الحوار مع الطفل ينمى قدراته اللغوية والفكرية
المنتدى الإسلامي العالمي للتربية

الحوار مع الطفل ينمى قدراته اللغوية والفكرية

الأم والأب اللذان تطبع أحاديثهما الأسرية روح الهدوء والتدخل في الوقت المناسب، وإصغاء الواحد منهما لوجهة نظر الآخر، والتعليق عليها بالموضوعية التامة، والبعد عن الانفعال الزائد = يقدمان بلا ريب درسا مباشرا في أدب الحوار لابنهما الجالس بجانبهما؛ لذلك فهو سيشب على توفير مثل هذه الأجواء في كل حوار يكون هو أحد طرفيه، لأن للتربية بالقدوة أحيانا مفعولا طويل الأمد تعجز عن تحقيق مثله مئات المواعظ والتوجيهات والنصائح!

والأم والأب اللذان يشركان طفلهما في الحديث كلما استدعت الحالة ذلك، ويأخذان وجهة نظره مأخذ الجد، أو يعلقان عليها بمزيد من الثناء والتشجيع، لن يجدا في ابنهما مطلقا ذلك الجليس الذي تتصارع داخله الرغبة في الكلام أو عدمه، وإذا حصل وأخذ الكلمة فإنه يأخذها والخجل يملأ عليه نفسه فتخرج جملة ناقصة، ووجهة نظره بعيدة عما كان ينوي طرحه.

وفي هذه الدراسة، يرى الباحث حواس محمود، أن الحوار مهارة عقلية وكلامية يحتاج إليها الطفل كحاجته إلى أي من متطلبات النمو العقلي والعاطفي، والحوار أسلوب تربوي ينمي لدى الطفل قدرات فكرية ولغوية متنامية، فعلى الوالدين والمدرسين تدريب الطفل على آداب الحوار والنقاش جنبا إلى جنب مع تدريبه على آداب الجلوس والأكل والنوم وما إلى ذلك.

وعلى الأم والأب أن يراقبا عن كثب حديث أبنائهما فيما بينهم فيوقفان المستبد بالكلام عند حده، ويعلمان المتدخل فيهم متى يتدخل، ويطلعان المستمع على ضرورة الإصغاء الكلي لما يقول المتكلم، وكذلك المدرس أو المدرسة عليهما أن يوجهها التلاميذ إلى ضرورة الحوار والمشاركة والأسئلة في تقديم المادة الدراسية، في أجواء تسودها الحوارية والتشاركية والتبادلية والتفاعلية بعيدا عن أجواء التلقين السلبي والحفظ الجامد الذي لا يؤدي إلا إلى الجمود والركود واللافاعلية، وهي طريقة في التدريس تقليدية، يجب الخروج منها إلى تطورات العصر بما يتضمنه من الارتقاء بالعملية التعليمية وأجواء التحاور والتبادل والتشارك والتفاعل.

ولا ننسى عملية الحوار بين الوالدين والطفل، فيطلب من الوالدين التحاور مع الطفل بروح من المرح والابتسامة والتشجيع والدعابة وبث المعلومات المفيدة في عقله وروحه، والابتعاد عن الطرق السلبية في التحاور كالتعامل معه بأسلوب التسكيت، والتعامل معه بعبارات من قبيل "فكني"، "بعدين بعدين"، "أنا ماني فاضي لك"، "رح لأبيك"، "رح لأمك"، "خلاص خلاص".

بالإضافة إلى الحركات التي تحمل المضمون نفسه، مثل التشاغل بأي شيء آخر عن الابن أو عدم النظر إليه، وتلاحظ أن الولد يمد يده حتى يدير وجه أمه إلي جهته كأنه يقول "أمي اسمعيني الله يخليك" وهذا أسلوب خاطئ في التعامل مع الطفل، يضاف إلى ذلك أسلوب التعامل معه بطريقة التحقيق كأسلوب الشرطة مما يربك الطفل ويوقعه في حالة من الخجل وضعف الشخصية، وذلك بإطلاق العبارات من قبيل: أين كنت؟ وماذا عملت؟ ولماذا لم تخبرني؟.. بأسلوب غاضب بعيد عن أجواء المحبة والمودة والتحاور العاطفي والعقلي الذي بموجبه يمنح الطفل الثقة بنفسه وقدراته وقيمه وأخلاقه، وذلك بتنبيهه إلى الممارسات الخاطئة والسلبية كقوله له: "لا يا بني ما كان لازم تعمل هيك"، أو "ليه عملت هيك يا بابا".

ويمكننا هنا أن نذكر ما اعتمدته د. إلهام عبد الحميد من الأسس التي تحقق الحوار الجيد ومنها:

  • المناقشة: يستند الحوار الجيد إلى فكرة المناقشة التي تعني رفض الجمود عند حالة واحدة أو طرف واحد. بل تعني التحرك من حالة إلى حالة ومن طرف إلى طرف.
  • الحرية: لا يتحول الحوار إلى حوار حقيقي دون إعطاء كل طرف حق الحوار والتعبير عن رأيه واحترام الرأي الأخر، وأن يتخلص الإنسان من مخاوفه، فإذا شعر الإنسان بحرية أمكنه أن يطلق العنان لتنمية قدراته وتفجير طاقته الإبداعية.
  • النضج العقلي والانفعالي: لا يمكن أن يتحول الحوار إلى مسالة ذات أهمية إن لم يستند إلى عقلية مدركة واعية ومرنة وغير متعصبة لأفكار سابقة، ويجب أن يكون لدى المتحاورين سعة أفق ورحابة صدر، ومعلومات كافية حول الموضوع المطروح للحوار.
  • الواقعية والموضوعية: من أهم سمات الحوار الجيد التفكير العلمي والرؤية الموضوعية، والقدرة على ربط الأسباب بالمسببات، والابتعاد عن العواطف والمشاعر والانفعالات، والقدرة على النقد الموضوعي البناء.
  • التواضع والحب والألفة: إن الحوار الجيد يتطلب الحب والتواضع والألفة، فلا يمكن لأي حوار- مهما كان ساخنا- أن يؤدى إلى جو من اليأس أو عدم احترام الآخر أو عدم الثقة بقدرة الإنسان على الابتكار، فالخصومة الفكرية لا تعني الكراهية أو عدم احترام الآخر، ولذلك فإن الحوار الجيد ينبغي أن يولد وينمو ويتطور في ظل مناخ يحترم آراء الجميع ولا يسخر منها، ويحافظ على جو من الهدوء والبعد عن العنف والافتعال والمجاملة والأساليب الإنشائية الطنانة.
  • التسامح الفكري: الثقة بالتسامح الفكري ترتبط بشكل أساسي بالثقة بالمساواة بين البشر، وبحق كل إنسان مهما اختلف لونه أو جنسيته أو ديانته في الحرية والعدل، وبذلك يصبح التسامح واجبا أخلاقيا.

 

قد يعجبك ايضا