تربية الأجيال على مفهوم الأمة الواحدة
المنتدى الإسلامي العالمي للتربية

تربية الأجيال على مفهوم الأمة الواحدة

مصطلح الوحدة تتغيّر صوره وأشكاله، حيث تراوح بين الوحدة السياسية والجغرافية، مرورًا بالوحدة كمفهوم فكري يجمع المنتسبين إليه رغم تباعدهم، وانتهاءً بالوحدة كتطبيق اجتماعي ينصهر فيه الأفراد مُشكلين نسيجًا مترابطًا يجمعهم وفقًا لرؤية ثقافية واجتماعية متقاربة.

وفى هذه الدراسة التى أعدّها الدكتور محمد بن عبد العزيز الشريم، يرى أن المراقب لما يدور من التغيرات الهائلة التي يمر بها العالم اليوم، يرى ضرورة العمل على مستويين لتهيئة الأجيال الشابة والناشئة لتبني الصور الممكنة من التقارب والتكامل بين الشعوب المسلمة، بما ينعكس عليها جميعًا بفوائد تتعاظم قيمتها بشكل ربما لا يتخيلونه الآن.

 

مفهوم الأمة الواحدة

يؤكد القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة على وحدة الأمة المسلمة على أساس اشتراك أفرادها في اعتناق الدين الإسلامي، بغض النظر عن خلفياتهم العرقية أو انتماءاتهم الجغرافية. وقد عاش المسلمون قرونًا طويلة في بلاد تضمهم جميعًا، وتفتح لهم أبوابها، دون حواجز حدودية تفصل بين بلد وآخر، يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، ويقول ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر».

وكان لنشوء ما يعرف بالدولة القُطرية أثر كبير في تفتيت الوحدة السياسية للمسلمين، وتقسيم بلادهم إلى أقطار جغرافية متمايزة بعضها عن بعض، ولكن حالة الضعف الديني والفكري والاقتصادي والعلمي، أسهمت أيضًا في زيادة الفرقة بين أقطار المسلمين بدرجة جعلت كل قطر يرى أبناء القطر الآخر غرباء وأجانب، إن لم يكونوا خصومًا. ولعل شاهد ذلك ما يحدث في بعض الأزمنة التي تثار فيها حروب ونزاعات بين أقطار شقيقة لأسباب لا تخدم سوى أهداف القوى الاستعمارية التي خرجت من الأرض، لكنها بقيت مسيطرة على الفكر والقرار.

 

ربطهم بالمفهوم معرفيًا

تؤكد بعض النظريات في مجالي التعليم والسلوك أن الطفل يمكنه ممارسة سلوك محدد بشكل أفضل عندما تتوافر لديه معلومات واضحة ومقنعة بشأن ذلك السلوك. ولعل النظرية المعرفية في علم النفس تبرز هنا بوضوح، حيث تؤكد أهمية التعامل مع المعلومات التي يتلقاها الشخص، والمعالجة الذهنية لها، حتى تتحول إلى سلوك يحقق أهداف الشخص أو رغباته.

لذا فمن الضروري الاستثمار في الفطرة الإنسانية التي ينشأ الطفل وفقًا لها وهو يرى الناس أمامه سواسية، لكنه غالبًا ما يكتسب تحيزاته العرقية أو الإقليمية من بيئته المحيطة؛ فحينما يرى من حوله يمارسون أنواعًا متعددة من التحيز ضد أشخاص بعينهم، نتيجة كونهم مختلفين عنهم في لون البشرة، أو اللغة، أو هيئة اللباس؛ فإنه بالتأكيد ستتسرب إلى نفسه بعض هذه التحيزات المتعصبة ضد هؤلاء الناس تأثرًا ببيئته.

ولعل أول الأفكار المتوافقة مع الفطرة الإنسانية التي ولد بها الإنسان، هي المساواة في أصل البشرية، فعندما نذكر لأطفالنا وهم صغار أنه: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض، إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب»؛ فإننا نرسخ الفطرة التي جعلها الله تعالى في نفوسهم تجاه غيرهم من البشر، ونؤسس لبناء قوي لا مكان فيه للعنصرية التي نميز بها أنفسنا عن غيرنا اعتمادًا على انتماءات عرقية، أو قبلية، أو إقليمية، أو وظيفية، أو طبقية اقتصادية.

 

التطبيق السلوكي لمفهوم الوحدة

حينما يتشرّب المربون فكرة الوحدة بمستوياتها المختلفة بين المسلمين، فإنه يصبح نقلها إلى الأجيال الناشئة والشابة أسهل. يكمن الإشكال أحيانًا حينما يتصدى للتربية أشخاص ما زالت لديهم رواسب من التمييز بين الناس بناء على انتماءاتهم العرقية أو الإقليمية، وبعض هؤلاء- للأسف- واقع مشاهد في بعض المواقع التربوية، وينقلون تحيزاتهم للناشئة والشباب.

ونحن في مجتمعاتنا المعاصرة قد نغفل ونتفوه ببعض الكلمات أو الجمل ذات الأبعاد المخالفة لمفهوم الأخوة الإسلامية، وهذه الكلمات التي قد لا نلقي لها بالًا، تتسرب إلى نفوس أطفالنا دون أن نشعر، وتبني مع التكرار عبر الأيام جبلًا من التحيز والعنصرية يقف حاجزًا منيعًا أمام مشاعر الوحدة الإيمانية، والتقارب بين الشعوب، والشعور بالانتماء لدين واحد.. هذه الممارسات تنعكس بدورها في مواقف، ما يؤدي إلى زيادة مشاعر التفرقة والتمييز بناء على انتماءات خلقوا بها ولم يبذلوا جهدًا في تحصيلها؛ ومن ثم، فإنه يصبح من الصعب عليهم تقبل فكرة التقارب والتكامل مع أناس تجمعهم بهم روابط عديدة.

وحيث إن التربية الأولى تكون في المنزل، وعلى يد الوالدين وبقية أفراد الأسرة، فإنه من الضروري أن يحرص الوالدان وبشكل حازم لا تنازل فيه على اجتناب كل ما من شأنه تكريس أي رؤية استعلائية على الآخرين، إضافة إلى تأكيد مفهوم الأخوة الإسلامية من خلال عبارات بسيطة مثل: «إخواننا في فلسطين»؛ لزرع هذا المفهوم بشكل راسخ ورعايته عبر مراحل عمرهم.

طالع الدراسة كاملة: تربية الأجيال على مفهوم الأمة الواحدة

 

قد يعجبك ايضا