أحوال السلف في العشر الأواخر من رمضان
المنتدى الإسلامي العالمي للتربية

أحوال السلف في العشر الأواخر من رمضان

ذهب من رمضان عشرون يومًا وبقي الثلث، والثلث كثير، وفيه خير وفير، وحسبنا من عشره الأخير أن فيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، والتي تنزل فيها الملائكة بكل أمر سلام، والتي فيها السلام والخير حتى مطلع الفجر.

ومن قصّر في الثُّلثين الأوَّلين، ولم يبذل فيهما جهدًا، وشُغِل عنهما باللّهو والملاهي، وتضييع الأوقات، فلا زالت الفرصُ قائمة والأبواب مشرعة، ليستدرك المتخلِّف ويلتحق المحروم ويستيقظ الغافل!

لقد جاءت العشر الأواخر بما تحمله من مفاخر، لا يذوق طعمها إلا صاحب الحظ الوافر، وكان الصحابة والتابعون يجتهدون اجتهادًا منقطع النظير، اقتداء بالنبي (صلى الله عليه وسلم)، فعن عائشة (رضي الله عنها) قالت: «كان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجدّ، وشد المئزر». (رواه البخاري، ومسلم). وفي رواية لمسلم: «كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره».

وكانوا يفعلون ذلك كله رغبة في بلوغ ليلة القدر المباركة، التي كانوا يستعدون لها استعدادًا خاصًا، فكان بعضهم يغتسل ويتطيب في ليلة السابع والعشرين، التي رجَّح بعض العلماء أنها ليلة القدر، فيقضونها بين صلاة وذكر، وقيام وقراءة قرآن، ودعاء وتضرع لله تعالى، سائلينه أن يعتق رقابهم من النار.

وذكر ابن جرير (رحمه الله) أن كثيرًا من السلف الصالح كانوا يغتسلون في كل ليلة من ليالي العشر، كان يفعل ذلك أيوب السختياني (رحمه الله)، وكان يفعله الإمام مالك (رحمه الله) فيما يرجح عنده أنه من ليالي القدر، فيغتسل ويتطيب ويلبس حلة لا يلبسها إلى العام القادم من شهر رمضان.

 

حالهم مع القيام

وأما حال السلف في رمضان مع الصلاة وقيام رمضان فقد ذكر الحافظ الذهبي عن أبي محمد اللبان أنه: «أدرك رمضان سنة سبع وعشرين وأربعمائة ببغداد فصلّى بالناس التراويح في جميع الشهر فكان إذا فرغها لا يزال يصلي في المسجد إلى الفجر، فإذا صلى درّس أصحابه. وكان يقول: لم أضع جنبي للنوم في هذا الشهر ليلًا ولا نهارًا. وكان ورده لنفسه سبعا مرتلًا».

قال النَّوويُّ: «يُستحبُّ أن يُزاد من العبادات في العشْر الأواخر من رمضان، وإحياء لياليه بالعبادات».

وقال الشَّافعيُّ: «أستحبُّ أن يكونَ اجتِهادُه في نهارِها كاجتهادِه في ليلِها».

 

السلف الصالح مع أهلهم في العشر

 ولَم يكونوا يقتصِرون في إحياء العشر على أنفسهم، بل كانوا يوقظون نساءهم وأبناءهم، تأسِّيًا برسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال ابن رجب: «ولم يكُن النبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - إذا بقي من رمضان عشَرة أيَّام، لم يدَع أحدًا من أهلِه يُطيق القيام إلاَّ أقامه».

وقال سفيان الثَّوري: «أَحب إليَّ إذا دخل العشر الأواخر أن يَتهجَّد باللَّيل، ويَجتهِد فيه، ويُنهِض أهله وولدَه للصَّلاة إن أطاقوا ذلك».

 

حالهم مع القرآن

وكان قتادة - رحِمه الله - يَختم القُرآن في كلِّ سبع ليالٍ مرَّة، فإذا دخل رمضان ختمَ في كلِّ ثلاث ليال مرَّة، فإذا دخل العشْر ختم في كلِّ ليلة مرَّة.

وكان وكيع بن الجرَّاح «يقرأُ القرآن في رمضان في الليل ختمة وثلثًا، ويصلِّي مع ذلك اثنتي عشرة ركعة من الضِّحى، ويصلِّي من الظهر إلى العصر».

وروي عن الشافعي أنه كان يختم في رمضان ستين ختمة سوى ما يقرأ في الصلاة، قال الربيع: «كان الشافعي يختم كل شهر ثلاثين ختمة، وفي رمضان ستين ختمة سوى ما يقرأ في الصلاة».

ويقول ابنُ أبي مُليْكة: «كنتُ أقومُ بالنَّاس في شهر رمضان، فأقرأُ في الرَّكعة: {الْحَمْدُ لِلهِ فَاطِرِ} (46 آية) ونحوَها، ما يبلُغُني أنَّ أحدًا يستثْقِل ذلك».

 

قد يعجبك ايضا