التربية بالحب
المنتدى الإسلامي العالمي للتربية

التربية بالحب

تتشكل الأسرة من الأم والأب والأبناء، وتعد أهم مجال اجتماعي مؤثر في حياة الأبناء، وحتى أثناء الغياب المؤقت لأحد الوالدين، فإن حضور تأثيره يظل قائما في حياة الأبناء، فغيابه المادي لا ينفي وجوده الرمزي المؤثر في حياة الآخرين الذين يراعونه في سلوكهم واستجاباتهم، وفيما يتوقعه منهم، وتعد الأم أهم مكونات الأسرة المؤثرة في حياة الأبناء.

وفي هذه الدراسة، يرصد الباحث الزبير مهداد، كيف أنه فى فترة الطفولة الأولى تتكون لدى الطفل نظرته إلى العالم، ويكتسب اتجاهه نحو محيطه ونحو نفسه.

 

التفاعل السيء يولد القلق

إن أشكال التفاعل القائمة في مجتمعاتنا بين الكبار والصغار هي عموما غير سوية، لا تأخذ بعين الاعتبار تكوين الطفل النفسي وخصائصه وأفكاره وحاجاته، لذلك فهو يؤدي إلى نتائج عكسية، أي بدل التفاعل والتعاطف المتبادل الذي من المفروض أن يحقق اندماج الفرد، ويساهم في خلق تكامل عناصر شخصيته، يؤدي هذا التفاعل القائم في مجتمعنا إلى خلق شخصيات متصلبة، أو انعزالية، أو قلقة مريضة، يكتنفها إحساس بالنقص والدونية والقصور، معوقة نفسيا، وبدل الاجتهاد في إثراء الحياة الاجتماعية بالعطاء والمبادرة والبذل، تقضي الناشئة حياةً مستغرقة في بذل الجهد نحو خفض قلقها والتخلص من توتراتها، فيحرم المجتمع من طاقة شبابية مهمة، كان ممكنا أن تساهم في تنميته وتطويره.

والمؤكد في علم النفس أن سلوك الأفراد واستجاباتهم اللاحقة واتجاهاتهم، تعتمد بصورة أساسية على البناء السيكولوجي الطفولي، لأن الخبرات التي يتعرض لها الفرد خلال طفولته يكون لها تأثير بارز في رسم معالم شخصيته، من حيث القوة والضعف، أو الوضوح والتكامل، أو الضياع والتشتت، رغم أن معظم الأفراد لا يدركون هذه الحقيقة حق الإدراك، لأنها تصبح في عداد التجارب المنسية بمرور الزمن.

 

الحرمان

وظاهرة فقدان الحب أو الحرمان العاطفي تمثل لدى الأطفال أكثر الخبرات المؤلمة المتعلقة بالوالدين، وبالأم بشكل خاص، إبان مرحلة الطفولة الأولى التي تمتد إلى العام السادس من عمر الطفل، وهذا الافتقار للحب وما يلقاه الطفل من إحباط في سبيل الحصول عليه، يترك في نفسيته ندوبا عميقة تلحق مشاعره نحو ذاته، ونحو الآخرين المحيطين به، فقد تبين دراسة أثر العلاقات بين الوالدين والصبيان على ظهور السلوك المنحرف، أن للحرمان أثرا قويا على الطفل، خاصة خلال السنوات الخمس الأولى من عمر الصبي، والتي تكون حاسمة في تشكيل شخصية الطفل.

 

القسوة

يميل بعض الوالدين في معاملتهم وتربيتهم لأطفالهم إلى التمسك بالوسائل القسرية الزاجرة الشديدة الإيلام، والتأثير على الطفل، فيلجؤون إلى الضرب المبرح لأتفه الأسباب، وفي ظنهم أن هذه القسوة ستحقق لهم التربية السليمة لأطفالهم، فالعقاب البدني هو أكثر طرائق التأديب استعمالا في مجتمعنا، ويشكل اتجاها سائدا في مجتمعنا، ويستخدم بدرجات متفاوتة، كالصفعة، وهي أكثر شيوعا وأشد إيلاما للنفس والبدن على السواء، إلى جانب الضرب على القفا، أو في أي مكان آخر من الجسم، باليد أو بآلة أخرى كالحزام أو العصا أو النعال أو غير ذلك، ولهذا الاتجاه التربوي انعكاسات سيكولوجية ووجدانية على الطفل، ويتفق كل المربين وعلماء النفس على ضرره، وإن اختلفوا في تحديد آثاره ونتائجه على الطفل صغيرا وكبيرا، وتقدير خطورتها.

والملاحظ خلال حالات كثيرة للقسوة والعقاب أن زيادة استخدام العقاب مع الطفل تؤدي حتما إلى الجنوح، فقد تبين لأحد الباحثين أن نسبة كبيرة من الصبيان المنحرفين، عانوا آثار معاملة قاسية من طرف والديهم، وكانت حياتهم تتصف بعدم الاستقرار والتوتر والقلق.

 

التربية محبة

هناك أسس ثابتة لتربية الطفل، وشروط ومواصفات للعطف الذي يحتاجه الأطفال:

  1. إن الأطفال يجب أن يحظوا بالأولوية في كل شيء، في تلبية حاجاتهم البدنية والعاطفية، ويجب على الوالدين الحضور المادي والعاطفي الدائم بجوار الأطفال، وطيلة مرحلة الطفولة الأولى على وجه الخصوص.
  2. محبة الأبناء تمنح دون قيد ولا شرط، وتقبل طفلك كما هو، على سجيته، وليس كما تحبه أن يكون، فالصورة التي نحب أن يكون عليها أبناؤنا الصغار قد تتعارض مع طبيعتهم الفضولية المشاغبة، الحركية، التلقائية، الفوضوية، المعاندة، الأنانية.. فالأمر يتعلق بنا نحن الكبار لنكون على الصورة التي يحبها الصغار، وليس العكس.
  3. الاستماع العاطفي للطفل لا يمكن أن يلتقي مع العلاقات العنيفة أو المهملة للطفل، والاستماع العاطفي شرط العطف، فيجب استدعاء كل انفعالات الطفل، حتى تلك التي نرفضها، كنوبات غضبه، أو مشاكسته، أو خوفه، أو حزنه، أو خلاف ذلك.
  4. المصاحبة المرنة ضرورية للطفولة، والتوجيه الحسن يتطلب من الوالدين أن يضعا تجربتهما وخبرتهما رهن إشارة الأطفال، واستحضار علامات، لكن بمرونة كبيرة، يمكن مناقشتها مع الطفل، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصيات وضع وطبيعة الطفل المتطورة.
  5. إن العطف لا يقتصر معناه على ما ذكر آنفا، إنه أكثر من ذلك، إنه كلمات ودودة، وحركات معبرة عنها، وإشارات، دون أن يصل الأمر إلى إحكام الخناق العاطفي حول الطفل، وإنما تمتيعه بالحضور الدافئ الدائم، والفرح الملهم والثقة والاحترام، فالطفل في حاجة إلى محبة تبرزها علامات واضحة، يعرفها الطفل ويميزها، ويستضيء بها في كل أزمة نفسية من أزمات النمو والتنشئة.

 

قد يعجبك ايضا