لَيْسَتْ كُلُّ الخَسَائِرِ تُرَى….
بَعْضُهَا يَبْدَأُ بِكَلِمَةٍ قِيلَتْ فِي غَضَبٍ.
هَلْ جَرَّبْتَ يَوْمًا أَنْ تَقُولَ كَلِمَةً وَاحِدَةً … ثُمَّ تَتَمَنَّى لَوْ أَنَّ الزَّمَنَ يَعُودُ؟ هَلْ شَعَرْتَ
بِنَارٍ تَسْتَعِلُ فِي صَدْرِكَ، فَتَنْدَفِعَ بِلَا وَعْيِ، ثُمَّ تَفِيقَ عَلَى خَرَابٍ لَمْ تَكُنْ تَقْصِدُهُ؟
هَلْ جَرَّبْتَ يَوْمًا أَنْ تَخْرُجَ مِنْكَ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ … ثُمَّ تَشْعُرَ أَنَّ قَلْبَكَ سَبَقَ لِسَانَكَ نَدَمًا، وَأَنَّ الزَّمَنَ لَوْ عَادَ دَقِيقَةً وَاحِدَةً لَكُنْتَ آثَرْتَ الصَّمْتَ؟
هَلْ شَعَرْتَ بِتِلْكَ النَّارِ الخَفِيَّةِ الَّتِي تَبْدَأُ شَرَارَةً فِي الصَّدْرِ ، ثُمَّ لَا تَلْبَثُ أَنْ تَمْتَدَّ إِلَى العَقْلِ فَتُعَطِلَهُ… وَإِلَى النِّسَانِ فَتُفْلِتَهُ … وَإِلَى الْفِعْلِ فَتُسْقِطَهُ؟
ذَاكَ لَيْسَ مُجَرَّدَ انْفِعَالٍ عَابِرٍ ، بَلْ غَضَبٌ إِذَا أُطْلِقَ أَحْرَقَ، وَإِذَا تُرِكَ دَمَّرَ، وَإِذَا اسْتُهِينَ بِهِ قَادَ إِلَى نَدَمٍ لَا يُمْحَى…
الغَضَبُ لَيْسَ مُجَرَّدَ صَوْتٍ مُرْتَفِعٍ فَحَسْبُ، بَلْ لَحْظَةٌ يُغَيَّبُ فِيهَا العَقْلُ، وَسَهْمٌ يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ فَلَا يَعُودُ، وَجَمْرَةٌ مِنْ نَارٍ إِنْ لَمْ تُطْفَأُ بِالحِلْمِ أَحْرَقَتِ القَلْبَ قَبْلَ أَنْ تُحْرِقَ مَنْ حَوْلَهُ.
وَمِنْ هُنَا جَاءَ التَّحْذِيرُ ، وَجَاءَتِ الوَصِيَّةُ ، وَجَاءَ الدَّوَاءُ قَبْلَ اسْتِفْحَالِ الدَّاءِ. لَقَدْ أَرَادَ الإِسْلَامُ لِلْإِنْسَانِ قَلْبًا مُتَّزِنًا ؛ لَا بَارِدًا خَامِدًا، وَلَا مُشْتَعِلًا مُدَمِّرًا.
فَالْغَضَبُ لَيْسَ كُلُّهُ مَذْمُومًا ، بَلْ يُحْمَدُ إِذَا كَانَ لِلَّهِ ، دِفَاعًا عَنِ الحَقِّ، وَرَفْضًا لِلْبَاطِلِ، وَنُصْرَةً لِلْعَدْلِ، وَذَبًّا عَنِ الحُرُمَاتِ لَكِنَّ المَذْمُومَ هُوَ ذَاكَ الَّذِي يَنْفَلِتُ مِنْ عِقَالِ الْعَقْلِ، وَيَقُودُ صَاحِبَهُ إِلَى الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، ثُمَّ يَتْرُكُهُ وَحِيدًا فِي مُوَاجَهَةِ النَّدَمِ.
وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ يَمْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ عِنْدَ الغَضَبِ؛ لَا لِأَنَّهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، بَلْ لِأَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ الاخْتِيَارَ فِي لَحْظَةِ الاخْتِبَارِ.
وَجَعَلَ النَّبِيُّ صَبْطَ الغَضَبِ وَصِيَّةً جَامِعَةً حَاسِمَةً، عَمِيقَةً الْمَعْنَى، لَا تَحْتَاجُ شَرْحًا وَلَا إِطَالَةً: «لَا تَغْضَبْ».
بَلْ عَدَّ الْقَوِيَّ مَنْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ. فَفِي الحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَا تَعُدُّونَ فِيكُمُ الصُّرَعَةَ؟» قُلْنَا: الَّذِي لَا تَصْرَعُهُ الرِّجَالُ. قَالَ: «لَا، وَلَكِنِ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ». وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ.
وَلِلْغَضَبِ أَسْبَابٌ تَتَعَدَّدُ ، لَكِنَّهَا تَشْتَرِكُ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ : أَنَّهَا تَمْتَحِنُ قُدْرَةَ الْإِنْسَانِ عَلَى التَّحَكُّمِ؛ هَلْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ أَمْ تَمْلِكُهُ لَحْظَةُ الغَضَبِ؟ فَالظُّلْمُ، وَضُغُوطُ الحَيَاةِ المُخْتَلِفَةِ، وَالخِذْلَانُ، كُلُّهَا مَوَاقِفُ تَكْشِفُ مَعْدِنَ النُّفُوسِ؛ فَإِمَّا حِلْمٌ يَرْفَعُ، وَإِمَّا انْدِفَاعٌ يُوقِعُ.
وَقَدْ عَالَجَ الْقُرْآنُ هَذَا الخَلَلَ مِنْ جُذُورِهِ، فَدَعَا إِلَى كَظْمِ الغَيْظِ، وَجَعَلَ الرَّدَّ الحَسَنَ سِلَاحًا أَقْوَى مِنَ الانْفِعَالِ، وَالْعَفْوَ عِنْدَ الْمَقْدِرَةِ قِمَّةَ القُوَّةِ. وَجَاءَتِ السُّنَّةُ لِتُؤَكِّدَ أَنَّ القُوَّةَ لَيْسَتْ فِي البَطْشِ، بَلْ فِي أَنْ يَمْلِكَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ حِينَ يَتُورُ دَاخِلَهُ كُلُّ شَيْءٍ.
وَلِأَنَّ آثَارَ الغَضَبِ كَانَتْ وَلَا تَزَالُ أَوْضَحَ مِنْ أَنْ تُخْفَى…. فَالْغَضَبُ بَابٌ وَاسِعٌ يَتَسَلَّلُ مِنْهُ الشَّيْطَانُ، يَدْخُلُ مَعَ أَوَّلِ انْفِعَالٍ، وَيُحْكِمُ قَبْضَتَهُ مَعَ كُلِّ كَلِمَةٍ زَائِدَةٍ؛ فَإِذَا غَضِبَ الْإِنْسَانُ قَالَ مَا لَا يَعْلَمُ، وَفَعَلَ مَا يَنْدَمُ عَلَيْهِ، وَتَحَوَّلَتِ الخُصُومَةُ الصَّغِيرَةُ إِلَى عَدَاوَةٍ، وَتَحَوَّلَتِ اللَّحْظَةُ الْعَابِرَةُ إِلَى جُرْحٍ طَوِيلِ الْأَمَدِ. وَآثَارُهُ لَا تَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ الشُّعُورِ ، بَلْ تَمْتَدُّ إِلَى الجَسَدِ، فَتُرْهِقُ القَلْبَ وَتُتْعِبُ الْأَعْصَابَ، وَقَدْ تَفْتَحُ بَابَ أَمْرَاضٍ مُفَاجِنَةٍ أَوْ نِهَايَاتٍ مُؤْلِمَةٍ أَمَّا النَّفْسُ فَتَخْرُجُ مِنَ الغَضَبِ مُثْقَلَةً بِالنَّدَمِ، مُنْكَسِرَةً بِالاعْتِذَارِ، حَامِلَةً أَعْبَاءَ كَلِمَةٍ لَمْ تُحْسَبْ.
وَلَا يَقْتَصِرُ ضَرَرُ العَصَبِيَّةِ عَلَى الفَرْدِ وَحْدَهُ ، بَلْ يَتَعَدَّاهُ إِلَى الْأَسْرَةِ وَالْمُجْتَمَعِ. فَقَرَارٌ مُتَسَرِّعُ أَوْ رَدُّ فِعْلٍ غَاضِبٍ قَدْ يُكَلِّفُ إِنْسَانًا عَمَلَهُ، أَوْ يَهْدِمُ عِلَاقَةً، أَوْ يُشْعِلُ صِرَاعًا لَمْ يَكُنْ فِي الْحُسْبَانِ. وَمُجْتَمَعٌ تَسُودُهُ العَصَبِيَّةُ مُجْتَمَعُ قَابِلٌ لِلتَّفَكَّكِ، سَرِيعُ الانْهِيارِ، ضَعِيفُ التَّمَاسُكِ.
وَمِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ أَنْ جَعَلَ عِلَاجَ الغَضَبِ قَرِيبًا فِي الصَّمْتِ حِينَ يَحْتَدِمُ الكَلَامُ، وَفِي تَغْيِيرِ الْهَيْئَةِ وَالْمَكَانِ، وَفِي اخْتِيَارِ الأَلْفَاظِ بَدَلَ إِطْلَاقِهَا، وَفِي البَحْثِ عَنِ الْحَقِّ لَا عَنِ الغَلَبَةِ.
أَمَّا الْأَبْنَاءُ فَهُمْ مِرْآتُنَا الصَّادِقَةُ؛ يَتَعَلَّمُونَ الغَضَبَ مِنْ أَفْعَالِنَا قَبْلَ كَلِمَاتِنَا. فَإِذَا رَأَوُا الحِلْمَ تَعَلَّمُوا الاتِّزَانَ، وَإِذَا شَاهَدُوا الصَّبْرَ فَهِمُوا القُوَّةَ عَلَى حَقِيقَتِهَا. وَالصَّبْرُ الَّذِي نَغْرِسُهُ فِيهِمْ لَيْسَ ضَعْفًا، بَلْ ثَبَاتٌ حَكِيمٌ، وَمُوَاجَهَةٌ بِلَا تَهَوُّرٍ.
وَهَكَذَا يَبْقَى الغَضَبُ امْتِحَانًا يَوْمِيًّا: إِمَّا أَنْ نَنْجَحَ فِيهِ فَنَرْتَقِي، أَوْ نَتْرُكَهُ يَقُودُنَا فَنَخْسَرَ كَثِيرًا. فَطُوبَى لِمَنْ أَطْفَاً جَمْرَةَ الغَضَبِ بِالحِلْمِ، وَجَعَلَ مِنْ ضَبْطِ النَّفْسِ طَرِيقًا لِلسَّلَامِ، وَمِنْ كَظْمِ الْغَيْظِ بَابًا لِلْفَلَاحِ وَالنَّجَاةِ.