الابتلاء وأثره في تربية الدعاة
المنتدى الإسلامي العالمي للتربية

الابتلاء وأثره في تربية الدعاة

إن الحديث عن الابتلاء والمحن والفتن في الدعوات أمر ضروري لكل عمل إسلامي منظم، حتى يبصر أفراده بطبيعة الطريق، ويهيئهم لتوطين نفوسهم على ما يعترضهم من عقبات وصعوبات وآلام، ويخفف على المبتلين ما يقاسونه من تعب ونصَب وعنت.

وفى هذه الدراسة، يرى الدكتور عمر عبد الله عبد الرحيم الكندري، أن الصبر على البلاء يعتمد على حقيقتين خطيرتين: أما الأولى: فتتعلق بطبيعة الحياة الدنيا؛ فإن الله لم يجعلها دار جزاء وقرار، بل جعلها دار تمحيص وامتحان.

وأما الحقيقة الأخرى: فتتعلق بطبيعة الإيمان؛ فالإيمان صلة بين الإنسان وبين الله عز وجل، وإيمان الإنسان موضع امتحان من الابتلاء، فإن صمد صدق، وإن تزعزع ضعف!

 

ابتلاء الدعاة الصادقين مع الله تعالى

ومن المؤثرات النفسية التي تقف حجر عثرة في طريق الدعاة الصادقين وتؤخر مسيرتهم نحو العز والنصر- المؤثر الابتلائي الاضطهادي الذي يكتنفهم، وينزل بساحتهم، ويمسك بخناقهم، ويرميهم بكل تهمة باطلة، ويصوب إليهم كل منكر من القول وزور.

ومن هذه المؤثرات:

أ- ابتلاء التعذيب والسجن والاعتقال.

ب- ابتلاء مصادرة الأملاك والأموال.

ج- ابتلاء تلفيق التهمة والتزوير والبهتان.

د- ابتلاء التهكم والسخرية والاستهزاء.

ه- ابتلاء التهجير والنفي والإبعاد عن الأوطان.

و- ابتلاء التجويع والتفقير والإذلال.

ز- ابتلاء التهديد بالعرض.

ع. ابتلاء القتل.

 

أثر البلاء على الدعاة

  1. إن ابتلاء المؤمن كالدواء له يستخرج منه الأدواء.
  2. إن وقوع البلاء ببعض الدعاة ليس معناه– كما يتصور البعض– أن خطأ معينا وقع فيه هؤلاء؛ إذ من الممكن أن يكون الابتلاء لرفع درجاتهم.
  3. إن الصبر لا يعني– كما يتصور البعض– الخضوع والاستسلام، فحاشا لله تعالى أن يوصي الرسل والمؤمنين بشيء فيه ذلة واستكانة.
  4. ومن فوائد الابتلاء للداعية ولكل مؤمن أن الإنسان في مرحلة الابتلاء يزداد تعلقا بالعبادات ويكثر من النوافل، وتلاوة القرآن، ويتوجه إلى الله تبارك وتعالى بالرجاء والدعاء. إن القلب يتصل بالله، والروح تنشغل في هذا الجو بالاتصال بحبل الله المتين.
  5. الابتلاء فيه تكفير للسيئات وحط للذنوب والخطايا.
  6. الابتلاء فيه تعرف على معادن الرجال وخصالهم.
  7. الابتلاء فيه تنقية للصف المؤمن من أعدائه الباطنيين؛ لأنه قد يدخل في الصف وقت الرخاء أناس يتظاهرون بالإسلام وهم في حقيقتهم منافقون، فالابتلاء وسيلة لتنقية الصف المؤمن من هؤلاء.

 

استدعاء البلاء أم دفعه

إذا كان البلاء والابتلاء مما يصيب الدعاة إلى الله، وبهذا جرت سنة الله، فهل معنى ذلك أن على الداعي المسلم أن يستدعي البلاء ويعمل على وقوعه ولا يجوز له دفعه؟!

في المسألة تفسير وتوضيح؛ لأن هذه المسألة مما يقع فيها الاشتباه والخلط، ولتوضيح هذه المسألة أذكر ما يأتي:

  1. المطلوب من الداعي المسلم أن يدعو إلى الله بالوسائل والكيفيات المشروعة التي بينها القرآن الكريم وطبقها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فإذا أدت هذه الوسائل إلى أذًى يصيب الداعي فعليه أن يتقبله بالصبر لا بالجزع، وبالثبات لا بالفرار.
  2. إذا كان للداعي المسلم مندوحة من الأذى أن يستطيع أن يتوقاه ولا يجب عليه أن يقابله، فله أو عليه أن يتوقاه حسب الظروف والأحوال، لأن الابتلاء صعب على النفس فلا يجوز الحرص عليه ولا الرغبة فيه لأن فيه فتنة مجهولة العاقبة.
  3. من الأدعية المأثورة أن يسأل المسلم ربه العفو والعافية.
  4. وفي وصيته عليه الصلاة والسلام لأسامة بن زيد وقد جعله أميرا على الجيش لغزو الروم قبل وفاته عليه الصلاة والسلام بأيام قال له: «ولا تتمنوا لقاء العدو، فإنكم لا تدرون لعلكم تبتلون بهم، ولكن قولوا: اللهم اكفناهم واكفف بأسهم».
  5. إيذاء أهل الباطل للمؤمنين غير مطلوب قطعا، بل هو من سيئات أهل الباطل، لأنه إيذاء لأهل الحق، فكيف يسوغ المسلم نفسه للمبطل يؤذيه ويهينه ويذله؟!، ألا يكون في هذا التسليم إعانة على وقوع ما يسخط الله تعالى، وإلقاء للنفس في التهلكة والمهانة والذلة وكل هذا لا يجوز!
  6. أذن الله للمكره أن يقول كلمة الكفر تخليصا لنفسه من الأذى والتلف، وهذا يدل على إباحة دفع الأذى، وأن للمسلم ألا يساعد على وقوعه عليه.
  7. عند انسحاب خالد بن الوليد بمن معه من جند المسلمين في معركة مؤتة ودخولهم المدينة المنورة، جعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا فُرّار، فررتم في سبيل الله. فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى».
  8. هاجر المسلمون من مكة إلى الحبشة فرارا بدينهم وتخلصا من أذى قريش؛ فدل ذلك على جواز دفع البلاء والأذى وعدم الاستسلام له بحجة تحمل الأذى في سبيل الله، لأن نفس المسلم ليست ملكه وإنما هي ملك الله، فلا يجوز إتلافها بلا فائدة تعود إلى الإسلام.
  9. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير بأسا من عون عمه أبي طالب– وكان على دين قومه- في دفع ما يستطيعه من أذى قريش عنه.

 

قد يعجبك ايضا