كورونا وسلوك المذعورين.. أزمة أخلاق أم أخلاق أزمة؟
المنتدى الإسلامي العالمي للتربية

كورونا وسلوك المذعورين.. أزمة أخلاق أم أخلاق أزمة؟

حالة من الرعب والفزع تجتاح العالم بأسره بسبب ما أحدثه فيروس كورونا من حالة هلع غير متوقعة لدى البشرية كلها لمغايرته للواقع وإحداثه بما لم يكن في الوجدان لطبيعة انتقاله غير المتوقعة، وعدم وجود ما يعالجه أو يقلل انتشاره، والواقع الانعزالي الذي فرضه على كل فرد على كل هذا الكوكب، بل وتعجيزه لجميع الدول والشعوب من تساعد أو تقدم يد العون للأخرين، فالكل في بلاء والكل يعمل على تحصين نفسه.

لقد سببت هذه الحالة نوعا من الجزع والفزع حتى تملكت الكثيرين– بما فيهم الشعوب المسلمة– من أن الموت يقترب منهم بشدة، فبرزت كثير من الأنانية في الحصول على المواد الأساسية، واختفى التراحم والتكافل، ورفع الجميع شعار «أنا ومن بعدي الطوفان» فرأينا الصراع على شراء المواد الأساسية وتخزينها، بل ورأينا كثيرين لم يحصلوا على هذه المواد حتى اضطرت كثير من الحكومات أن تنشر رجال جيشها وشرطتها لمراقبة المتاجر حتى لا يحصل الفرد على أكثر من حاجته وترك الباقي للآخرين.

بل في الدول الفقيرة رأينا صراعًا على أفران العيش، بل بلغ الحد لدرجة التراشق لما تملك الناس من هلع وضيق، بل استغل كثير من التجار هذه الأزمات فاحتكروا البضائع للتكسب على معاناة الناس، وظن أنه بذلك سينجو من المرض.

لقد كشف الفزع من الإصابة بكورونا كثير من السلوكيات السلبية، والأخلاق السيئة، وأصبح الجميع لا يتحملون بعضهم، وتلاشي التراحم من بينهم.. فهل هذه فعلا أخلاقنا وقت الأزمات؟

لا أعمم الأمر فما زال البعض يحتفظ بهذه الأخلاق ويقدم روحه رخيصة في سبيل أن يعزز هذه الصفات وهذه السلوكيات بين الناس حتى لا يقال ذهبت الأخلاق.

وما زال هذا الفريق يوقن بأن الموت لن يستقدم ساعة ولن يستأخرها، فلكل أجل كتاب، قال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} (الأعراف: 34)، وقال تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} (لقمان: 34).

فمن ظن أن آجالنا ستنتهي بكورونا فهو مخطئ؛ لأن أجل كل إنسان كتبه الله عليه منذ مولده – لكن يجب أخذ الحذر، فلا تلقى بنفسك إلى التهلكة – لكن الآجال مقدره فمن جاء أجله في هذه المحنة فهو أجله، ومن نجى فإن أجله لم يحن بعد، فلا تفزع ولا تجزع ولا يصيبك الضيق والخوف والفزع؛ لأن موت كل إنسان له ميعاد مقدر.

فمن اتقى ربه وتوكل عليه، فلا يتباطأ عون الله، ولا ييأس من روحه، ولا يقنط من رحمته، ولا يقطع أمله من الفرج، فإنه إذا اتقى وتوكل فسوف يأتيه الفرج لا محالة، وسوف يجد الخروج من الضيق بلا شك، لكن للأمور أوقات، وللمقدور عمر لابد أن يقضيه حتى يصل، وكل شيء عند الله بأجل مسمى، فما على العامل إلا العمل.

يقول عائض القرني: «إن الإيمان بأعمار المصائب سلوة للمنكوبين، وإن التصديق بآجال المحن عزاء للمصابين، إن للمكروه زمن لا يتجاوزه أبداً فتخيلك في إزالته قبل حينه ضرب من الهوس، وفن من فنون الوسوسة، لأن مهمتك كيف يزول لا متى يزول؟ فمن حرص على كيفية زواله دعا وأخلص، وجد واجتهد، واتقى وصبر، وتوكل وأناب، وفوض الأمر إلى الملك الوهاب، ومن تعلّق قلبه بزمن الزوال، وارتحال المكروه، استبعد الفرج، واستبطأ الروح، وصاحبه الإحباط، ورافقه الفشل، وسامره اليأس، وحادثه القنوط، فلا يزال في أودية الاضطراب وطرق السخط والندم والحسرة واللوم وتمزيق القلب بسياط القلق، فقلبه فزع، وذهنه شارد، وحاله كاسف، وباله مشتت، وباطنه ناقم ثائر معترض شاك.

ولو آمن أولاً بالقضاء، وسلّم الأمر لرب الأرض والسماء، وأخلص في الدعاء، وانتظر الفرج في وقته والنصر في حينه، وحسن العاقبة في زمانها، وجميل الصنع في ساعته، وفرحة إدراك المطلوب في موعده، لو فعل ذلك كله لأدرك سعادة من إذا أذنب استغفر، ومن إذا ابتلي صبر، وإذا أنعم عليه شكر، ولحصل على أعظم الأجر، وانشراح الصدر، ورفعة الذكر، فالله هو المقدر، جعل لكل شيء قدر».

 

الوقاية خير من العلاج

لقد نجح «كورونا» في توحيد العالم بالرعب، والتعاطف مع الضحايا، وإظهار الأزمة الأخلاقية التي تعصف بالمجتمعات الآن، ولذا لابد من التضافر ونثر روح الأخلاق الحميدة والتضافر من أجل أن يحيا الجميع لا أن يحيى الفرد، من أجل أن تسود روح الإيمان والتعلق بطاعة الرحمن واللجوء إليه والتضرع لرفع الوباء، ومع هذا يجب أن نرفع المظالم التي استشرت في العالم حتى أصبحنا لا نرى صور الدم والقتل والظلم بين جميع البشر، حتى انحدرت صور الأخلاق التي عملت الشرائع السماوية على غرسها في قلوب ونفوس الناس.

لكن مع ذلك الاعتصام الرباني يجب أن نأخذ الحيطة فالوقاية خير من العلاج، فقد كان رسول الله صَلى الله عليه وسلم يدعو ربه عز وجل كل غداة قائلا: «اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت». فصحة الأبدان وعافيتها؛ من النعم التي من الله تعالى علينا بها، وأوجب الحفاظ عليها، وذلك باتخاذ أساليب الوقاية الصحية، فإن درهم وقاية؛ خير من قنطار علاج، ومن أهم أساليب الوقاية الصحية؛ النظافة، فقد شرع الله عز وجل لنا الوضوء.

وإن الإنسان إذا أصابه شيء من الأمراض المعدية؛ فعليه أن يتجنب مخالطة الآخرين؛ حفاظا على صحتهم، وحرصا على سلامتهم، ودفعا للضرر عنهم، قال النبي صَلى الله عليه وسلم: «لا يوردن ممرض على مصح».

ومما يحافظ به المرء على سلامة غيره؛ أن يلتزم إذا عطس بهدي النبي صَلى الله عليه وسلم، فقد كان عليه الصلاة والسلام إذا عطس غطى وجهه بيده أو بثوبه. فإن ذلك كله مما يحول دون انتشار الأمراض. فعلينا أن نحرص على تلك التوجيهات النبوية، وندرك مقاصدها التي تحقق المصلحة.

 

طالع معلومات منظمة الصحة العالمية حول وباء كورونا (كوفيد 19) المستجد: https://www.who.int/ar/emergencies/diseases/novel-coronavirus-2019/advice-for-public/q-a-coronaviruses
​​​​​​​

 

قد يعجبك ايضا