تحصين النشأ ضد خطر المُسكِرات والمخدرات
المنتدى الإسلامي العالمي للتربية

تحصين النشأ ضد خطر المُسكِرات والمخدرات

 

تشكل المخدرات خطرًا على الناحية السكنية والعائلية والصحية والتعليمية والأخلاقية والترفيهية ولا يستطيع أفرادها الحصول على الاحتياجات الضرورية، مما يدفع بالزوجة أو الأبناء إلى الاضطرار لسد احتياجات الأسرة الضرورية بأعمال قد تكون مشروعة أو غير مشروعة.

وتشير الدراسات في الولايات المتحدة الأميركية مثلًا أن نسبة لا يستهان بها من متعاطي الحشيش قد جربوا المخدر وهم ما بين سن العاشرة والرابعة عشر من العمر، وهؤلاء الصغار في كل مجتمع هم في الغالب في أحضان أسر ولكن الظروف التي تحيط بالناشئة الذين انحرفوا في تيار المخدر أو المسكر تشير إلى وجود ظروف أسرية يحكمها التفكك أو سوء المعاملة.

وفى دراسة للباحثة بكلية التربية جامعة طرابلس بلبنان، فريال معروف مولود بعنوان (تحصين النشأ ضد خطر المسكرات والمخدرات)، ترصد أبرز المشاكل التى تؤدى للوقوع في مصيدة المسكرات والمخدرات، وتقترح مجموعة من الحلول لهذه المشكلات.

 

المسكرات والمخدرات:

المُسكِرات: جمع مُسكِر وهو مأخوذ من السُّكر وهو ضد الصَّحو، والسكر في الاصطلاح: نشوة تزيل العقل أو تغطية بما فيه شدة مطربة كالخمر، وقال الشافعي: السكران هو الذي اختلط كلامه المنظوم وانكشف سكره المكتوم.

والمسكرات في الكيمياء: هي الأشربة التي بها كمية من الكحول، والكحول أو الغَوْل في أصل اللغة العربية هو ما ينشأ عن الخمر من صداع وسكر، وسمي غولًا لأنه يغتال العقل وقد نفى الله تعالى عن خمر الجنة هذه الصفة فقال: )لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون( وأول من اكتشف الغول (الكحول) هم الكيميائيون العرب وقاموا بتحضيره ثم ترجم الإفرنج عنهم هذه الكلمة إلى لغتهم AL – COHEL.

الحشيش عرف منذ 2700 سنة قبل الميلاد عند الهنود والصينين.

 

أسباب انتشار المسكرات والمخدرات كثيرة أهمها ما يلي:

1- ضعف الوازع الديني:

من أبرز أسباب تعاطي المخدرات والمسكرات ضعف الوازع الديني لدى المتعاطي، ذلك أن المتمسك بدينه يبعد كل البعد أن تمتد يده للمسكرات والمخدرات بيعًا وشراءً وترويجًا وتهريبًا بل وتعاطيًا.

 والشخص كلما كان بعيدًا عن المسجد بعيدًا عن مجالس الخير بعيدًا عن التربية الصالحة كلما كان قريبًا من المسكرات والمخدرات وغيرهما من طرق الغواية.

قال الله تعالى: )اتل ما أوحى إليك من الكتب وأقم الصلوة إن الصلوة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون(.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب حين يشرب وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن» رواه البخاري.

 

2- الفراغ وقرناء السوء:

الفراغ يعتبر أحد الأسباب الرئيسية للدخول في عالم المسكرات والمخدرات سواء كان ذلك الفراغ فراغًا في الوقت أم فراغًا في العلم والثقافة، وقد أثبتت الإحصاءات والدراسات، بل واللقاءات الميدانية مع السجناء وأن معظمهم من المراهقين الذين لا يقدرون قيمة الوقت، ولا يعرفون كيف يشغلونه بما ينفع، ولهذا سهل اصطيادهم ووقوعهم في شرك المسكرات والمخدرات.

وأيضًا لقرناء السوء تأثير كبير في انتشار المخدرات والمسكرات، لسرعة تأثير الشباب بعضهم ببعض ومحاكاة بعضهم لبعض، والنصوص من كتاب الله وسنة رسول الله تؤكد هذا المعنى، قال تعالى: )ويوم يعض الظالم على يديه يقول يليتني اتخذت مع الرسول سبيلًا * يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا(.

ويقول الرسول: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل».

ويقول الشاعر العربي عدي بن زيد العبادي وينسب إلى طرفة بن العبد:

  عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه                  فكل قرين بالمقارن يقتدى

وقد ثبت أن الشاب إذا وقع في طريق المعاصي عمومًا وفي طريق المخدرات خصوصًا حرص كل الحرص على إيقاع غيره فيما وقع فيه، بل إن بعض الشباب يعتبر نجاحه وفشله على قدر من يوقع في زملائه وأقرانه، وتلك مصيبة عظيمة.

 

3- المشاكل الأسرية

إن كثيرا من المظاهر التوافق أو سوء التوافق ترجع إلى نوع العلاقات الإنسانية في الأسرة حيث تتوافر الخبرات الأولى في حياة الطفل إما بخضوعه للتعليم المباشر من والديه وأفراد أسرته وإما تأثرًا بالتعليم غير المباشر حيث يستقي من هؤلاء اتجاهاتهم ومعتقداتهم وأنماط سلوكهم خلال مواقف حياتهم اليومية.

ومن خلال الاحتكاك الدائم بالوالدين وأفراد الأسرة يتعرف الطفل ما هو متوقع منه كطفل، وما هو متوقع منه، ويبدأ في تكوين مفهومه عن ذاته.

ومن خلال العلاقات الأسرية يتعلم الطفل مسايرة معايير الجماعة وقيمها وتقاليدها، كما يتعلم مع الآخرين الأخذ والعطاء معهم.

ويتشرب الطفل من الأسرة أيضًا القيم الدينية والخلقية والأفكار والمعتقدات والاتجاهات والعادات التي تشكل معايير السلوك المقبول والمرفوض في المجتمع وذلك لحاجته إلى الاستحسان والتقبل ولخوفه من العقاب والنبذ، ولرغبته في أن يتقمص أو يتوحد مع النموذج المتمثل بالوالدين أو أحدهما وتتوقف درجة تقمص الطفل للنموذج الوالدي واقتدائه بسلوكه على الخصائص الإيجابية للآباء بوصفهم نماذج للرعاية ومصدرًا للحب والحنان.

ومن هنا تأتي أهمية الأسرة وسيطًا في نقل القيم للطفل وبوصف أفرادها أو بعضهم نماذج قيمية يتقمصها الطفل أو يتوحد معها.

فمثلًا إذا دب خلاف بين الزوجين على أمر من الأمور يحسن أن يكون النقاش بعيدًا لأن اختلاف الوالدين في وجهات النظر أمام الأولاد له آثار عكسية، إذ يبحثون عن جو أكثر هدوءًا من جو البيت الذي يعج بالمشكلات، لأنهم لا يستطيعون إبداء وجهات النظر إذ انضمامهم للأم يجعل الأب ينفر منهم ويتصرف تصرفًا سيئًا وذلك بطردهم من البيت، وهذا ما حدث فعلًا في أكثر من حالة طلاق في مدينة طرابلس.

وكذا إذا وقع الطلاق، إذ أن الأب سيعيش في جهة والأم في جهة أخرى، والأولاد هم الضحية إن تبعوا الأب وجدوا معاملة سيئة من زوجته الجديدة، وإن تبعوا الأم وجدوا ضعفًا غير عادي من زوجها وهذا في الأعم الأغلب-  وعلى كل حال إذا التجأ الأولاد إلى هذا الجو فسيحثون عن جو أفضل وهنا تتلقفهم يد السوء فتجرهم إلى عالم المسكرات والمخدرات وهنا تبدأ نهايتهم.

كذا غياب الوالدين أو أحدهما، إذ أن الأولاد ليس عليهم رقيب فيسهل وقوعهم في هذه السموم القاتلة، إذ يتيسر لهم الخروج من البيت كيفما شاءوا ومتى شاءوا بل ويصاحبون من شاءوا دون محاسبة أو متابعة.

وكذا سوء معاملة الأولاد، حيث نجد في بعض الأسر أن الأبوين أو أحدهما يفرط في تدليل الأولاد وإعطائهم كل ما يطلبون مما يجعلهم لا يحسون بالمسؤولية ويدفعهم ما معهم من المال لشراء ما يريدون، والمال بيد الأولاد غير الناضجين نقمة وليس نعمة. وصدق الله العظيم: )وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافًا وبدارًا أن يكبروا ومن كان غنيًا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبًا).

وعلى العكس من ذلك نجد الوالدين أو أحدهما وخصوصًا الأب قد يقسو على الأولاد ويدفعهم للجريمة من غير أن يشعر وذلك بكثرة ضربهم والاستهزاء بهم والسخرية منهم والحط من قدرهم وهذا دونما شك يدفعهم للبحث عن الجو الذي يحسون فيه الدفء والعطف فيقعون في براثن الغلط.

ومن ذلك أيضًا تفضيل بعض الأولاد على بعض لأسباب أو لأخرى، فهذا يدفع الولد المفضل عليه أن يعوض تفضيل والديه أو أحدهما لأخيه أو أخوته وذلك بالبحث عن مكان يسد فيه هذا النقص وفي الغالب لن يكون إلا مع رفقة الفجور والفساد.

فلم يعد ابنك أو ابنتك ذلك الطفل الوديع الذي تشكله على عينك وتزرع فيه ما تشاء من قيم ومفاهيم، فأبناء اليوم ليسوا مجرد أرض جاهزة للغرس، وإن كانوا كذلك فالوالدان ليس هما الغارسين فقط، بل ما أكثر المتصارعين للغرس في ذلك الحقل، ففي عصر الإنترنت والفضائيات وثورة الاتصالات أزيلت الحدود واقتحم الدخيل من الأفكار والقيم ديارنا بلا استئذان، ولا مقدرة منا على الصد، لكن على الجانب الآخر هناك من لا يزال يرى أن الأمر ما زال بيدنا، وأن أبناءنا لنا وليسوا أبناء الحياة كما يقول جبران خليل جبران. وأننا قادرون على تربيتهم كما نريد.

 

4- السفر إلى الخارج والتقليد الأعمى

كثيرًا ما يكون انتشار المخدرات في البلدان عن طريق سفر أبنائها إلى الخارج إذ في البلاد الأجنبية اللادينية يجد الإنسان فيها كل محرم من العهر والمسكرات إضافة إلى أن مروجي المخدرات في تلك البلاد يبحثون عن فريسة جديدة بغية توسيع نشاطهم التجاري على حساب مستقبل الآخرين.

ويلعب التقليد الأعمى هنا دورًا مهمًا في هذا الباب الخاص وأن التقليد يكثر في حياة المراهقين يقلدون من يحبونه ويعتبرونه مثلهم الأعلى. ومن أسوأ الأمور أن يقلد الشاب الآخرين في تعاطي المسكرات والمخدرات ويعتبر ذلك من الرجولة والقوة.

ويعتقد متعاطو المسكرات والمخدرات أنها تقوي الجنس وأنها تجلب المتعة والسرور وتلك معتقدات كاذبة لا أساس لها في أرض الواقع.

يقول الدكتور أوبري لوس رئيس قسم الأمراض النفسية في جامعة لندن: إن الكحول هو السم الوحيد المرخص بتداوله على نطاق واسع في العالم كله.

ويقول الشاعر الإنكليزي المشهور شكسبير عنها: إنها تحفز الرغبة ولكنها تأخذ معها القدرة على التنفيذ.

يقول الدكتور علي البار: لا شك أن الخمور بتخديرها للمناطق المخية العليا تذهب الحياء والاعتبارات الأخلاقية عند الإنسان بل تزيد الرغبة في الجنس وتؤدي في كثير من الأحيان إلى الجرائم الجنسية الغريبة والشاذة، وذلك لتأثير الخمر على الجهاز العصبي.

 

أضرار المسكرات والمخدرات:

   1- الأضرار الدينية:

        للمسكرات والمخدرات أضرار بالغة على الدين من عدة جوانب ذلك أن المخدرات والمسكرات مضيعة للأوقات مذهبة للعقول، ومتى ضيع الإنسان أوقاته وذهب عقله فسيجره ذلك لتضييع أعظم ركن من أركان الإسلام ألا وهو الصلاة.

فمن الثابت أن بعض أنواع المخدرات تجعل متعاطيها تحت وطأة التأثير لساعات طويلة وربما لأيام، وصدق الله العظيم إذ يقول: )إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدّكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون(.

وأيضًا الغيبوبة الحاصلة من السكر والتخدير تنافي اليقظة الدائمة التي يفرضها الإسلام على قلب المسلم ليكون موصولًا بالله في كل لحظة مراقبًا لله في كل خاطر، ثم ليكون بهذه اليقظة عاملًا إيجابيًا في نماء الحياة وتجددها، وفي صيانتها من الضعف والفساد، وفي حماية نفسه وماله وعرضه وحماية أمن الجماعة وشريعتها ونظامها من كل اعتداء ظاهر أو خفي. كما أن الفرد المسلم ليس متروكًا لذاته بل عليه في كل لحظة تكاليف تستوجب اليقظة الدائمة تكاليف لربه وتكاليف لنفسه وتكاليف لأهله وتكاليف للجماعة التي يعيش فيها وتكاليف للإنسانية التي ينتمي إليها وهو مطالب باليقظة لينهض بهذه التكاليف، وأنى لمن تعاطى المخدرات والمسكرات أن يقوم بهذا الواجب فهو زائل العقل فاسد القلب على أمره في غيبوبة بعيدًا عن واقعه الذي يعيشه.

 

2- الأضرار الخُلقية:

قال النبي: «لا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر»، ولا شك أن لهذا المفتاح الآثم نصيب الأسد في انحلال الأخلاق وانتشار الفساد وتهتك المجتمع الذي ينتشر فيه ولذا نرى الجرائم تشتعل بين أفراده، ولا سيما جريمة الزنا التي لها الحظ الأوفر عند متعاطي المسكرات والمخدرات. كيف لا والخمر أم الخبائث تدفع صاحبها إلى ارتكاب شتى الآثام والخطايا.

وفي الحديث: «اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث».

يقول الشيخ محمد رضا: ثم إن المتجرين بها كثيرًا ما يقرنون بينها وبين القيادة إلى الزنا، ويجتمع في بيوت الدعارة التي تجمع بين الرجال والنساء من مغنيات وراقصات، والخمر هي مفتاح هذا الاجتماع الآثم في بيوت الفسق والفجور هذه.

ويقول الدكتور عادل الدرمداش: كثيرًا ما يقال إن تعاطي الخمر بواسطة المجرم أو ضحيته أو كليهما من العوامل التي تؤدي إلى جرائم العنف والجنس بصورة خاصة، وتشير البحوث إلى ما يؤيد هذه الملاحظة، إذ لوحظ أن نسبة هذا النوع من الجرائم قد انخفض بعد تطبيق القوانين التي تحدد أو تقلل من استهلاك الخمر في أوقات الحرب، وظهر ارتفاعها في نهاية الأسبوع في الولايات المتحدة حين يزداد استهلاك الخمر، وفي إحدى هذه الدراسات تبين أن تسعة جرائم اغتصاب من جريمة من هذا النوع تتم والمجرم تحت تأثير الخمر.

وهكذا يتضح لنا مما سبق العلاقة الوطيدة بين الخمر والزنا، هاتان الجريمتان اللتان لا تتفشيان في مجتمع إلا انهارت أركانه.

 

3- الأضرار الاجتماعية:

للمسكرات والمخدرات أضرار اجتماعية، منها على سبيل المثال اشتعال نار العداوة والبغضاء بين طبقات المجتمع، وتفكك الأسرة، وانتشار الجريمة بجميع أنواعها، وتفشي البطالة، والانتحار.

والتقارير من دول عديدة تشير إلى أن أكثر من نصف الجرائم لها علاقة بتعاطي المسكرات والمخدرات، وفي دراسة رسمية سوفيتية اتضح أن 75 % من الجرائم العنيفة التي تسجلها الشرطة السوفيتية يرتكبها مخمورون.

وفي بريطانيا ارتفعت نسبة الجريمة بشكل كبير، وقد صرح وزير داخليتها (ويليام هوايت) بأن معظم المشاكل التي تحدث من المخمورين أثناء الليل، الذين ربما ارتكبوا مخالفات وجرائم وهم في غير وعيهم، وتكثر الجريمة هناك بعد قضاء السهرات في النوادي والحانات الليلية. ومعدل الجريمة في ارتفاع رغم كل الجهود والإمكانيات المتاحة للقضاء عليها، وإحصائيات الشرطة البريطانية عن الجرائم تقول: إنه تم ارتكاب (2.96) مليون جريمة في انكلترا عام 1981، بالمقارنة بـ (1.66) مليون جريمة عام 1971 و(70.894) في عام 1961 والإدمان على الخمر مسؤول عن نصف أكثر حالات الاعتقال والانتحار في أمريكا.

كما تبين الدراسات أن أسرة المدمن من صفاتها العنف والعداء والفوضى في التعامل والتراشق بالتهم والتهرب من المسؤولية والتناقض وحياة الأولاد فيها قلقة.

يقول الدكتور الدرمداش: في دراسة أجريت على أبناء (115) من المدمنين تبين أنهم يعانون من المصاعب في الدراسة، وكان معظمهم قلقاُ منشغلًا لاختلافه عن الأطفال الآخرين مع شعورهم بأنهم منبوذون من الأبوين، ونصفهم تقريبًا منعزل عاطفيًا عن آبائهم ويشعر بكراهية الأبوين والسخط عليهم. كما أن أولاد المدمنين يميلون إلى الجريمة بصورة أكبر من غيرهم، هذا إلى جانب ما يحصل عليه الأبناء من أضرار كثيرة تلحقهم من سوء معاملة آبائهم المدمنين. فقد أظهرت الدراسات أن نصف مليون طفل تحت سن الرابعة يتعرضون للأذى والضرب على أيدي آبائهم المدمنين.

كما أثبتت الدراسات أن الانتحار متفش بين متعاطي المسكرات والمخدرات أكثر من غيرهم.

 

الوقاية من المسكرات والمخدرات:

1- العناية التامة بتربية الفرد والأسرة:

إن غاية التربية في الإسلام هي أن يحيا المسلم حياة سعيدة في الدنيا تنتهي به إلى السعادة أبدية في الآخرة.

ولكي يتحقق ذلك لا بد أن ينشأ المسلم نشأة صالحة ويكتسب أنماطًا سلوكيةً حسنة من الوالدين أو من يقوم مقامها ممن يقتدي به الناشئ، وعليه فلا بد أن يكون الأبوان حريصين على ممارسة حقائق الإسلام وقيمه ومبادئه فحين توجد القدوة الحسنة متمثلة في الأب المسلم والأم ذات الدين فإن كثيرًا من الجهد الذي يبذل في تنشئة الطفل وتربيته على آداب الإسلام ومبادئه يكون جهدًا ميسرًا وقريب الثمرة، لأن الطفل سيتشرب القيم الإسلامية في الجو المحيط به تشربًا تلقائيًا.

إذن يجب أن تكون الأسرة مصباح هداية لأبنائها لا مفتاح غواية، وأن تعطي القدوة الحسنة لجميع أفرادها قولًا وفعلًا حتى تثمر التربية وينشأ هؤلاء الأفراد على مبادئ الخير والفضيلة.

وكما يعتني الإسلام عناية فائقة بتربية الفرد فإنه في نفس الوقت يعتني عناية كبيرة بتكوين الأسرة وتنشئتها ومن أبرز عناية الإسلام واهتمامه بالأسرة الأمر بحسن الاختيار في الزواج، فيجب على الرجل أن يختار لنفسه المرأة ذات الدين، وأيضًا ينبغي على ولي المرأة أن يزوج موليته التقي الصالح.

فقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ».

ومن مظاهر عناية الإسلام بالأسرة الأمر بالمعاشرة بين الزوجين بالمعروف قال تعالى: )وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا(.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خياركم خياركم لنسائهم خلقًا» حديث حسن صحيح.

فالمنهج الإسلامي لا ينتظر حتى يقع النشوز بالفعل وترفع راية العصيان مهابة القوامة، بل لا بد من المبادرة في علاج مبادئ النشوز قبل استفحاله لأن مآله فساد وتدمير هذه المؤسسة الخطيرة، لذا أبيح للزوج أن يزاول بعض أنواع التأديب المصلحة في حالات كثيرة لا للانتقام ولا للإهانة ولا للتعذيب، ولكن للإصلاح ورأب الصدع في هذه المرحلة المبكرة من النشوز.

وهنا يتضح لنا أهمية غرس القيم الإسلامية والحث على التمسك بالإسلام لالتزامه منهج حياة، ولبيان الحكم من تعاطي المخدرات والمسكرات.

 وهنا ينبغي أيضًا أن يكون للمساجد ووسائل الإعلام والمناهج الدراسية والأندية الرياضية والمؤسسات الاجتماعية دور متميز في التنفير والتحذير من هذه السموم الفتاكة.

 

2-  المداواة بالعبادة:

عن طريق غرس القيم الإسلامية ومتى تم ذلك تبعه ترغيب الناس في العبادة وتحبيبها في جو إيماني بعيد كل البعد عن جو الرذيلة وحب المنكرات، لأن القلب الإنساني دائم الشعور بالحاجة إلى اللهو وهو شعور أصيل صادق يملأ فراغه شيء في الوجود إلا حسن الصلة برب الوجود، فالقلب لا يصلح ولا يطمئن إلا بعبادة ربه والإنابة إليه، والعبادة التي نشير إليها هي ما تعنيه هذه اللفظة من الشمول والكمال.

يقول ابن تيمية: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه في الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الرحم والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين والدعاء والقراءة وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين والصبر والشكر لنعمه والرضا بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه وأمثال ذلك من العبادات لله.

فحياة المسلم كلها عبادة لله سبحانه وتعالى فلا مكان فيها لانحراف أو شذوذ وصدق الله العظيم: )قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين(.

 

3- العقوبة الرادعة:

        العقوبات كما يقول الماوردي زواجر وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر وترك ما أمر، وقد أوجب الشرع العقوبة في المسكرات والمخدرات، أما المسكرات ففيها الحد الشرعي وهو ثمانون جلدة.

وأما المخدرات فاختلف الفقهاء في عقوبة متعاطيها، فذهب جمهور الفقهاء (الحنفية، والمالكية والشافعية والحنابلة) إلى أن عقوبة متعاطي المخدرات عقوبة تعزيرية متروكة لاجتهاد الحاكم حسب حال المتعاطي والآثار المترتبة على تعاطيه.

وذهب بعض أهل العلم كابن تيمية وابن القيم والذهبي والزركشي إلى أن عقوبة متعاطي المخدرات هي حد السُّكر.

 

 

قد يعجبك ايضا