يقف المسلم خاشعاً أمام الكعبة المشرفة، مهاباً لجلالها ومكانتها. وفي المقابل، تأتي التوجيهات النبوية لتضعنا أمام حقيقة إيمانية بالغة الأهمية: حرمة المسلم عند الله أعظم من حرمة هذا البيت العتيق.
في حجة الوداع، أسس النبي ﷺ قاعدة البناء المجتمعي وحفظ الكرامة الإنسانية حين أعلن بوضوح: “كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه”. إن التربية الإسلامية الواعية تبدأ من غرس هذا التعظيم في نفوس الأجيال، فاستباحة الأعراض بكلمة طائشة، أو التعدي على الأموال والدماء، يُعد تجاوزاً خطيراً لحدود الله.
حفظ اللسان وصون كرامة الآخرين هو الميزان العملي لصدق الإيمان وسلامة القلب. لو طُلب من أحدهم خدش جدار الكعبة لارتعد فزعاً، وهذا الخوف والإجلال هو ما يجب أن نستحضره تماماً قبل الخوض في حقوق الناس وأعراضهم.
شاهد المقطع المرئي أدناه، وتأمل كيف نجعل من صون حرمة المسلم منهجاً تربوياً وعملياً داخل الأسرة والمجتمع.
نص التعليق الصوتي:
في زمنٍ خفَّ فيه الميزان
واختلطَ فيه الصوابُ بالهوى
صار بعضُ الناسِ يستهينُ بالكلمة
ويستخفُّ بالفعل
وينسى أنَّ أمامَهُ حرمةً عظيمة
حرمةٌ لو عُظِّمت
لاستقامت القلوب
ولو حُفظت لصَلُحَ المجتمع
ولو وُقِّرت لانتشر الأمنُ قبل الإيمان
إنها حرمةُ المسلم
حرمةٌ جعلها الله أعظمَ من حرمةِ الكعبة
حرمةٌ رباطُها الأُخوة
وسياجُها التقوى
وحارسُها الضميرُ الحي
إن تعظيمَ حرمةِ المسلمِ أصلٌ راسخٌ في البناءِ الإسلامي
وقاعدةٌ كبرى من قواعدِ الاجتماعِ الإيماني
فالمسلمُ ليس رقمًا في القطيع
ولا جسدًا بلا كرامة
بل نفسٌ عظّمها الله
وحقٌّ صانهُ الشرعُ
وأخٌ ربطَه الإيمانُ بأخيه رِباطًا لا يَنفصِم
ومن هنا كانت التربيةُ الإسلاميةُ الحقّةُ هي التي تُنشئُ القلبَ قبل السلوكِ
وتُوقظ الضميرَ قبل الحكمِ
وتغرسُ في النفسِ أن احترامَ الإنسانِ عبادة
وصيانةُ حقهِ قُربة
وكفُّ الأذى عنه دَين
وحرمةُ المسلمِ ليست معنىً يُتلى
ولا شعارًا يُرفع
بل حرماتٌ مفصّلة وسِياجاتٌ مُحكمة
فأولها حرمة الدم
فلا يُسفَك إلا بحق
وقد توعّدَ اللهُ من قتل مؤمنًا متعمدًا بأشدِّ الوعيدِ فقال
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾
وجعل حفظَ النفسِ وصيةً ربانيةً خالدة
فقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَق﴾ِّ
ثم تأتي حرمةُ المالِ
فلا يُنالُ بخداعٍ
ولا يُؤخذُ بنَصبٍ
ولا يُقتطعُ بحلفٍ كاذبٍ
ولو كان شيئًا يسيرًا
فقد أقر النبي ﷺ أنَّ من أخَذَ حقَّ امرئٍ مسلمٍٍ بيمينهِ فقد أَوجَبَ اللهُ له النارَ
وحَرَّمَ عليه الجنةَ
وتليها حُرمة العَرض
وهي أعمقُ أثرًا وأشدُّ خطرًا
فحرَّم اللهُ الغيبةَ
وشبَّهها بأبشعِ صورةٍ تَنفُرُ منها الفِطرةُ السليمةُ
فقال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾،
وتوعّدَ من يُؤذِي المؤمنينَ والمؤمناتِ بغير حقٍّ بإثمٍ مبينٍ
لأن الكلمةَ قد تجرحُ ما لا يَبرَئُه الزمن
ولا تكتملُ الحرماتُ إلا بصيانةِ الحرياتِ المشروعةِ
حريةُ الرأي المنضبط
وحريةُ العبادة
وحريةُ الحركة
ما دامت في إطارِ الشرعِ والعدلِ
فالإسلامُ لم يَبْنِ أمةً مقهورة
بل أمةٌ مسؤولةٌ تعرف حدودَها وتحفظُ حقوق غيرِها
وقد جاءتِ النصوصُ الشرعيةُ لتقررَ هذا الأصل تقريرًا لا لَبس فيه
فقال النبي ﷺ: «كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ: دمُهُ ومالُهُ وعرضُه
وبيّنَ أن الظلمَ خُذلانٌ
والاحتقارَ شرٌّ
وأن الأخوةَ ليست ادعاءً يُقال
بل أمانةٌ تُؤدَّى وسلوكًا يُترجَم
بل وقف ﷺ عند الكعبةِ، المشرفةِ أعظمَ بقاعِ الأرضِ
ليضعَ ميزانًا تهتزُّ له القلوبُ فقال: «ما أعظَمَكَ وأعظمَ حرمتَكَ، ولحرمةُ المؤمنِ أعظمُ عند الله حرمةً منك»
في مالهِ ودمهِ
بل وحتى في الظنٍّ به
فلا يُتَّهَمُ بغيرِ بيّنةٍ
ولا يُدانُ بغير عدلٍ
ومن هنا كانَ واجبُ التربيةِ أعظمَ من مجردِ التعليمِ
فالأب والمربي هو القدوةُ الأولى
وسلوكُهُ هو المنهجُ العملي
فإنْ عظَّمَ الحرُماتِ في فِعلهِ عظَّمها الأبناءُ في قلوبهم
وإن استهانَ بها سقَطَت هيبَتُها من نفوسِهِم
فالقدوةُ تُنشئُ ما لا تُنشِئُه الخُطَب
وتَغرسُ ما لا تَغرسُه الكلمات
كما أنَّ التربيةَ الواعيةَ تحتاجُ إلى منهجٍ مقصودٍ
يُربِّي على تعظيمِ الحرمات
ويحذرُّ من الاستهانةِ بها
ويكشِفُ زَيفَ المناهجِ المنحرفةِ التي تَسْخرُ من الشعائر
أو تبرِّرُ انتهاكَ الحقوقِ باسم الحريةِ أو التقدم
منهجٌ يربِط النصَّ بالواقع
ويعلّمُ الأبناءَ كيف يعيشونَ القيم
لا كيف يحفَظونَها فقط
وتظهرُ ثمرةُ هذه التربيةِ حين يتشَرَّبُ القلبُ تعظيمَ الشعائرِ
فتبدو علاماتُه على اللسانِ أدبًا
وعلى السلوكِ وَقارًا
وعلى المشاعرِ غِيرةً وألمًا عند انتقاصِها
ولا يكونُ ذلكَ إلا بتعظيمِ الله أولًا في النفوس
فالذي عَظَّمَ اللهَ عُظِّمَ أمْرُه
والذي وَقَّر ربَّهُ وَقَّر خَلقَه
وذلك بكثْرةِ ذكرِه وتَدَبُّرِ كتابِه واللُّجوءِ إليه في الشِّدةِ والرخاءِ
ثم يأتي دورُ البيانِ والتذكيرِ بفضلِ تعظيمِ حرمةِ المؤمنِ وأنها
من تقوى القلوب
مع التحذيرِ من عاقِبةِ الاستهانّةِ بها
وتدبرِ نصوصِ الوعيدِ قبل فواتِ الأوان
حتى لا يهونُ في القلبِ ما عظَّمه اللهُ
ويَكتملُ ذلكَ بروحٍ جماعيةٍ تتعاونُ على الذَّبِّ عن الحرماتِ وتردُّ على
مُنتَقِصيها بالحكمةِ
وتنشرُ ثقافةُ الأدبِ مع الحقوقِ عبرَ المنابرِ والإعلامِ والكلمةِ المسؤولة
إنَّ احترامَ حرمةِ المسلمِ ليسَ خُلُقًا فرديًا فحسب
بل هو صِمامُ أمانٍ للمجتمعٍ كلِّه
به تُحفظُ الدماءُ وتُصانُ الأعراضُ وتُردُّ الحقوقُ
ويَشِيعُ العدلُ، وتترسخُ الرحمة
وهو قيمةٌ إيمانيةٌ عظيمةٌ
لا يَكتملُ الإيمانُ إلا بها
ولا يَستقِيمُ البناءُ إلا عليها
وواجبٌ علينا أنْ نغرِسَهَا في أبنائنا
لنُنشئَ جِيلًا يعرفُ قدر الإنسانِ ويحفظُ كرامَتَه
ويعبدُ اللهَ بقلبٍ سليمٍ وسلوكٍ مستقيمٍ