضمن تفوق جانب الخير في الإنسان، على جنب الشر- يمكن أن تتحقق في الحياء وهو الذي يحرك الرمانة إلى الاتجاه نحو الخير، مهما كانت مغريات الحياة، والمصطفى ﷺ يقول: «الحياء لا يأتي إلا بخير» متفق عليه.

وفي غياب الحياء يمكن للفرد أن يفعل ما يشاء يدل عليه قول المصطفي ﷺ: «إذا لَم تستَحِ فاصنَعْ ما شِئتَ».

  • المرء أعظم شاهد على نفسه:

يتميز الإنسان بالاستقلال، نظير العقل الذي يتمتع به، باعتباره صمام أمان له من الوقوع في الخطأ، انطلاقا من أن الحلال بين والحرام بين فليس من الإنسان من لا يعرف ما له، وما عليه، وليس من البشر من غيب عقله لمتعة مؤقتة، أو لسعادة عارضة، ليست من حقه: {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} (القيامة:15-14 ) فالإنسان حجة بينة على نفسه، فلا يحتاج إلى أن ينبئه غيره، لأن نفسه شاهده على ما فعل؛ فسمعه وبصره ويداه ورجلاه- شاهدة عليه، وسيحاسب عليه مهما أتى بالمعاذير، وجادل عنها.

إن الطبيعة نفسها تتولى دائما دورها الرائع في تربية الأبناء، ويبدأ الابن في ممارسة الاستقلال عن أبيه وأمه عندما يخطو نحو العالم السابع من حياته؛ ومهمة الآباء والأمهات أن يساعدوا الأبناء على النمو، وأن يشرحوا لهم عمليا كيف يُكوّن كل منهم شخصية مستقلة، تجيد التغلب على صعاب الغد، وأن يكون كل ابن إنسانًا قادرًا على اكتشاف مواهبه، وقادرا على إغناء المجتمع الذي يعيش فيه.

إن الجنس ليس هو الحياة كلها، بدليل أن كثيرًا من الأمهات التي توفي عنهن أزواجهن- يمكثن نصف قرن، أو يزيد يربين أولادهن، وربما لا يفكرن في الزواج مرة أخرى، اقتناعا منهن بأن طعم الحياة تكمن في تربية الأولاد فكان متعة الحياة تساوى متعة القيم عندهن، أو أكثر، وهذا هو الجانب، التي ركزت عليه أمامه بنت الحارث- وتعيش في بيئة حارة تساعد على زيادة الرغبة في الجنس- لابنتها أم إياس، حيث زفت إلى زوجها: لا تفش له سرًا، ولا تعص له أمرًا، فإنك أن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أو غرت صدره، ثم اتقى- مع ذلك- الفرح أمامه إن كان ترحا، والاكتئاب عنده إن كان فرحا، فإن الخصلة الأولى من التقصير، والثانية من التكدير، وكونى اشد من تكونين له موافقة- يكن أطول ما يكون لك مرافقة، واعلمى أنك لا تصلين إلى ما تحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك، وهواه على هواكِ، فيما أحببت وكرهت، والله تخير لك.

ومهما يكن من أمر فإن العرب قوم لهم طباعهم، وعاداتهم وتقاليدهم، التي لا تسمح بالجهر بما يتعلق بالجنس أو اللغو فيه، وجاء القران الكريم مواكبا لما ألفوه، وتعودوا عليه، وهو في الوقت نفسه موافق لما طبعوا عليه من استخدام للألفاظ الموحية، والتراكيب المفيدة للمعنى من بعيد، مثل: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} (البقرة: 187) وتعني: هن سكن لكم وأنتم سكن لهن، أو هن لحاف لكم وأنتم لحاف لهن. فهي تعبيرات أبعد ما تكون عن خدش الحياء، وفحش الكلام، والإفصاح عن القبيح، إذ الكلمة الطيبة صدقة.

وليس هناك أجمل من التوجيه النبوي الشريف، الذي يقول: «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله- عز وجل- خير له من زوجه صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها حفظته في نفسه وماله» رواه ابن ماجه.

ولعل فضيلة العفة- وهي ترك الشهوات، أي شهوات كل شيء- من أعلى الفضائل الإنسانية لدى الفتى والفتاة، وهي وسام محل فخر واعتزاز حتى ولو غابت عند الآخرين، لكنها تظل مصدر متعة وسعادة، لمن تحصن بها. يأنس إليها الفتى والفتاه، ويستعر قيمة السمو الذي حققه بفضل الله، وبفضل سيطرته على نفسه، وتملك غريزته، في وقت عز فيه الحفاظ على العفة الإنسانية.

وتجدر الإشارة إلى أن العفة في الأنثى ليست مستغربة ففي عالم الحيوان يكون الامتناع- بصورة عامة- عن الاتصال الجنسي من الأنثى، وفي بعض الحيوانات يكون من الذكر والأنثى معا، إلا أنه لا يكون الامتناع أبدًا من جهة الذكر دون الأنثى، ولهذا السلوك الحيواني دلالته التربوية لأنثى الإنسان، حيث تكون العفة فيها أصلًا أصيلًا في سلوكها الجنسي. ولعل هذا يدخل في باب الوعي بأنهن مؤتمنات على أنفسهن لأن الحديث الشريف يقول: «أيُّما امرأةٍ أدخلت على قومٍ من ليس منهم فليست من اللهِ في شيءٍ ولن يدخلَها اللهُ جنتَه»؛ ولهذا تعاقب بعض القوانين على خطف الأنثى، أشد من معاقبتها على خطف الذكور.

 

الثاني عشر: بعض جماليات التربية الجنسية:

المخلوقات الإنسانية وغير الإنسانية لم تخلق عبثًا، وإنما خلقت بقصد وإرادة وحكمة يدل على ذلك قول المولى سبحانه: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} (المؤمنون: 115) ولعل متعة الجنس- وهو عبادة- في مقابل عبادة القيام بالتكليفات الشرعية- تعطى للإنسان القوة، والرغبة في استمرار الحياة، بمتعة وسعادة، من خلال بعض الجماليات في التربية الجنسية. لعل منها ما يلي:

  • حسن العشرة، وذلك بطيب الكلام لهن، وحسن الفعل والهيبة، حسب قدرتكم، وكما تحب ذلك منها فافعل أنت بها مثلة: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (البقرة:228 ) وفي الحديث الشريف: «خيرُكم خيرُكم لأهلِه وأنا خيرُكم لأهلي»؛ وكان من أخلاقه ﷺ أنه جميل العشرة، دائم البِشْر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه حتى إنه كان يسابق السيدة عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها، يتودد إليها بذلك. قالت: «سابقَني رسولُ اللهِ فسبقتُه فلبِثتُ حتَّى إذا أرهقَنيَ اللَّحمُ، أي سمِنتُ، سابَقني فسبَقَني فقال: هذهِ بتلكَ يشيرُ إلى المرَّةِ الأولَى».
  • نظافة البدن لكلا الطرفين: الزوج والزوجة، حتى لا يتأذى أحدهما برائحة الآخر، من آثار العمل والعرق. وإذا كان المصطفي ﷺ يقول: «حُبِّبَ إليَّ من دنياكم: النساءُ، والطيبُ، وجعلتْ قرةُ عيني في الصلاةِ»؛ - فإن الرائحة الطيبة تقرب ولا تباعد، وتؤنس ولا توحش. وكمال النظافة أدعى إلى الهمة والنشاط، بل إن الوضوء بين الجماعين مستحب وأكد، كما روى عن أبى سعيد الخدري (رضي الله عنه) أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أَتَى أحدُكم أهلَهُ، ثم أرادَ أن يعودَ، فليتوضأْ» أخرجه مسلم.
  • التركيز على ما يجرى بين الرجل والمرأة، لأن ذلك يمكن أن يؤدي على زيادة المتعة والشعور بلذة الحياة، أما الانشغال ببعض الأمور الحياتية، والمطالب المادية من كلا الطرفين مثل: النفقة، والخلافات الهامشية، وضرورة تحقيق هذا وذاك- فإن ذلك يمكن أن يطرد جانب المتعة، بل ويتحاشى الاتصال فيما بعد، ويعكس ذلك قصور في فهم المتعة، باستغلال الموقف لتحقيق مطالب خاصة.

ولعل التركيز في هذه المسألة كثيرًا ما يحقق بعد التفاعل الحي بين الرجل والمرأة، ويزيد شدة التمسك بينهما والآلية في ذلك تَفَقُّدُ الحياة الزوجية بهجتها، وكمالها.

الالتزام بأمر الله في تحقيق مطلب المتعة: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (البقرة: 222) فقد جمعت الآية بين الحماية من المرض وحسن المعاشرة الجنسية، وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضها، لا تحل حتى تغتسل بالماء، أو تتيم إذا تعذر ذلك عليها بشرطه، فإذا تطهرن فليأتها من حيث أمر الله، مع استمرار الملاعبة وكل ما من شأنه أن يحقق المتعة، بل إنه- كما يذكر- عن جابر بن عبد الله قال: قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المواقعة قبل الملاعبة»؛ ومهما كان هذا الحديث ضعيفًا فإنه يُمَكّن الإنسان من تحقيق أعلى معدل لجمال المتعة.

ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أنَّ أحدَكم إذا أراد أن يأتيَ أهلَه فقال: باسمِ اللهِ: اللهمَّ جنِّبْنا الشيطانَ، وجَنِّبِ الشيطانَ ما رزقتنا، فإنَّهُ إن يُقدَّرُ بينهما ولدٌ في ذلك، لم يضرَّه شيطانٌ أبدًا»، وليس هناك أجمل من راحة الأبوين في ولد لن يمسسه الشيطان أبدًا.

 

 

قد يعجبك ايضا