تعاليم إسلامية لمواجهة المشاكل البيئية والاجتماعية
المنتدى الإسلامي العالمي للتربية

تعاليم إسلامية لمواجهة المشاكل البيئية والاجتماعية

إن الاسلام بمبادئه الثابتة ونظرته الشاملة لحياة الإنسان وتغطيته لجميع النواحي المادية والروحية في تلك الحياة، لم يضن علينا بمجموعة مبادئ وقيم من أجل حياة وبيئة نظيفة بدون تلوث أو مشاكل.

وهذه المبادئ والقيم والسلوكيات، وإن كانت لم تجمع في كتاب واحد أو تحت عنوان واحد في كتب تراثنا الاسلامي، إلا أن الباحث المنصف يستشف تلك القيم من بعض النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، وكذلك بعض الآثار واجتهادات فقهائنا القدامى، كما أن لكل زمان ومكان مشاكلهما الخاصة التي تتغير وتتنوع طبقا لتغيرهما.

وفي هذا البحث الذى أعده عبادة توفيق بهنسي، يوضح بعض المبادئ والقيم التي يراها قد سبقت جميع الحضارات في الاهتمام بالبيئة والمجتمع ونظافتهما والمحافظة عليهما من جميع النواحي الروحية والمادية.

 

هدي الإسلام في حماية البشرية ونظافتها من الناحية المادية

منزلة النظافة في الإسلام بصفة عامة:

فقد جعل الإسلام الطهارة «النظافة» شرطا لأداء الصلاة، التي هي عماد الدين، فأوجب الوضوء أو الغسل قبل الدخول في الصلاة ، فقد جاء في القرآن الكريم ما يمدح المتطهرين ويوجب الطهارة على المسلم، منها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}.

وروي عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يجب الجود، فنظفوا بيوتكم ولا تشبهوا باليهود التي تجمع الأكناف في دورها».

كما قال ﷺ في حديث آخر: «غطوا الإناء وأوكئوا السقاء، فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء إلا أنزل فيه من ذلك الوباء".

هذه مبادئ صحية بيئية حث عليها الإسلام، حيث علمنا رسولنا ﷺ كل آدابها من الطعام والشراب حتى الاستنجاء وكيفيته، علمنا إياه بطريقة لم تأت بها شريعة من الشرائع السابقة بهذا التفصيل.

حماية البيئة من التلوث المالي:

الماء هو أصل الحياة وسببها، ويكفي وصف الله سبحانه وتعالى للماء في القرآن الكريم بقوله جل وعلا: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}، وأخبرنا سبحانه وتعالى أنه خلقنا من الماء حيث قال عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا}.

وبما أن الانسان مستخلف في الأرض وليس مكانا لها، فيجب عليه أن يستعمل هذه الأرض وهذه البيئة التي منحه الله إياها كما هي، بدون تدخل منه أو تغيير بالنقص أو الزيادة إلا بما يؤدي إلى خير البشرية من تنمية وتطوير لهذه الموارد وزيادة العناية بها والحفاظ عليها وإلا فلا.

وقد أمر ﷺ بعدم تلويث الماء، فقد ورد عنه ﷺ أنه قال: «إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله موضعًا»، أي يتخبر لتصريف بوله مكانًا لا يأتي معه تلوث يضر الآخرين، كما قال ﷺ: «اتقوا الملاعن الثالث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل».

كما إن الاسلام اهتم بالبيئة حتى في أيام الحرب، فقد نهى رسول الله ﷺ عن قطع الشجر أو إلقاء السم في أرض العدو حفاظًا على البيئة لا ليتقوى العدو بهذا الشجر أو بزراعة تلك الأرض وإنما ليستفيد منها الإنسان.

 

هدى الإسلام في حماية البشرية ونظافتها من الناحية الروحية

حماية المجتمع من التلوث السمعي:

والسماع وسيلة لراحة الانسان وتسليته أو إزعاجه وتعذيبه، وقد ألمح القرآن الكريم لذلك في قوله تعالى: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}، فإذا كانت هناك أصوات منكرة آثمة تزعج وتنفر– وما أكثرها في زمننا الحاضر مما لا يخفي على بشر- فهناك أصوات عذبة مريحة تجلب الطمأنينة والسعادة وهي كما وصفها الله تعالى لأهل الجنة بقوله: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا 25)) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا}، فالحديث له آداب والاستماع له آداب واستعمال الاجهزة الصوتية من مذياع وتلفاز وما شابه، له آداب يجب مراعاتها فيما بين البشر بعضهم ببعض.

حماية المجتمع من التلوث البصري:

هل قرأت قوله تعالى: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ}، وقوله تعالى: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ}، وقوله تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُون}.

عندما نتدبر هذه الآيات نجد أن الله تعالى قد خلق لنا هذا الكون في أجمل صورة، وهي كما يصف جل وعلا سماء مزينة بنجوم وكواكب وأرض ممدودة بجبال وأنهار وأشجار وبحار وحدائق، كلها تبعث على السرور والبهجة.

هذا هو الكون الذي خلقه الله تعالى للإنسان بهذا الجمال، فإذا تدخل الإنسان بمصانعه ومخترعاته وامتلأت السماء بدخان أسود وعوادم وأتربة لا حصر لها وأصبحت سوداء بعد زرقة، وكدراء بعد صفاء، وامتلأت الأنهار والجداول التي كانت تجري بين الحدائق الخضراء بشتى أنواع النفايات والقمامة، وقطعت أشجار الحدائق فعندئذ تقع عينك على منظر قبيح كمثل لوحة جميلة رائعة رسمها فنان محترف ثم جاء طفل ولعب بها وغير ألوانها

وأضاع جمالها، ففي هذه الحالة نكون أمام تلوث بصري، يؤذي العين ويجرح القلب، ويحتاج الإنسان لمداواته الإسراع لأقرب شاطئ نظيف على البحر ليعيد إليه جمال الكون كما خلقه الله تعالى.

 

قد يعجبك ايضا