مَدْرَسَةُ الْفَجْرِ
فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي يَنْسَحِبُ فِيهَا اللَّيْلُ عَلَى أَطْرَافِ السَّمَاءِ،
وَتَتَنَفَّسُ الدُّنْيَا أَوَّلَ خَيْطٍ مِنْ نُورٍ، يَأْتِي النِّدَاءُ.
نِدَاءٌ يُوقِظُ الرُّوحَ قَبْلَ الْجَسَدِ،
وَيَقُولُ لَكَ بِصَوْتٍ يَفِيضُ رَحْمَةً وَنُورًا: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ.
هُنَالِكَ تَبْدَأُ حِكَايَةٌ لَيْسَتْ كَأَيِّ حِكَايَةٍ،
حِكَايَةُ مَدْرَسَةٍ لَيْسَتْ كَبَقِيَّةِ الْمَدَارِسِ، وَتَرْبِيَةٍ لَا تُشْبِهُ أَيَّ تَرْبِيَةٍ.
إِنَّهَا مَدْرَسَةُ الْفَجْرِ.
مَدْرَسَةٌ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا مَنْ كَسَرَ وِسَادَةَ الْكَسَلِ،
وَشَقَّ طَرِيقَهُ بَيْنَ سُكَّانِ اللَّيْلِ،
لِيَقِفَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ طَاهِرًا نَقِيًّا.
مَدْرَسَةٌ تَصْقُلُ النَّفْسَ وَتُنَقِّي الْقَلْبَ،
وَتَفْتَحُ لِلْإِنْسَانِ يَوْمًا يَبْدَأُ بِاللهِ وَيُبَارِكُهُ اللهُ، وَيَنْتَهِي بِرِضَا اللهِ.
________________________________________
فَضَائِلُ صَلَاةِ الْفَجْرِ
صَلَاةُ الْفَجْرِ نُورٌ فِي الدُّنْيَا، وَنَجَاةٌ فِي الْآخِرَةِ،
وَبَرَكَةٌ فِي الرِّزْقِ، وَسَكِينَةٌ تَسْكُنُ الْقَلْبَ.
مَنْ صَلَّاهَا كَانَ فِي ذِمَّةِ اللهِ،
وَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَتَبَ اللهُ لَهُ نُورًا بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.
وَقُرْآنُ الْفَجْرِ تَشْهَدُهُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ،
فَيَغْدُو الْقَلْبُ مُطْمَئِنًّا، وَالرُّوحُ مُعَلَّقَةً بِبَابٍ لَا يُغْلَقُ.
________________________________________
دُرُوسُ الْفَجْرِ
وَتَبْدَأُ دُرُوسُ الْفَجْرِ تَتَوَالَى:
دُرُوسُ الْإِيمَانِ وَالْإِرَادَةِ
حَيْثُ يَتَطَهَّرُ الْقَلْبُ مِنْ شَوَائِبِ النِّفَاقِ،
وَيَغْرِسُ الْفَجْرُ فِيهِ بُذُورَ الْإِخْلَاصِ،
وَيُعَلِّمُ الْعَبْدَ مَعْنَى الْمُجَاهَدَةِ فِي أَحَبِّ اللَّحَظَاتِ إِلَى النَّوْمِ.
فَالنُّهُوضُ لِلْفَجْرِ مَعْرَكَةٌ صَغِيرَةٌ يَنْتَصِرُ فِيهَا مَنِ انْتَصَرَ عَلَى نَفْسِهِ،
فَيَبْدَأُ يَوْمَهُ قَوِيَّ الْعَزْمِ، ثَابِتَ الْخُطَى، قَائِدًا لَا مُنْقَادًا.
دُرُوسُ الْأُخُوَّةِ وَالْجِهَادِ
فَكَانَ الصَّحَابَةُ يَتَفَقَّدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي جَمَاعَةِ الْفَجْرِ،
فَيَتَشَكَّلُ بَيْنَهُمْ دِفْءٌ لَا تَصْنَعُهُ الْكَلِمَاتُ،
بَلْ تَصْنَعُهُ الْأَقْدَامُ الَّتِي تَمْشِي للهِ فِي وَقْتٍ يَغْفُو فِيهِ الْعَالَمُ.
وَكَانَ السَّلَفُ يَعُدُّونَ الْمَشْيَ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ غَزْوَةً فِي سَبِيلِ اللهِ،
لِأَنَّهَا وَقْتُ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ وَالِانْتِصَارِ عَلَى شَهْوَةِ النَّوْمِ.
دُرُوسُ الْفَهْمِ وَالْعِلْمِ
فَالْهَوَاءُ فِي الْفَجْرِ أَنْقَى، وَالْجَسَدُ فِيهِ أَصْفَى،
وَلِلنَّشَاطِ فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ بَرَكَةٌ تُدْرَكُ بِالِانْتِظَامِ لَا بِالْوَصْفِ.
إِذْ يَكُونُ الْعَقْلُ فِي الْفَجْرِ أَحَدَّ، وَالْحِفْظُ أَثْبَتَ، وَالْفَهْمُ أَعْمَقَ،
وَكَأَنَّ اللهَ يَفْتَحُ لِلْمُتَعَلِّمِ بَابًا مِنْ نُورٍ يُثَبِّتُ مَا يَحْفَظُ وَيَرْفَعُ مَا يَفْهَمُ.
________________________________________
أَثَرُ الْفَجْرِ عَلَى الْأَبْنَاءِ
وَيَمْتَدُّ أَثَرُ الْفَجْرِ إِلَى الْأَبْنَاءِ.
فَالطِّفْلُ الَّذِي يَرَى أَبَاهُ يَقُومُ عِنْدَ النِّدَاءِ،
وَيَرَى أُمَّهُ تُمَهِّدُ لَهُ الْجَوَّ الْإِيمَانِيَّ، يَتَرَبَّى فِي قَلْبِهِ مَعْنَى الْقُدْوَةِ قَبْلَ مَعْنَى الصَّلَاةِ.
يَنْشَأُ وَهُوَ يَعْرِفُ الِانْضِبَاطَ، وَيُدْرِكُ قِيمَةَ الْوَقْتِ،
وَيَتَعَلَّمُ أَنَّ النَّجَاحَ يَبْدَأُ مَعَ النُّورِ، لَا حِينَ يَرْكُضُ خَلْفَهُ مُتَأَخِّرًا.
الْأَبْنَاءُ الَّذِينَ يَكْبُرُونَ عَلَى الْفَجْرِ قُلُوبُهُمْ أَهْدَأُ،
وَهِمَّتُهُمْ أَعْلَى، وَثِقَتُهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ أَوْسَعُ،
لِأَنَّ بِدَايَةَ يَوْمِهِمْ تَحْمِلُ رُوحًا سَمَاوِيَّةً تُرَافِقُهُمْ طُولَ الْيَوْمِ.
وَهَكَذَا يُرَبِّي الْفَجْرُ أَبْنَاءً يَعْرِفُونَ قِيمَةَ الطَّاعَةِ،
وَيَشْعُرُونَ بِقُرْبِ اللهِ، وَيَشِبُّونَ عَلَى نُورٍ يَسْكُنُ أَرْوَاحَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَسْكُنَ بُيُوتَهُمْ.
________________________________________
كَيْفَ نُحَافِظُ عَلَى الْفَجْرِ؟
وَلِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْفَجْرِ:
فَلْيَبْدَأْ بِمَعْرِفَةِ فَضْلِهَا، فَالْعِلْمُ بِالْفَضْلِ يُوقِظُ الْهِمَّةَ.
ثُمَّ لِيَلْجَأْ إِلَى الدُّعَاءِ الصَّادِقِ، وَلْيُصَاحِبْ مَنْ يُذَكِّرُهُ وَيُعِينُهُ.
وَلْيُنَظِّمْ نَوْمَهُ، وَيَبْتَعِدْ عَنْ سَهَرٍ بِلَا طَائِلٍ.
وَلْيُهَيِّئْ قَلْبَهُ قَبْلَ جَسَدِهِ بِوُضُوءٍ وَأَذْكَارٍ تُبَارِكُ نَوْمَهُ وَاسْتِيقَاظَهُ.
وَلْيَجْعَلْ هَاتِفَهُ بَعِيدًا عَنْ مُتَنَاوَلِ يَدِهِ.
وَلْيُطَهِّرْ قَلْبَهُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَإِنَّ الطَّاعَةَ نُورٌ وَالْمَعْصِيَةَ ظُلْمَةٌ.
وَمَنْ حُرِمَ الْفَجْرَ فَلْيَنْظُرْ فِي قَلْبِهِ قَبْلَ سَاعَتِهِ.
________________________________________
وَفِي النِّهَايَةِ، صَلَاةُ الْفَجْرِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ رَكْعَتَيْنِ،
بَلْ بِدَايَةُ حَيَاةٍ، وَمَدْرَسَةُ تَرْبِيَةٍ، وَمَنَارَةٌ تَدُلُّ السَّائِرِينَ عَلَى الطَّرِيقِ.
مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا أَحْيَا اللهُ قَلْبَهُ،
وَمَنْ رَبَّى أَبْنَاءَهُ عَلَيْهَا أَهْدَى لَهُمْ كَنْزًا لَا يَزُولُ، وَنُورًا لَا يَخْبُو، وَسَعَادَةً تُرَافِقُهُمْ مَا عَاشُوا.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْفَجْرِ، وَمِنَ السَّائِرِينَ بِنُورِكَ،
وَمِنَ الَّذِينَ إِذَا نَادَاهُمُ الْمُنَادِي قَامُوا، وَإِذَا دُعُوا إِلَى الْخَيْرِ سَارَعُوا.
وَأَعْطِنَا مِنْ بَرَكَاتِ هَذَا الْوَقْتِ مَا يُصْلِحُ بِهِ دِينَنَا وَدُنْيَانَا.