فلسطين والهجرة
المنتدى الإسلامي العالمي للتربية

فلسطين والهجرة

في تلك الدراسة التى أعدها الدكتور إبراهيم علوانى حول مناسبة عظيمة في السيرة النبوية. وهى الهجرة إلى أرض المستقبل.. أرض الاستقلال والبناء أرض الانطلاق والتفوق للدين الوليد، حيث سنتوقف عند ثلاث دروس حياتية مستوحاة من الهجرة.

 

  • العامل المشترك بين فلسطين والهجرة

إن أهمية وجود ارض لأية عقيدة مسألة يفهمها الصهاينة تماما، ولذا اختاروا أرضا ليقيموا عليها دولتهم.. بل اختاروا أرضا مباركة ليجتمع فيها كل اليهود من كافة أنحاء العالم. بعد ذلك بدأ دورهم في النكاية بأبناء أرض فلسطين بالتشريد والتهديد لإبعادهم حتى يرتاحوا ويأمنوا عودة الفلسطينيين لمساكنهم.

ترى ما دخل هذه المقدمة بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة؟ كان النبي صلى الله عليه وسلم يدرك أن قيام الدولة أمر ضروري لحماية هذا الدين بادئ ذي بدء وليكون منطلقا إلى باقي الدول لدعوة شعوب العالم لرحمه رب العالمين. فما هي أول خطوة كان يتوقع من الحبيب عليه الصلاة والسلام أن يقوم بها؟

قبل التفكير في الهجرة ينبغي غرس بذور الإيمان في تلك التربة التي ستكون مأوى الهجرة. لكن ترى أين ستكون تلك التربة، حيث إنه قبل أن نتحدث عن خطوات زرع البذرة يجدر بنا ألا ننسى الأساليب المختلفة من البحث عن التربة التي اتبعها الرسول صلى الله عليه وسيلم.

لم تكن التربة من اختياره عليه الصلاة والسلام، إنما كان يبحث عن أية أرض صالحة يستعد أهلها لتحمل المسؤولية. فيا ترى أية أرض ستكون صاحبة الشرف لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليها؟

  • حكاية الأرض

مع شدة محاربة قريش لهذا الدين، حيث لقي صدا شديدا من معظم رجالات مكة بل ونسائها، أدرك الحبيب- علية الصلاة والسلام- أن التربة التي يبحث عنها ليست على أرض مكة. لقد كان عزيزا عليه أن يغادر مكة، ولكنه اضطر للتكفير الإيجابي المنتج، فالأولوية ينبغي أن تكون لنشر الرسالة وليس لإرضاء العواطف. فما هي الخطوة التالية التي قام بها المصطفى- علية الصلاة والسلام-؟ 

حيث أنه لم يكن يملك هاتفا جوالا (!) ولا طريقة اتصال تلفزيونية عبر الأقمار الصناعية (!) ولا بالإنترنت على الشبكة العنكبوتية، قرر النبي- عليه  الصلاة والسلام- الذهاب بنفسه. فأين يذهب أيها أقرب جدة أن الطائف؟

جدة (عبر) هذه الأيام، حيث لم تكن موجودة في ذلك الزمان. إذا لم يكن هناك مكان يمكن الوصول إليه مشيا على الأقدام سوى الطائف. وحيث إن الطائف تقع على سطح جبال مرتفعة، فلنا أن نتصور المشقة التي لقيها النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة البحث عن التربة الصالحة لهذا الدين إلى الطائف. لن نتوقف عند ما حصل له من إيذاء وطرد وشتم وضرب بالحجارة حتى من الأطفال الذين لا يدركون هذه الأمور لولا تحريض آبائهم لهم. كانت رحلة قاسية عليه صلى الله عليه وسلم من حيث النتيجة التي توصل إليها ماديا (على جسده الشريف) ومعنويا (إذ لم يخرج من تلك الرحلة بمؤمن واحد). فماذا تقترح عليه صلى الله عليه وسلم لو كنت صديقا له كأبي بكر وعلي- رضي الله عنهما-؟

  • التفكير الإبداعي

يقتضى التفكير الإبداعي البحث عن فرص في مكة وحولها ولكن بالخروج من الصندوق كما يقالفكيف يكون الخروج من الصندوق؟

بمحاولة تبليغ الرسالة إلى أناس يتواجدون في مكة ولكنهم من غير سكان مكة. لا أعني بذلك بلالا وسلمان وغيرهما ولكني أعنى أناس يزورون مكة بين الفينة والفينة. فمن هم؟

بدا النبي صلى الله عليه وسلم بعرض نفسه على القبائل التي تأتي للحج، وقد كان انطلاق هذه الدعوة من مكة أول الأمر تقديرا إلهيا لحصول هذه الخطوة (أي خطوة عرض نفسه على القبائل). 

ترى ما الإعجاز في ذلك التقدير الإلهي؟

كانت الناس تحج سنويا للكعبة منذ أذان سيدنا إبراهيم- عليه السلام- (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (الحج: 27)، لذا كان الحج ملتقى سنويا لكافة قبائل الجزيرة. والأجمل من ذلك أنه عبر السنين تطور مستوى هذا الملتقى ثقافيا حيث تبلورت أنشطة ثقافية راقية، أي إن عددا طيبا من الحجاج كانوا طبقة مثقفة واعية مفكرة.

إذن الإعجاز في هذا التقدير الإلهي أن يكون هذا الدين محل نقاش الطبقة المثقفة في الجزيرة. وبالتالي يكون انتشاره أقوى. الديمقراطية عند قريشا كانت كتلك التي في أمريكا: إما أن تكون معي أو ضدي. فكل من يستمع للنبي هو ضد قريش، فكانت الناس تخشى قريشا لذا تتحاشى لقاء محمد بن عبد الله عليه صلاة الله. فماذا عساه فاعلا بأبي هو وأمي، صلى الله عليه وسلم؟

حاول الاتصال بالوفود نهارا لترتيب لقاء هادئ ليلا يتم فيه طرح مبادئ هذا الدين على الوفود التي أبدت استعدادا لتفهم الناظم الإلهي لهذا الكون. كان هناك وفد واحد أبدى استعدادا لذلك فتم اللقاء في جنح الظلام بعد أن نامت قريش.

لعبت ثقافة القوم في الاستماع للنبأ العظيم الذي بدأ يهز مكة. كان اليهود في يثرب يعلمون بنبأ انطلاق هذا الدين من مدينتهم، ولكن كانوا مطمئنين إلى أنه سيكون منهم لذا كانوا يتبخترون على أهلها، فكان من أقوالهم: يوشك الله أن يبعث نبيا فنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم، كما أوضح الله- عز وجل- ذلك (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) (البقرة: 89).

فطنت الفئة المثقفة من وفد يثرب للحج على الفرصة المواتية في تبني هذه الرسالة وكسب الجولة وقطع الطريق على اليهود. فقال قائل منهم: تعلمون والله يا قوم أن هذا ما توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه.

 

قد يعجبك ايضا