الكتاتيب وحلقات التربية لأطفالنا
المنتدى الإسلامي العالمي للتربية

الكتاتيب وحلقات التربية لأطفالنا

يعيش أولادنا وأطفالنا فترة من أشد الفترات التي تحارب فيها التربية، وتضرب الحداثة مفاصل الأسرة، حتى أصبح جميع من في الأسرة يعيش في جزيرة منعزلة عن الآخر، واذا اجتمعوا في المنازل فرقتهم الموبايلات ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث يجد كل واحد منهم ضالته على منصات التواصل الاجتماعي، حتى زحفت إلى الأطفال، فلا تجدهم يتخلون عن هاتفهم الذي يجدون متعتهم في اللعب عليه، فضاعت في ذروة ذلك التربية وحسن التوجيه.

لقد تعرضت الهوية والأخلاق والثقافة الإسلامية في السنوات الأخيرة إلى حرب ممنهجة ضد جميع المجتمعات، سواء بوسائل الإلهاء أو الأغراء أو التخويف أو التنفير أو القمع، وأصبحت الحرب على المربين الذين كان جُلّ اهتمامهم بتربية الأطفال في حلقات تربوية في المساجد، عوضًا عن الكتاتيب التي أخذت في التلاشي، فلا تجدها إلا في بعض الأماكن القليلة من وطننا الإسلامي.

لقد انشغل الأب في توفير سبل العيش، فأصبح لا يجالس أطفاله لتعليمهم حسن التربية.

لقد انشغلت الأم بما حل عليها من ضغوط للقيام بخدمة أفراد أسرتها؛ فضاعت تربية اللأم التي كانت تجالس أطفالها لتعلمهم إياها.

لقد فقد الإخوة الكبار القدوة، فأصبحوا في حالة من التيه التربوي وعدم معرفة الطريق، فضاعوا وأضاعوا إخوتهم الصغار الذين يقلدونهم.. ولذا لا بد أن تدق كل أسرة ناقوس الخطر داخلها حتى لا يضيع أبنائها.

فالحياة ليست توفير مأكل أو مشرب أو مسكن أو توفير سبل العيش الجيدة فقط، في حين ضاعت أخلاقنا وثقافتنا الإسلامية، فلا تجد من يعرف حقيقة نبيّه ولا سيرة علماءه ولا يحدد هويته.

 

اجعل من بيتك كُتّابا

مثلت الكتاتيب المتخصصة في تحفيظ القرآن الكريم دورًا متميزًا في تكوين الخلفية القرآنية الإسلامية في عقول كثير من أبناء المجتمع في الدول الإسلامية لفترة من الزمان ليست بالقصيرة، بل كانت نموذجًا تربويًا فريدًا لم يتوقف دورها عند تحفيظ القرآن فحسب، بل كانت واحة تربوية.

دخلت الكتاتيب العالم الإسلامي في فترة الحكم الأموي، فكان الغرض منها تحفيظ صغار المسلمين القرآن الكريم وتعليمهم القراءة والكتابة ومتون الشعر وأنظمته وقواعد النحو واللغة بالإضافة للحديث الشريف.

وكانت تلك الكتاتيب قد انتشرت في كثير من ربوع دولة الإسلام، حتى عُرف عن بعض الحكام السابقين في الدولة الإسلامية أمر اهتمامهم بالكتاتيب، وأبرزهم صلاح الدين الأيوبي، الذي أخذ على عاتقه إصلاح شأن الكتاتيب والاهتمام بها على مدى عشرين عامًا قبيل انتصاراته التاريخية الباهرة على الصليبيين وتحرير بيت المقدس، حتى يُخرج جيلاً استطاع أن يهتف به قبل المعركة [من هنا يأتي النصر].

ومع مرور الأيام.. بدأ الحضانات تزحف لتحل محل هذه الكتاتيب، وحصرت دور وحصص القرآن في ساعات قليلة، مع العناية بمجالات أخرى كاللغة الإنجليزية والرياضة وغيرها، ومع سعادة الأب والأم بأن طفلهم نطق الكلمات الانجليزي تناسوا القرآن ومفردات الأخلاق.

لقد شخّص الوضع الدكتور أحمد المعصراوي- شيخ مشايخ قراء مصر السابق- عن أهمية دور الكتاتيب في حياة القراء، قائلًا: «إن دور الكتاتيب فى السنوات الأخيرة تراجع كثيرًا بسبب تقصير الأزهر ووزارة الأوقاف فى الاهتمام بها»، وأضاف بقوله: «حقيقةً، عدد الأسر الراغبة في تحفيظ أولادها القرآن قلّ بكثير مقارنة بالسنوات الماضية، خاصة مع غياب الكتاتيب بقري ومدن المحروسة، والتي كان لها دور هام في نشر القرآن على نطاق واسع بين أبناء القرية، فكل كبار القراء المصريين حفظوا القرآن وتعلموا أحكامه في الكُتّاب».

لقد حاربت الأنظمة الحالية الكتاتيب ونعتها بالنعوت والأوصاف الشديدة، بل شنت في كل دولة حملة ممنهجة على المربين من التضييق والترهيب والتحجيم، ففرضت الظروف على رب الأسرة توفير البدائل لهذه الكتاتيب:

  • اجعل نفسك معلمًا لأطفالك لبعض الوقت؛ فالقرآن يصاحب من يصاحبه، فكل يوم تقرأ وتحفظ فيه تنفتح لك أسرار جديدة، وتشعر بأنه صديقك الذي يحلق بك في عالم مليء بالأسرار؛ ليضع بين يديك منهاجًا دنيويًا وسيناريو أخرويًا لكل إنسان خلقه الله، وإذا تعايش الأب والأم معه قليلًا يستطيعون رسم طريق تربوي لأطفالهم، والبعد عن الغضب ووسائل التربية التي نستقيها من القدوات الفاسدة.
  • اختيار محفظ ومربٍ تتوفر فيه شروط المربي، كأن يكون حافظًا للقرآن حفظًا جيدًا، ضابطًا للأداء، يتصف بالأخلاق الحميدة. على أن يكون قدوة حسنة بالإضافة إلى حبه لتعليم القرآن وإحساسه بأن هذا العمل لوجه الله وطلبًا لمرضاته. وألا تكون نيته جمع المال أو اتخاذها وسيلة للتكسب فقط.
  • تعزيز احترام الذات لدى الأطفال بحسن معاملة آبائهم لهم، ويعتبر كلام الوالدين من حيث نبرة الكلام وطبيعته وحركات الجسد، من أهم الأمور التي تكسب الطفل ثقته بنفسه، فيجب على الوالدين الابتعاد عن انتقاد الطفل أو مقارنته مع غيره من الأطفال، فكل طفل له طبيعة وقدرات تختلف عن غيره من الأطفال، بل على العكس كل ما يجب القيام به هو تشجيعهم ومدحهم وتركهم للقيام ببعض الأمور بأنفسهم؛ مما يجعلهم يشعرون بالفخر والقوة والسعادة.
  • غرس مفهوم الانضباط عمليًا: حيث يعدّ الانضباط من الأمور المهمة بالتربية السليمة؛ فهو يساعد الأطفال على فهم قواعد المنزل بما هو مسموح وغير مسموح؛ هذا يجعلهم يقومون بسلوكيات مقبولة، ويكونون بذلك قد تعلموا ضبط أنفسهم من خلال تجربة ذلك بتصرفاتهم لمعرفة الحدود المسموحة لهم.
  • مكافأة الطفل على السلوك الحسن، والاستجابة لحفظ القرآن، بأشكال مختلفة من المكافآت، مثل: الابتسامة- العناق- المدح أمام الأهل- والألعاب والهدايا والخروج للتنزه.
  • تحبيب طفلك في القرآن، عن طريق تقديم مصحف هدية لطفلك، القيام بالتسميع له والثناء عليه إذا أجاد، نشجعه لدخول المسابقات القرآنية، حتى ولو بجزء عم والثناء عليه ومدحه أمام الجميع.
  • القيام بعمل اجتماعات في الأسرة، لمناقشة القرآن الكريم، وإقامة الصلاة جماعة في البيت وتقديمه كإمام للصلاة.
  • توفير القصص التربوية الهادفة والشائقة، والتي تغرس فيه معاني التربية الحقه خاصة قصص أطفال الصحابة.

إن أطفالنا هم فلذات أكبادنا، وأحب إلينا من أنفسنا، ولذا لا يجب العناية فقط بتوفير سبل العيش في رخاء فحسب، بل ترسيخ المعاني التربوية في نفوسهم وحثهم على الالتزام بها.

  

قد يعجبك ايضا