التربية الوقائية في الإسلام
المنتدى الإسلامي العالمي للتربية

التربية الوقائية في الإسلام

تحاول هذه الدراسة تركيز الأضواء على الوقاية الصحية في الإسلام، تظهر ما يتميز به الطب الوقائي في الشريعة الإسلامية من خصائص عظيمة على نظيره في القرن الحادي والعشرين، فالإسلام لم يترك شاردة ولا واردة تتعلق بالطب الوقائي إلا ذكرها تلميحا أو تصريحا.

وركزت الدراسة التي أعدها د. مروان علي القدومي، على خصائص الوقاية الصحية من حيث فضل السبق والشمولية والبساطة والتيسير، وصفة الديمومة لضمان قيام مجتمع متميز. ثم تطرقت إلى القواعد الصحية لمنع انتشار الأوبئة؛ مثل قاعدة العزل، وقاعدة الحجر الصحي، وقاعدة تحريم بعض الأطعمة والأشربة. وسنن الفطرة، والدعوة إلى التعقيم والحذر من التلوث.

 

التشريعات الوقائية للرعاية الصحية في الإسلام

أمر الإسلام بالوقاية اتقاء لأي مكروه يمكن أن يقع سواء أكان ذلك مرضا أم ضررًا متوقعًا.

فالإرشادات النبوية واضحة جلية في الوقاية بدرجة تكون أقرب إلى الأمر والإلزام، وكلما كانت الحماية مرتبطة بالمقاصد الخمسة التي جاءت بها الشريعة، كلما كانت درجة الإلزام أكبر، وقد طرق عليه الصلاة والسلام موضوع التلوث بشكل مباشر، محذرا أمته من المخاطرة، فقد حدد لهم مصادر التلوث وعلمهم طرق الوقاية منها، فاعتبر فضلات الإنسان نجسه (ملوثة)، ويجب على كل مسلم أن يتنظف منها، وتشخيصها بهذا الشكل المحدد، هو خطوة كبيرة في مسيرة الطب الوقائي. قال- صلى الله عليه وسلم-: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار فإنها تجزي عنه».

وعن عائشة- رضي الله عنها- قالت: «ما رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خرج من غائط قط إلا مس ماء».

فيجب تنظيف مخرج البول، ومخرج البراز، والأعضاء التناسلية بالاستنجاء أو الاستطابة، وهو غسلها بالماء أو مسحها بالورق أو الحجر عند تعذر وجود الماء، لأنه يزيل النجاسة بالكامل.

ويجب تقليم الأظفار، وإزالة الشعر التي تتراكم فيها الأوساخ، وتعهد شعر الرأس بالنظافة. قال صلى الله عليه وسلم: «خَمْسٌ مِنَ الْفِطرَة: قص الشارب، ونتف الإبط، وَتَقُلِيمُ الأظفار، والاستحدادُ وَالختان». وعالج القرآن الكريم أهم الأسس التي يقوم عليها بناء الصحة المتكامل على مستوى الفرد والمجتمع ومنها:

النظافة والطهارة: اهتم القرآن الكريم اهتمامًا خاصا بالنظافة الشخصية ونظافة البيئة، فقد حض القرآن الكريم على أمرين مهمين في حياة الفرد وهما: الطهارة والوضوء. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}.

تحريم الخبائث: حرم الإسلام أنواعا من الطعام والشراب، وأحل ما طاب منها، قال تعالي: (وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِث) ومن الأنواع التي حرمها الله تعالى، لحم الخنزير، ولحم الميتة، ولحم الحيوانات المفترسة، ولحوم الطيور الجارحة، والدم المسفوح، والخمر. قال الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ... } وعن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «كل شراب أسكر فهو حرام».

أخطار التدخين: فالتدخين مرفوض في الإسلام، ويعتبره عادة ممقوتة؛ لأنه يضر بالمصالح الضرورية للخلق، نظرا لما يجلبه من الأذى على مدخنه في البدن والنفس والمال، وأنه نوع من الانتحار البطيء.

منع اقتناء الكلاب إلا للضرورة: فقد أثبت العلم الحديث أن الكلاب تنقل أمراضا كثيرة للإنسان كداء الكلب والأكياس المائية، والرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول: «من اتخذ كلبا إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية، انتقص من أجره لكل يوم قيراط»، وقد أخذ جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة من هذا الحديث تحريم اقتناء الكلاب لغير حاجة مشروعة ككلاب الصيد والحراسة.

إجراء الفحص المخبري الطبي قبل الزواج:

وأرشد الشارع إلى استحباب التخير للنطف، وأثبتت الدراسات الطبية وجود بعض الأمراض الوراثية التي تنتقل إلى الأبناء ويستعصى علاجها. ويمكن تلافي كثير من هذه الأمراض إذا أجري الفحص الطبي للخاطبين قبل إجراء العقد. وفي ذلك تحقيق السعادة لهما وتجنيب النشء الأمراض والإعاقات. وحفظ المجتمع وتحصينه بقوة أبنائه. قال عليه الصلاة والسلام: «تزوجوا في الحجر الصالح فإن العرق دساس».

الذبح وفق الطريقة الإسلامية: اشترط الإسلام أن يكون الذبح وقطع الأوعية الدموية الكبيرة، والذبيحة بين أيدي القائم بالفعل في أتم صحتها ونشاطها، ويستمر قلبها بالنبض حتى يطرح أكثر ما يمكن من الدم بقوة الدفع هذه، حتى تموت وتكون قد تخلصت من أكثر دمها. وطريقة الذبح الإسلامي هي الفضلى، لأنها أرفق بالحيوان من جانب، وأن اللحم الناتج عن هذه الطريقة أطيب.

الشروط الصحية للدفن: ومن تعاليم الإسلام في الدفن: الإسراع في تغسيل الميت وتكفينه والصلاة عليه، ويكون الدفن في اللحد، وفي تطبيقه هذه الإجراءات بعناية الوقاية التامة للأحياء الذين يشيعون الميت، ففي الغسل والإسراع في الدفن، قبل أن تتفسخ الجثة وتنشر الجراثيم فتؤذي من حوله من المشيعين له، وخاصة عند انتشار الأوبئة.

وفي طريقة الدفن رحمة بالإنسان أن يحفظ رفاته التراب، لا كما تفعل بعض الشعوب في حرق الجثة، وإن كان في ذلك وقاية تعادل الدفن في الأرض، ولكنها تحمل كثيرًا من الإهانة والقسوة بالإنسان الذي كرمه الإسلام حيا وميتا.

الوقاية من الحوادث: ولا يجوز للمسلم أن يتخذ سلوكًا يعرضه للخطر، أو يلقي به إلى المهالك، كتعريض نفسه وبيته للحريق، أو تعريض طعامه وشرابه للتلوث، وينسحب ذلك على جميع أنواع البلاء (مثل: حوادث السيارات وسائر الحوادث). قال تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}.

وقال عليه الصلاة ولسلام: «اطفئوا المصابيح إذا رقدتم، وغلقوا الأبواب، وأوكوا الأسقية، وخمروا الطعام والشراب». وهكذا وضع الإسلام القواعد الأساسية للوقاية من الحوادث قبل أن يظهر علم السلامة، ويتبلور في إجراءات محددة في مجالات الصناعة وحوادث الطرق وحوادث المنازل.

 

خصائص الوقاية الصحية في الإسلام

إن المتتبع لنظرية الهدي الصحي في الإسلام، يستطيع إدراك جملة من الخصائص الآتية:

  1. السبق: فالإسلام جاء بمجموعة القواعد الوقائية في المجال الصحي، والتي استنبطها فقهاء المسلمين من آيات الأحكام الواردة في القرآن الكريم والسنة المطهرة، والتوجيهات الدينية التي تتصل بأنماط الحياة وسلوكيات الإنسان العديدة والمباشرة، حيث يحقق اتباعها حفظ صحة الإنسان وتعزيزها.
  2. الشمولية: يتصف الإسلام بالتكامل في أحكامه وتشريعاته، كما يتصف بالشمول في مبادئه وتوجيهاته، وهذا شأن القواعد الوقائية في الإسلام، ، لذا نجد القرآن الكريم في كثير من آياته يؤكد الجانب الوقائي لحياة الإنسان، من المرض وسلوكيته من الانحراف والتجاوز، وجاءت التعليمات الوقائية متداخلة مع العبادات. 
  3.  الديمومة: إذ أن الالتزام بقواعد الوقاية الصحية في الإسلام ليس مرهونًا بمدة محدودة، ولا بسن معينة، إنما يستمر الالتزام به طيلة حياته: لأنها جزء من عقيدته. فإذا تخلف عن تنفيذها، يكون قد ترك تكليفا شرعيا، وعطل حكما من أحكام الإسلام يؤثم عليه.
  4.  البساطة والتيسير: إن المتتبع لنظرية الطب الوقائي في الإسلام يلاحظ فيها خاصية البساطة في التكليف واليسر في التنفيذ، فالسواك والوضوء والختان والاستحداد وتقليم الأظافر، ونتف الإبط وطهارة البدن والثوب وتجنب الملاعن الثلاث (البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل)، وعدم الوطء في الحيض والنفاس، وتحري الغذاء الطيب، واجتناب الغذاء الخبيث وحصر النشاط الجنسي في إطار الزواج، وهي أمور لا تستلزم كلفة مالية تثقل الكاهل، ففيها خاصة البساطة واليسر.

 

طالع معلومات منظمة الصحة العالمية حول وباء كورونا (كوفيد 19) المستجد: https://www.who.int/ar/emergencies/diseases/novel-coronavirus-2019/advice-for-public/q-a-coronaviruses

 

قد يعجبك ايضا