الإخوان المسلمون وإحياء العمل الإغاثي
المنتدى الإسلامي العالمي للتربية

الإخوان المسلمون وإحياء العمل الإغاثي

  • دراسة حضرية للمنتدى الإسلامي العالمي للتربية - أبو العربي مصطفى

 

الكوارث الطبيعية هي ابتلاء أو دمار كبير يحدث بسبب حدث طبيعي أو بشري، حيث تُبتلى الشعوب بالكوارث والنكبات من زلازل وبراكين وفيضانات وسيول وحروب وغير ذلك من الأزمات التي تخلف آلاف الضحايا، ومئات الألوف من الجرحى والمصابين، وملايين من المشردين واليتامى والأرامل، فضلًا عن فساد الأرض والحرث، وانهيار البنى الأساسية للدول المنكوبة؛ الأمر الذي يستدعي تدخل المنظمات الخيرية بشتى أطيافها لإغاثة الناجين بالمناطق المبتلاة.

والإنسان بطبيعته السوية، مجبول على تقديم العون وبذل المعروف والإحسان للآخرين، فهي فطرة مغروسة في النفوس، وسجية نسجتها سماحة القلوب، وقد جاءت الشريعة الغراء لتشكل لبنة ترسيخ لهذه الخصلة الرفيعة، وعمود ثبات لتقريرها في النفوس الصادقة البديعة

 إن إغاثة الملهوف وإنعاش المكروب وإعانة أهل الحاجات سلوك إسلامي أصيل، وخلق نبوي قويم، تقتضيه الأخوة الصادقة، وتدفع إليه المروءة ومكارم الأخلاق، ومن ثم يرتبط تاريخ العمل الخيري بدعوة الأنبياء والرسل عليهم السلام وأتباعهم- سواء في صورة فردية أو من خلال جماعة غير مؤسسية- كأوَّل فاعلين في العمل الخيري بمفهومه الشرعيِّ، وصدق الإمام جعفر الصادق حينما وصف الحال بقوله: «إن الله خلق خلقًا من رحمته برحمته، وهم الذين يقضون حوائج الناس، فمن استطاع منكم أن يكون منهم فليكن».

ولنا في قصة سيدنا موسى- عليه السلام– مع ابنتي الرجل الصالح شعيب المثل الأعلى حينما سقى لهما لا لشيء إلا لضعفها ولكبر سن والدهما، ولحيائهما العفيف الذي منعهما عن مزاحمة الرجال، قال تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} [القصص: 23].

كما أطلقها الإسلام صرخة مدوية لدفع الناس للسباق نحو إغاثة الملهوف ورعاية الفقراء وتنفيس الكرب، فقد روى أبو هريرة– رضي الله عنه- عن النبي ﷺ قوله: «من نفَّس عن مؤمنٍ كربةً من كُرَب الدنيا، نفَّس الله عنه كربةً من كُرَب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسرٍ، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، واللهُ في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (رواه مسلم).

وعن عبد الله بن عباس رضى الله عنه عن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَبَضَ يَتِيمًا بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ الْبَتَّةَ إِلَّا أَنْ يَعْمَلَ ذَنْبًا لَا يُغْفَرُ لَهُ» (رواه الترمذي).

والمؤسسات الخيرية الإسلامية طيف من تلك الأطياف المتباينة المنطلقات والعقائد، والتي تهرع إلى ميدان الكارثة وفق توجه شرعي يحتم عليها إغاثة اللهفان، وكفالة المكروب؛ وهي في أثناء تحركها الإغاثي هذا تواجهها كثير من العقبات والصعوبات التي تحول دون إتمام عملية الإغاثة على الوجه المأمول أو المرسوم في الأذهان.

 

تطور العمل الإغاثي

لقد أخذ العمل الإغاثي أشكالًا متعددة ودوافع مختلفة بين الشعوب والحضارات، ففي الحضارة المصرية الفرعونية حينما بدأ الإنسان الاستقرار على ضفاف النيل ظهرت معه مظاهر الحياة الاجتماعية والخدمات الإنسانية كتقديم القرابين وتوزيع الطعام على الفقراء والمحتاجين، كما وُجدت بعض النقوش عليها مظاهر لمساعدة الفقراء وإقامة الملاجئ لليتامى والمسنين.

كما تفاوت الأمر في المجتمع اليوناني القديم فعلى الرغم من تغلب لغة الفلاسفة إلا أن العمل الإنساني شق طريقه وسط الفقراء فوجدت فكرة رعاية الأطفال والمحافظة عليهم من باب المحافظة على الدولة، كما تواجدت بعض  الأعمال الاجتماعية كالمساعدة في حالات الكوارث والحرائق والزلازل والسيول، حيث أقاموا الملاجئ والمؤسسات الاجتماعية لإيواء الفقراء وتعليم الأطفال اليتامى فنون الحرب(1).

ولم يختلف الأمر كثيرًا في الحضارة الرومانية خاصة وأنها من أكبر الحضارات التي انشغلت بالحروب، فكثر فيها القتل والتي خلفت كثيرًا من اليتامى والأرامل ومصابي الحرب، وكان لا بد من رعاية هؤلاء، خاصة مع تدهور الوضع فيها مما دفع المسئولين لتقديم المساعدة لهم.

واستمر الوضع في أوربا على ذلك والذي زاد مع انتشار الثورة الصناعية والتي خلفت ورائها الكثير من البطالة والفقر وفرض الضرائب مما دفع البعض بتبني العمل الخيري سواء للحفاظ على ثرواته أو لدعم الفقراء.

كان أول ظهور لعمل خيري مؤسسي في الوطن العربي تأسيس جمعية (أخوات المحبة) في العراق عام 1873م والتي انحصر نشاطها في مساعدة الفقراء واليتامى والمشردين وتهذيب الفتيات وتثقيفهن ورعاية المرضى وفتح فصول تعليمية، وظلت كذلك حتى نشأت جمعية التربية الإسلامية والجمعية الخيرية الإسلامية عام 1912م(2).

وفي مصر تأخر ظهور الجمعيات الأهلية الإسلامية في مصر إلى الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، لسبب وهو عدم الشعور بالاحتياج لمثل هذه التنظيمات الحديثة في ظل هيمنة نظم أو مؤسسات تقليدية نجحت في تلبية الاحتياجات والمطالب المجتمعية كالمسجد ونظام الوقف الإسلامي باعتباره «حبس العين والتصدق بالمنفعة»(3).

وقد يكون لانتشار الطرق الصوفية كتنظيمات شعبية أثره على ذلك التأخر النسبي في نشأة الجمعيات الأهلية الإسلامية، بينما يتفق معظم الباحثين في رد هذه النشأة إلى التحديات الداخلية والخارجية، والتي تعكس الإطار الاجتماعي والثقافي والسياسي الذي نشأت في جنباته مثل نشاط البعثات التبشيرية وتأسيس الجمعيات الديني والتي استخدمت أسلحة مماثلة لما استخدمته هذه البعثات (تقديم الإعانات للفقراء، وإنشاء المدارس المجانية لتعليمهم) ومثل الاحتلال البريطاني عام 1882م والذي أدى من بين ما أدى إلى تسارع حركة إنشاء الجمعيات الأهلية الإسلامية والقبطية على نحو خاص وكان لها دورها في مقاومة الاحتلال واستبداد الحكم، كما أن ثمة تأثيرًا للأفكار السان سيمونية  أدى إلى انتشار المؤسسات الخيرية الخاصة وتنوعها إبان الربع الأخير من القرن التاسع عشر(4).

ظهرت العديد من الجمعيات الخيرية في العصر الحديث كان أولها الجمعية الخيرية الإسلامية عام 1878م ثم جمعية التوفيق القبطية 1880م، وبعدها الحركة الكشفية عام 1918م، قبل أن تنشأ أول جمعية للشباب المسيحي عام 1923م، وجمعية الشبان المسلمين عام 1927م وذلك قبل أن تنشأ جمعية الإخوان المسلمين وتحمل على عاتقها العمل الإغاثي، كما تأسس في عام 1912 جمعية الهلال الأحمر المصري والتي شاركت بالإغاثة الطبية في حرب البلقان(5).

 

الإخوان وبداية العمل الإغاثي

انطلقت جماعة الإخوان المسلمين من مفهوم أنها هيئة إسلامية عامة، تهدف إلى الإصلاح على منهج الإسلام، والتغيير الهادئ المتدرِّج، وبناء نهضة شاملة على قواعد ومبادئ الإسلام العظيم، تبدأ بإصلاح الفرد والبيت وإرشاد المجتمع، وتستمر بإصلاح الحكم وإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية، وتنتهي بأستاذية العالم بالهداية والإرشاد والدعوة، وليس بالوصاية والاحتلال والقهر.

ولقد عاش المجتمع المصري وبقية المجتمعات الإسلامية حالة من الخواء الروحي والإيماني والتيه في ظل غياب مظاهر الإسلام وروحه في ظل الحروب المستمرة لطمس تعاليمه وتفريغ القلوب مما وقر فيها من إيمان، حيث اندفع أعداء الإسلام من جميع الأمم ومن بني جلدتنا لاجتثاث كل مظهر يعرف الناس معنى دينهم أو يذكرهم به، غير أن الله سبحانه سخر من يقف كحجرة كؤود أمام ما يحاك للأمة.

وضع حسن البنا بذرة الدعوة بالإسماعيلية عام 1928م والتي سرعان ما انتشرت وانتشر معها العمل التطوعي والخيري والإغاثي.

فبعدما انتشرت الدعوة في ربوع الوطن وتحمس لها من حملها رغبة في نشر تعاليم الإسلام الصحيح والمفاهيم السليمة والعقيدة القويمة التي لا تشوبها زيف وضع الإخوان منهج للإصلاح ساروا عليه عمليا وكانت البداية مع توفير مكان للتائبات من البغاء في الاسماعيلية عام 1929م، حينما ذهبن إلى الأستاذ البنا يشتكين له وقف الحال، وضيق الرزق حيث قل الطلب عليهن بعد تدين أهل الحي والتزامهم بالإسلام، فاقترح عليهن الشيخ البنا أن يتبين، ويمتهن مهنًا شريفة، على أن يستأجر لهن مبنى مستقلًا تلتحق به كل من تتوب إلى الله تعالى وليس لها عائل، فتوافد عليه كثيرات ممن تاب الله عليهن، وقد وفق الله الكثيرات منهن فتزوجن وأصبحن ربات بيوت صالحات، ومن لم تتزوج منهن تعلمت فن الخياطة والتفصيل، أو فن الطهي، أو تربية الأولاد(6).

انتشرت الدعوة في القطر المصري وزادت عدد الشعب، وانتشر معها العمل الخدمي والاغاثي، وربما يظن البعض أن العمل الخيري والتطوعي في جماعة الإخوان بدأ مع نشأة قسم البر والخدمة الاجتماعية، لكن هذا غير صحيح فالعمل الخدمى والتطوعي سواء داخل الصف أو خارجه بدأ مع نشأة الجماعة حيث نظر البنا فوجد أن البيئة المحيطة به تحتاج للتربية فعمد إلى:

1-      طرق الأبواب الموصدة بالعمل الدائم والتقرب للناس.

2-      البحث عما تحتاجه البيئة المحيطة به ومحاولة انجازه مثلما وجد الرغبة الشديدة لدى النساء اللاتي كانوا يعملون في الدعارة للتوبة والعيش في حياة كريمة فعمد لبناء دار التائبات والبحث للصالحات منهن عن أزواج وقدم لهن المساعدة.

3-      تأليف لجنة خدمية للقيام ببناء المسجد ومدرسة للبنين والبنات لتقديم التربية الصالحة عن طريقهم.

ولهذا حرص الإمام البنا على غرس المعاني التربوية في نفوس أتباعه من اجل أن يخرج العمل ويحقق أهدافه فيقول: يا أخي، لا تقل مالا تفعل، ولا يغرنك أن يحسبك الناس عاملًا، ولكن همك أن يعلم الله منك صدق ذلك فإن الناس لن يغنوا عنك من الله شيئًا.

يا أخي، اعتقد أنك تعمل لغايتين؛ أن تنتج، وأن تقوم بالواجب، فإن فاتتك الأولى فلن تفوتك الثانية ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾[الأعراف: 164](7).

حتى أن الإخوان قاموا في مختلف الشعب بجهود مشكورة في محاربة الفقر، وذلك عن طريق جمع الزكاة والصدقات وتوزيعها على الفقراء، مثلما فعل إخوان شعبة "سنديون غربية" بشراء كمية كبيرة من الذرة وزعت على الفقراء والمساكين، وكان يقدم في التوزيع النساء الأرامل اللائي فقدن أزواجهن، والرجال العاجزين عن الكسب والصغار واليتامى(8).

وفي عام 1942 أَنشَأ الإخوان مكتبًا للمساعداتِ الاجتماعيةِ، للقيامِ بالخدمةِ الاجتماعيةِ على أحدثِ النظم العلمية، إذ نصَّ على أن الخدماتِ الاجتماعيةَ التي يقدِّمها تنقسم إلى أربعة أقسام هي:

1- خدمات مسكنة: كإعطاءِ مساعداتٍ للمحتاجين، وتكون عادةً عينيةً، إلا إذا اقتضت الضرورةُ أن تكونَ المساعدةُ ماليةً، وجمع زكاة الفطر، ولحوم الأضاحي وجلودها، لتوزيعها على المستحقين.

2- خدمات شافية: كمساعدةِ العاطلِ للحصولِ على عملٍ، وذلك بالاتصال بمصلحةِ العملِ، والمصالح الأخرى، وأصحاب الأعمال، وإقراض رءوس أموال صغيرة في بعض الأحوال بدون فائدة، وكذلك علاج المرضى بالمجان أو نظير أجر رمزي.

3- خدمات واقية: مثل بثِّ الدعوةِ الصحيةِ بين الأسرِ التي يرعاها المكتبُ، والعملِ على توفيرِ وجباتٍ غذائيةٍ تُبَاع بمبلغ زهيدٍ لفقراء الحي.

4- خدمات إنشائية: للارتفاعِ بمستوى الحياةِ العادي، وذلك بالعملِ على إنشاءِ نادٍ للعمَّال، وصغارِ أصحابِ الأعمالِ الحرةِ، تنظم به أوقات فراغهما لكي يُنتَشلوا من السقوط، ويوجهوا توجيهًا مهنيًّا ووطنيًّا وصحيًّا.

- وقد نصَّ مشروع المكتب على أن المساعداتِ الماديةَ تقدَّم للفئاتِ الآتيةِ:

    الأسر الكريمة التي أحنى عليها الدهر.

    الأسر التي فقدت عائلها الوحيدَ وليس لها أي موردٍ ورزقٍ كافٍ.

    الأسر الفقيرة التي اشتهرت بحسن السير والسلوك، ولم تصدر ضدها أحكامٌ مخلةٌ بالشرف، ولها استعدادٌ بمعاونةِ المكتبِ في تحقيقِ رسالتهِ، بتنفيذِ إرشاداتِه وتوجيهاتِه(9).

ويؤكد الأستاذ البنا على دمج العمل التطوعي بالعمل التربوي فيقول: وتهدف حركة الإخوان إلى هدفين هما:

- إحياء نظام الإسلام الاجتماعي وتطبيقه.

- والمساهمة فى الخدمة الاجتماعية الشعبية، وضربت مؤسسات الإخوان ومنشآتهم فيه بسهم وافر، فكل دار من دور الإخوان مدرسة ليلية، ومنتدى أدبى للثقافة والتربية، وقد أنشأ الإخوان عددًا من المدارس الأولية والابتدائية، وهم فى هذا العام سينشئون مدرسة ثانوية بالإسكندرية، كما أن لهم أكثر من عشرين مستوصفًا خيريًّا، وفى هذا العام افتتحوا أول مستشفى لهم بالعباسية(10).

إلا أنهم كان لهم دور إغاثي كبير بدأ قبل أن يتشكل قسم البر والخدمة الاجتماعية عام 1945م.

 

الإخوان وإغاثة الفلسطينيين

كان للقضية الفلسطينية مكانة عند الإخوان حتى أنه أصبح تحريرها والعمل من اجلها من أولوياتها واستراتيجيتها، وسيطر العمل الإغاثي في بداية نشأة الجماعة على طبيعة العمل بين الإخوان والفلسطينيين، حتى أنهم رغبوا في توحيد الجهود المخلصة الإسلامية العاملة في الساحة من أجل إغاثة منكوبي فلسطين، فتم عقد اجتماع بين اللجنة المركزية العليا لنصرة فلسطين التابعة للإخوان المسلمين ويمثلها فضيلة المرشد وحامد بك عبد الرحمن الذي يمثل اللجنة العليا لإعانة منكوبي فلسطين التابعة لجمعية الشبان المسلمين، وذلك للتنسيق في جمع التبرعات عام 1936م.

فتحت عنوان تحت عنوان: بين اللجنة المركزية للإخوان المسلمين واللجنة العليا لإعانة منكوبي فلسطين كتب جريدة الإخوان: تألفت بدار جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة لجنة عليا لإعانة منكوبي فلسطين من لفيف كبير من أهل الفضل والوجاهة والشخصيات البارزة الذين عرفوا بالمبادرة إلى تشجيع المشروعات النافعة، وخصوصًا ما يتعلق منها بالناحية الإنسانية وخدمة العروبة والإسلام.

وتوحيدًا للجهود رأت اللجنة المركزية أن تتصل بهذه اللجنة العليا وانتدبت لذلك حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ المرشد العام حسن أفندي البنا وحضرة صاحب العزة حامد بك عبد الرحمن لتمثيلها في هذه اللجنة، وقد اتفق على أن تعتبر اللجان الفرعية للإخوان المسلمين لجانًا فرعية للجنة العليا تتصل بها عن طريق اللجنة المركزية للإخوان المسلمين بالقاهرة، فعلى حضرات الإخوان أن يستمروا في نشاطهم المأمول والمعهود وأن يواصلوا صلتهم بلجنتهم المركزية التي ستراجع اللجنة العليا المذكورة وتتصل بها، وفق الله الجميع وسدد خطاهم إلى الخير.

هذا ونرجو أن تعتبر لجان الإخوان هذا البيان منشورًا خاصًا بكل لجنة موجهًا إليها من اللجنة المركزية(11).

تحت عنوان: "أغيثوا فلسطين الشهيدة .. إلى ملوك الإسلام وأمرائه وقادة شعوبه" جاء فيها: "حضرة صاحب..... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد، فإن لجنة عليا تألفت من الجمعيات الإسلامية والشخصيات الممتازة ممثلة لأقطار مختلفة ما زالت تنعقد في المركز العام لجمعيات الشبان المسلمين في القاهرة لإغاثة منكوبي فلسطين، وقد رأت أن كل ما قامت وتقوم به من أسباب الإغاثة لأولئك الإخوان المسلمين المعتدى عليهم في أوطانهم وأموالهم وأولادهم وأرواحهم لا تعد شيئًا مذكورًا في جانب ما يجب عليها من اللجوء إلى مقام ....... الأسمى لأنه مقام الإمامة والراعية هو والمرجع الأول والملجأ الأكبر..."، "فلما أخفقت وسائل السلم في منع الكارثة الصهيونية عن الديار القدسية التي هي من صميم الوطن الإسلامي ووقع الاستفزاز في حوادث معينة تثير غضب الحليم لجأ أهل فلسطين إلى الإضراب السلمي عن العمل ليوجهوا أنظار الدنيا إلى قضيتهم العادلة، وبدلًا من أن تنصفهم بتنفيذ العهود المقطوعة لهم قوبلوا بالقوة العمياء الصماء، وما زالت الأمور تتطور حتى أصبحت هذه العصابة من المسلمين في هذا الوطن الضيق معرضة للتمزيق والسحق والإبادة، فلا تطلع الشمس إلا على دماء زكية مسفوكة في أهضام الجبال وسفوح الأودية وبين جدران الأزقة، وفوهات البنادق مسددة للمسالمين من أطفال وشيوخ ونساء"، "في هذه الظروف التي يعم فيها البلاء الذي وقعت فيه فلسطين فلن ينجو من نتاجه بلد إسلامي مستقل أو مستعبد، في هذه الظروف لجأت اللجنة العليا لإغاثة فلسطين إلى حكومتكم الإسلامية ومقامكم الأبوي للمسلمين طالبة من ...... أن تتوسطوا في هذا الأمر توسطًا يرفع عن أبنائكم مسلمي فلسطين إصرهم والأغلال التي يرزحون في أصفادها، ويبهج قلوب رعاياكم التي تقطر دمًا لما حل بإخوانهم وهي لولا هيبتكم ورجاؤها في وساطتكم لانفجرت حزنًا وغضبًا على ما أصيب به الإسلام في فلسطين من نكبة لا مثيل لها في هذا العصر"، وقد ختم هذا الخطاب الآتي "فيجري الله عز وجل على يديكم الكريمتين أسباب التعديل في السياسة التي اتبعت في فلسطين إلى الآن، وينقذها الله من شر الهجرة التي يستحيل أن ترضى أمة من الأمم في أي وطن من الأوطان ويكون ذلك حسنة خالدة ..... في الدنيا ويوم الدين إن شاء الله تعالى ونضرع إلى الله عز و جل أن يمد في حياتكم وأن يعز الإسلام بكم .... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، القاهرة في يوم 6 من جمادى الأولى سنة 1355هـ.

 

رئيس اللجنة العليا لإغاثة منكوبي فلسطين

وقد شارك الإخوان جمعية الشبان في تكوين لجنة مستقلة في الصعيد من أعيان الصعيد للاهتمام بنشر القضية والعمل من أجل منكوبي فلسطين في الصعيد(12).

وحينما نشأ قسم البر والخدمة الاجتماعية قرّر أن يؤلف لجنة من بين أعضائه مهمتها جمع الثياب والأغطية والفرش وغيرها في أسبوع يسمى "أسبوع المشردين بفلسطين(13).

 

الإخوان ومنكوبي الحرب العالمية الثانية

حينما اندلعت الحرب العالمية الثانية في سبتمبر 1939م كون الإخوان فرقًا للإنقاذ جاهزة للإسعافات في حالات الكوارث والطوارئ، وكان مقرها المركز العام، وكان يتم تدريب أعضائها تحت إشراف الأستاذ محمد نبيه عبد المجيد مندوب مصلحة الوقاية، وكان يقوم بتدريب الأعضاء على اتقاء الغارات الجوية المحتملة أثناء الحرب العالمية الثانية، ويعد منهم فرقًا للإنقاذ، وقد دعت مجلة "النذير" الإخوان إلى سرعة الاشتراك في هذه الفرق ليقوموا بواجبهم الإنساني والإسلامي في أوقات المحنة، وقد انتشرت هذه الفرق في الأقاليم لتقوم بالدور الذي تقوم به في القاهرة، ومن أمثلة ذلك ما أقامته جمعية الإخوان بدارها بمنوف وتولى الإشراف عليها الدكتور السيد بك حيدر مشالي رئيس الجمعية ومفتش صحة المركز، أيضا في هذه الفترة كان الإخوان ينشئون (الأجزاخانات) الأهلية لتوفير الأدوية الجاهزة والمركبة للمرضى(14) .

وحينما اشتدت الضربات بين الانجليز والألمان أثناء الحرب العالمية الثانية على الأراضي المصرية واقتربت المعارك من الإسكندرية حتى تعرضت للغارات المستمرة من قبل طيران الحلفاء والمحور– خاصة أن الإنجليز اتخذوا الإسكندرية قاعدة لأسطولهم- مما أدى لقتل العديد من السكان الأبرياء، مما اضر بعضهم للنزوح ناحية مدن البحيرة فاستقبلتهم شعب الإخوان حيث جهزت لهم العديد من أماكن الإيواء والمؤن والأغطية حتى مرت أيام الخطر ثم عدوا إلى الإسكندرية مرة أخرى.

ولم يقتصر الأمر على هذا الحد بل إن تكونت مثل هذه اللجان فى شعب مختلفة؛ خاصة حين سببت الحرب العالمية لمدينة الإسكندرية الخراب والدمار، مما اضطر أهلها إلى ترك ديارهم وهجرتهم إلى حيث الأمن والأمان، فقامت شعب إخوان الشرقية لغوث المنكوبين، وأصدروا البيان التالى تحت عنوان "نداء من المركز العام لجماعات الإخوان المسلمين بالشرقية" جاء فيه:

"إلى الشعب الشرقاوى الكريم يتوجه الإخوان المسلمون بالدعاء فى هذه المحنة العصيبة التى حلت بمدينة الإسكندرية إلى الله-سبحانه وتعالى- أن يحفظ أوطاننا من شر هذه الوحشية التى تحدث الخراب والدمار على الوادعين الآمنين، وفى هذه الطامة الكبرى التى تركت الكثيرين من كرام القوم والكثير من الضعفاء الذين لا يستطيعون حيلة فى أمَسِّ الحاجة إلى المعونة والنجدة.

يتجه الإخوان المسلمون إلى أريحتكم وكرمكم المأثور استجابة لنداء المروءة والدين للفقراء والمهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، وشردوا فى البلاد والطرقات، ولقد بادر الإخوان المسلمون إلى إعداد دارهم بأول شارع عباس بالزقازيق لإغاثة هؤلاء المنكوبين عقب وصولهم، ووفرت لهم أسباب الراحة والطمأنينة، وأنيط بفريق من أعضاء الجماعة البحث عن هؤلاء اللاجئين ومقابلتهم، والترفيه عنهم وإنزالهم بالدار.

والجماعة كبيرة الأمل فى أن يجيب أهل المروءة والنخوة هذا النداء، ويؤثروا هؤلاء الفقراء على أنفسهم بما يستطيعون من الطعام واللباس أو المال أو بالمسكن أو قبول بعض هؤلاء المساكين فى كنفهم أو إلحاقهم أي عمل يصلحون له حتى تنجلي هذه المحنة ويكشف الله السوء.

أيها الشعب الشرقاوي الكريم: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِى سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِى وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ}[محمد: 38] والله فى عون العبد ما دام العبد فى عون أخيه(15).

ومثل ما فعل إخوان الشرقية، فعل إخوان شعبة زفتى؛ حيث أطلقوا نداء إلى كل الإخوان ليقدموا يد العون والمساعدة لإخوانهم المهاجرين من الإسكندرية" ولقد استجاب الكثير لهذا النداء(16).

 

الإخوان وكوارث أسوان

كانت شعب الإخوان تتسابق في العمل الإغاثي فى حالة حدوث كارثة لأهالي الشعبة أو لأهالي شعبة أخرى، فتقوم هذه اللجنة بإغاثة المنكوبين، وتقديم ما يحتاجون إليه من مساعدة، كما حدث من شعبة الإخوان فى أسوان عندما تعرضت إحدى البواخر وتدعى (الغزالة) إلى حريق أدى إلى وفاة البعض، وإصابة كثيرين عام 1941م، وتقول مجلة الصعيد الأقصى: "تلقينا من سكرتارية الإخوان المسلمين في أسوان بتاريخ 2 مايو الحاضر ما يلى:

اجتمع مجلس إدارة جمعية الإخوان المسلمين والمحافظة على القرآن الكريم بأسوان للنظر فى مواساة منكوبي الحريق بالباخرة الغزالة، وبعد البحث الدقيق والتحريات الوافية قرر المجلس صرف مبلغ عشر جنيهات من مالها لمواساة المنكوبين، وسلمت المبالغ لبعض حضرات الأعضاء لتوزيعها بمعرفتهم اليوم.

كما تبرع حضرة المحترم الشيخ صالح الزقلوبى التاجر وعضو الإدارة بشوالين من الدقيق لتوزيعها على المنكوبين، ودفع حضرته الثمن وقدره 270 قرشًا أضيفت إلى العشر جنيهات وتم توزيعها كلها. والجمعية بعملها هذا تضع نواة لمساعدة المصابين، وإن كانت بسيطة إلا أنها ستتصل بالجمعيات والهيئات الأخرى لإعطائها البيانات الصحيحة واستدرار عطفها نحو المصابين.

وقررت الجمعية تقديم العزاء الحار لسائر أهالى المصابين ولأسوان كلها فى تلك الكارثة على صفحات الصعيد الأغر، بعد أن قام أعضاؤها بتقديم تعازيهم بأشخاصهم، سائلين الله للمتوفين الرحمة، ولآلهم الصبر والسلوان(17).

وعندما ظهر مرض الملاريا بقنا وأسوان في فبراير من عام 1944م انتفض الإخوان لهذه الكارثة الصحية، وانتقدوا هروب الأغنياء لترك إخوانهم الفقراء والبؤساء دون إعانة أو مواساة، وقد أثنوا على وزارة الصحة في سرعة تقديم العلاج اللازم، لكنهم أخذوا على الحكومة أن الناس كانوا يموتون من الفقر وقلة الطعام لا من قلة الدواء، وكانت النتيجة أن توفي الكثير لسوء التغذية مع توفر العلاج، وأوضح الإخوان أن لو كل مالك نصاب أخرج زكاة ماله ما مات هؤلاء، ولا وجد فقير من الإسكندرية لأسوان، وقد دعا الأستاذ صالح عشماوي رئيس تحرير مجلة الإخوان كافة الإخوان بسرعة التبرع بما لديهم من مال عن طريق جريدة "الأهرام" التي كانت تتلقى التبرعات، وأن يدفعوا كل ذي مروءة وشهامة أن يجود بما لديه من مال أو كسوة أو غذاء، كما طالب بالإلحاح في الدعاء إلى الله لرفع البلاء عن إخوانهم في قنا وأسوان، وأن يشفي مرضاهم ويرحم موتاهم، وطالب إخوان شعبتي قنا وأسوان بضرورة الاعتناء بالمصابين ومواساة المفجوعين، وأن يجعلوا من دور الإخوان معسكرات لتجنيد المتطوعين لتوزيع الدواء في كل مكان، وأن يسعوا إلى الناس في أماكنهم شارحين طرق الوقاية من هذا المرض وأساليب العلاج(18).

 

الإخوان مع منكوبي الكوليرا

كون الإمام البنا جيل من الشباب في نطاق عمل الجوالة ليحمل عبء العمل الخدمي في المجتمع ويغيث المنكوبين حيث وصفها بقوله:" أن هذه الفرق والكتائب لم تجهز لبغى ولا عدوان ولم تنظم لظلم ولا لطغيان وإنما أعدت لتكون سلاما فى النفوس ونظاما للمجتمعات وقوة للحق ومددا لكتاب الله...الخ(19).

ويشير شوقي ذكي إلى أن من أهداف الجوالة تدريب الشباب على تقديم خدمات للمجتمع وإعداد أجسام قوية وربط الصلة بالله بالحياة الدنيوية إلخ وذكرت مجلة الإخوان أن هدف الجوالة تدريب الإخوان عمليا على الثقة بالنفس وحمل المسئولية وتعود النظام وتأدية الأعمال على أكمل وجوهها أي تهدف إلى الإصلاح الخلقي.

وقد وضع المنهج الكشفي للشباب أسلوبا كاملا للتكوين الإيجابي الكامل عقليا وقلبيا وشعوريا وتهدف برامجه إلى تجديد نشاط الفكر والجسم بتنويع العمل وصقل حواس الإنسان وكسب العمل عن طريق المشاهدة والرحلة وإعداد الرجل القوي لتحمل أعباء الجهاد ومحاربة الكسل والركود والخنوثة وبعث الرجولة والعزة في كل شاب مسلم وأن يصطبغ الأخ بالصبغة الإسلامية فيكون مسلما بعاداته وتقاليده وتفكيره وسلوكه(20).

وبالفعل ظهرت جهود هؤلاء الشباب في الكثير من الكوارث التي حلت بالمجتمع، ومنها انتشار الكوليرا في القطر المصري عام 1947م.

فعندما ظهر وباء الكوليرا واستشرى خطره في البلاد أصدر المركز العام نشرة اخبارية حوت قرارات مكتب الإرشاد إلى الإخوان العاملين جاء فيها:

فى جلسة 23 سبتمبر 1947م الموافق 13 ذو القعدة 1366هـ، قرر مكتب الإرشاد إرسال خطاب لوزير الصحة يعلمونه استعداد أربعين ألف من جوالة الإخوان المسلمين للتطوع في فرق مكافحة الكوليرا, وفى جلسة5 أكتوبر 1947م قرر المكتب إرسال خطابا آخر لوزير الصحة باستعداد مستوصفات الإخوان للقيام بعملية التطعيم ضد الكوليرا وتجهيز عشرة سيارات للمرور في الأحياء الموبوءة لعملية التطعيم ومساعدة وزارة الصحة(21).

كما ساهمت الصحف الإخوانية في توعية الناس بالمرض ومتابعة أخر تطوراته, وأماكن تمركزه, وكيفية انتشاره, وكيفية الوقاية منه, كما تابعت المجلة أعداد المرضى والوفيات التي نتجت عن هذا المرض, كما تابعت البيانات الرسمية وتصريحات المسئولين حول هذا الوباء, وشارك أطباء من الإخوان بكتابة مقالات عن هذا المرض وتوضيح خطره وطرق الوقاية والعلاج منه، كما شاركوا عمليا فى علاج المرضى- فنجد مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية تتابع الأمر وتتابع الجهود التي تبذل للقضاء على الكوليرا, وتتابع أقوال الأطباء حول المرض, ففي إحدى أعددها كتبت تحت عنوان (وكيل وزارة الصحة يتحدث عن الكوليرا) حيث وضحت وجه نظر الوزارة للتصدي لهذا الوباء كما أنها طالبته بالمزيد من الجهود وعدم التراخي في التصدي لمثل هذه الأوبئة وإلا ستكن وبال على المجتمع(22), كما ذكرت في العدد التالي أقوال بعض الأطباء في المؤتمر الذى عقد بدار الحكمة للبحث في شئون الوباء واختيار أفضل الوسائل لمقاومة المرض ومنع استفحاله.

وكانت الجريدة اليومية من الصحف التي تواجدت في أماكن المرض لتغطية مستجدات الوباء, وساهمت بشكل فعال في إظهار خطورته والعمل على الحد منه, وكيفية انتقاله, كما تحدثت أن السبب في دخول الوباء هم الجنود الذين توافدوا على مصر من شرق آسيا للعمل في خدمة الجيش البريطاني, ففي مقال بعنوان (الهواء الأصفر أو الكوليرا) كتب الدكتور محمد أحمد سليمان- المشرف على القسم الطبي- يوضح كيف تم اكتشاف هذا المرض وطرق تطوره وانتشاره وموطنه الأصلي وكيف ينتقل, ثم ختم المقال بطرق الوقاية والمكافحة، ولم تكف الجريدة عن متابعة المرض, والجهود التي تبذل حتى اختفى نهائيا من مصر(23) .

ومن المعروف أن بداية المرض كانت في قرية القرين بمحافظة الشرقية في 22 سبتمبر 1947م لقربها من المعسكرات الإنجليزية, وحصد المرض ما يقرب من اثنتي عشر ألف نسمة رغم الجهود التي بذلت للقضاء على المرض وظل المرض حتى نهاية عام 1947م(24).

وقد ارسل الإخوان بخطاب  لوزير الصحة يضعون فيها جوالتهم تحت أمرة الوزارة في التصدي لمرض الكوليرا جاء فيه: "حضرة صاحب المعالي وزير الصحة العمومية.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد.. في غمرة هذه المحنة التي تهدِّد الصحة العامة للبلاد بوباء الكوليرا، والتي تنادي كلَّ وطني صادق أن يساهم بكل ما يسعه من جهد وطاقة، تتقدَّم إدارة الجوالة العامة للإخوان المسلمين إلى معاليكم ليحملوا نصيبهم من هذا الكفاح الوطني المقدَّس، معلنين أنهم يضعون تحت تصرُّف وزارة الصحة 40 ألف جوال من خيرة شباب الأمة وزهرة أبنائها الأطهار، منبثِّين في جميع أنحاء الوادي من كبريات المدن والحواضر إلى صغريات القرى والكفور كلهم على أتمِّ الاستعداد للقيام بما عُهد إليهم من أعمال لمكافحة هذا الوباء. ومما يزيد الاطمئنان إلى جلال الفائدة المرجوَّة من هذا التجنيد إن شاء الله أن تعلموا- معاليكم- أن هؤلاء الألوف من شباب الإخوان الذين وهبوا لهذا الوطن العزيز أنفسهم وأرواحهم إنما يكوِّنون مجموعاتٍ كاملةَ الأجزاء، محكِّمةً النظام بوحداتها ورؤسائها ومراقبيها ومشرفيها في انتظار الأمر بالعمل في أي مكان. ولمَّا كنا حريصين على العمل الجدي؛ لذلك نتقدَّم إلى معاليكم بنماذج من الأعمال التي يُمكن لهذه المجموعات القيام بها، علاوةً على ما يراه المسئولون من تكليفهم لما يتراءى لهم، وهي:

    1- نشر الدعوة الصحية في محيط القطر كله وسرعة إذاعة النشرات والتعليمات الصادرة عن الوزارة مع التكفل بإفهامها للجمهور ومعاونته على التنفيذ.

    2- التبليغ عن المصابين والإصابات، كلٌّ في محيط منطقته مع بعض الجمهور، على اعتبار ذلك واجبًا وطنيًّا لا يعذر المتخلِّف عنه.

    3- تكوين فرق مختلفة للقيام بأعمال التمريض.

    4- مساعدة رجال الجيش في كافة أعمالهم؛ من حصار المناطق الموبوءة، ونقل الإشارات اللاسلكية، وقيادة السيارات.

يا صاحب المعالي: قد جنَّدنا هذا الشباب الطاهر في خدمة الوطن لمحاربة هذا العدو المفاجئ، ولا شكَّ أن هؤلاء الجنود لا ينقصهم إلا أن يتحصَّنوا ضد المرض بالمصل الواقي، وأن تتفق وزارة الصحة مع الوزارات والشركات والمصانع التي يعمل بها هؤلاء الإخوان على انتدابهم لهذه المهمة إذا كُلِّفوا بأعمال نهارية تتعارض مع أوقات أعمالهم الرسمية، مع الاحتفاظ لهم بمراكزهم وأعمالهم عند زوال خطر الوباء عن البلاد قريبًا إن شاء الله. هذا، ويسرنا إلى جانب ذلك أن نضع تحت تصرف وزارة الصحة 1500 شعبة من دَور الإخوان المسلمين تكون مركزًا للأغراض الوقائية والعلاجية ضد هذا الوباء، ولا سيما في المناطق التي ليس للصحة بها مراكز ثابتة. وفى انتظار إجابة فضيلتكم بالقبول، أرجو أن تتقبَّلوا أصدق التحيات. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته حسن البنا- المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين(25).

كما أصدر المركز العام تكليفات للمكاتب الإدارية فى المحافظات بتكوين لجنة لمكافحة الكوليرا بكل شعبة وأن يختار لها مقر وسكرتير للإشراف عليها, والاهتمام بنشر الدعوة الصحية عن طريق المحاضرات فى المقاهي والأندية والمجتمعات العامة والمساجد بواسطة- أطباء الإخوان, وزيارة الأحياء والقرى والكفور وحث الناس على اتباع تعليمات وزارة الصحة, وتكوين لجان إغاثة لإعانة المنكوبين وأسرهم, والتبليغ الفوري عن الإصابات.

كما قام قسم البر والخدمة الاجتماعية بالاهتمام بتقديم المطهرات للأسر الفقيرة فى الأحياء الفقيرة كالفنيك والصابون, وترسل المكاتبات للمركز العام باسم رئيس مكتب مكافحة الكوليرا حتى لا تحجز أو تتأخر ومن الممكن تبليغها بالتليفون للسرعة(26).

وعندما اجتاح وباء الكوليرا البلاد شاركت شعب الإخوان أيضا التصدي للمرض, ففي إمبابة وأثناء جولة الإخوان بالمنطقة للبحث عن مصابين, تبين لهم إصابة أحد الأفراد جهة درب العبد, فسارعوا إلى إبلاغ الجهة المختصة وضربوا حصار حول منزل المريض وحالوا دون وصول أحد إليه حتى حضرت عربة الصحة ونقلت المصاب.

وما قام به إخوان إمبابة قام به إخوان محلة زياد وبنى سويف فى مكافحة المرض، كما قامت مستوصفات إخوان الإسكندرية بالمشاركة في تطعيم  الأهالي باللقاح الواقي ضد الوباء فى قسم الجمرك, وفى قسم كرموز ثان، كما أعلنت الجريدة عن أسماء مراكز التطعيم فى الإسكندرية حتى يسترشد بها الناس(27).

ظل الإخوان وجوالتهم في قلب الحدث حتى أنه أصيب عدد من شباب الجوالة أثناء عملية التطهير غير أنهم تلقوا العلاج، وظلت الجماعة مستنفرة حتى أعلنت وزارة الصحة القضاء على مرض الكوليرا.

وتلقى المرشد العام للإخوان الأستاذ حسن البنا من معالي الدكتور نجيب إسكندر باشا وزير الصحة الكتاب التالي:

حضرة صاحب فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين

تحية طيبة وبعد،،،

بالإحاطة إلى خطابكم الخاص باستعداد مستوصفات الإخوان المسلمين بجميع نواحي القطر بعمليات التطعيم في مناطقها ضد الكوليرا فإني أقدر بالعرفان هذا الواجب الوطني لما ينطوي عليه من عاطفة كريمة وروح طيبة نحو مواطنينا الأعزاء وسوف لا تتأخر الوزارة عن قبول مساهمتكم في العمل الذي أشرتم إليه في خطابكم في الوقت المناسب، ولا يسعنا إزاء هذه الوقفة الكريمة إلا أن نبعث لفضيلتكم بموفور الشكر مقدرين حسن معاونتكم لنا في مقاومة وباء الكوليرا.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام(28).

 

تصدى الإخوان للفساد الإغاثي

على الرغم من حرص الإخوان على إغاثة المنكوبين والمتضررين والفقراء وتشجيع كل من يقوم بهذا العمل سواء الحكومات أو الجمعيات المجتمع المدني، إلا أنهم رفضوا أن يجمع التبرعات من أعمال تتخللها معصية الله سبحانه أو ينتهك فيها شرع الله تعالى.

فحينما كانت تلجأ الحكومة إلى إقامة الحفلات لجمع التبرعات للمنكوبين والتي كانت يتخللها الكثير من المخالفات الشرعية وقف الإخوان ضد هذه الحفلات حيث إنها قائمة على حرام لا تبرر لأي سبب، وفي حديث مجلة "الإخوان المسلمون" مع صاحب السمو الملكي الأمير محمد علي وافق الإخوان الأمير على تعزيز كل عمل خيري، ولكن بشرط أن يتوافر له الخير في وسائله، وأنه من الواجب ألا تتنافى الحفلات الخيرية التي تقام مع التقاليد الأخلاقية، أو الذوق السليم، وأن الخير لا يجوز أن يبذل التماسًا للتظاهر، ولا أن يستدر بمغريات اللهو العابث كحفلات الرقص وموائد الميسر، ولقد يتفاقم الأمر بحيث لا يمكن قبوله مثل حفلة راقصة في أحد المستشفيات الكبيرة تعزف الموسيقى الصاخبة بالدور الأول من المستشفيات بينما يئن المرضى في الدور الثاني(29).

كما أنكر الإخوان بشدة أن تجمع التبرعات لفلسطين بحفلات راقصة، فتحت عنوان: "لا ينال نصر الله بمعصية الله" كتبت "النذير": أقام النادي الفلسطيني العربي حفلته الساهرة لإعانة منكوبي فلسطين بزعامة بديعة مصابني وأمثالهن، وقد طربنا لإنشاء ناد للدعاية الفلسطينية في القاهرة، ولكن للأسف البالغ كان هذا النادي دعاية ضد الحركة الفلسطينية الطاهرة "وليتها لم تزن ولم تتصدق؟(30).

وقد سر الإخوان كثيرًا عندما وجدوا لأعمالهم صدى داخل البرلمان، معتبرين أن ذلك هو الطريق القويم، فعندما هاجم النائب سعد اللبان الجمعيات التي تطلق على أنفسها جمعيات البر والإحسان، وتقيم حفلات راقصة صاخبة يباح فيها الخمر والميسر أيده الإخوان في هذه الحملة، معتبرين أن هذه الجمعيات إنما تنشر الإثم والفسوق باسم البر والإحسان من: عرض فصول من الرقص، والتمثيل، والغناء.

كما شكر الإخوان في ذلك معالي وزير الشئون الاجتماعية فؤاد باشا سراج الدين لتصريحه على أثر هذه الحملة الصادقة بأن الحكومة لن تصرح بإقامة مثل هذه الحفلات، معتبرين أن هذه خطوة موفقة، راجين أن يتبعها بخطوات لتطهير سائر المجتمع المصري من المنكرات(31).

 

الإخوان والعمل الإغاثي الخارجي

لم يتوقف العمل الإغاثي للإخوان على العمل داخل مصر فحسب، بل اهتم الإخوان– على قدر استطاعتهم بما يجرى في الدول العربية– فحينما قامت احتجاجات من الشعب السوري ضد فرنسا بسبب ما قامت به من عمليات إجرامية ضد الشعب، حتى أنها قامت بغارة على سوريا راح ضحيتها الكثير من الشعب عام 1945م، أوفد مكتب الإرشاد العام للإخوان المسلمين بعثتهم الطبية للمساهمة في إغاثة منكوبي سوريا، حيث تكونت اللجنة من الدكتور محمد أحمد سليمان رئيسًا والأستاذ عبد الحكيم عابدين سكرتيرًا، والدكتور علي البرلسي والأستاذ علي محمد مطاوع والآنسة زبيدة أحمد أعضاء، وقد افتتحت البعثة في دمشق عيادة خارجية بلغ عدد الذين ترددوا عليها يوميًّا نحو مائتي شخص(32).

 

قسم البر والخدمة الاجتماعية وتوقف المسيرة

لم يستحسن الإخوان العمل التطوعي القائم على الجهود الفردية أو العشوائية لكنهم كعادتهم جماعية منظمة فقد أنشأوا قسم يقوم على شئون الفقراء وتقديم الخدمة للجميع.

فبعد صدورِ القانونِ رقم 49 لسنةِ 1945، أصبح مكتبُ المساعداتِ الاجتماعيةِ قسمًا مستقلًا، وسُمي باسم: "جماعات أقسام البرِّ والخدمةِ الاجتماعيةِ للإخوانِ المسلمين"، وتطور العملُ به حتى صار له 500 شعبة في أنحاء مصر تشرف عليها وزارةُ الشئون الاجتماعية، والذي كان له دور كبير في العمل الاغاثي(33).

توقفت مسيرة العمل الخيري التطوعي في مجالات الإغاثي والتي كان يقوم بها الإخوان تجاه المجتمع، بعدما أصدر النقراشي باشا قرار بحل جماعة الإخوان المسلمين في 8 ديسمبر 1948م، حيث تمت مصادرة كل أملاك ومؤسسات الإخوان بما فيها المستوصفات، والمراكز الصحية، وظل الأمر كذلك حتى حكمت المحكمة بعودة الإخوان، وإلغاء قرار الحل الصادر من قبل النقراشي وذلك عام 1951م، إلا أن حكومة الوفد ماطلت بعض الشيء في تسليم هذه الممتلكات حتى تم بالفعل رجوعها فنشط الإخوان مرة أخرى في مجال التربية والعمل الخدمي للشعب.

غير أن الفترة التي تلت ثورة يوليو لم تشهد رواج عملي للعمل الإغاثي مثل الفترة التي عاشتها الجماعة فترة الأستاذ البنا، فسرعان ما قلب عسكر ثورة 23 يوليو ظهر المجن، وأصدروا قرار في يناير 1954م باعتبار جماعة الإخوان حزبا سياسيا ومن ثم يطبق عليها قانون حل الأحزاب فحلت الجماعة وأغلقت كل المؤسسة الخيرية، على الرغم من أن العسكر أعلنوا غير ذلك، حيث صرح البكباشي أنور السادات بأن المؤسسات الاجتماعية لجماعة الإخوان المسلمين المنحلة كالمدارس والمستوصفات والمستشفيات وغيرها ستظل تمارس نشاطها تحت اسم جديد يحدده وزير الداخلية، ولا ينطبق علي هذه المؤسسات قرار المصادرة الذي يقضي به أمر حل الأحزاب ومصادرة أموالها وممتلكاتها(34).

لكن يبدو أن العمل الخيري كله قد توقف، تقول هالة مصطفى: مرحلة ما بعد ثورة 1952م وهي مرحلة الانكسار في العمل الأهلي في مصر، إذ توجه النظام الثوري منذ بدايتها لإنشاء وتأسيس نظام شمولي يسعى إلى امتلاك كل شيء وتقييد كل حركة خارجه خاصة بعد انتصاره في معاركه المختلفة ضد شركائه من الإخوان أو الشيوعيين أو الجناح الديمقراطي داخل مجلس قيادة الثورة، فقد تم خلال هذه الفترة ضرب مختلف الجمعيات الإسلامية وفي مقدمتها حركة الإخوان المسلمين(35).

ظلت الأمور في هذه الفترة على هذا الحال للأوضاع التي كانت تعيشها البلاد، حتى دخلت الجماعة طور المحنة بعد حادثة المنشية عام 1954م واعتقل الآلاف منهم وغيبت في السجون عشرات السنين، حتى خرجوا من السجون في السبعينات بعدما مات عبد الناصر وتولى السادات مقاليد الحكم.

بعدما خرج الإخوان بدأوا في إعادة هيكلة الجماعة، ولم شمل أفرادها ثم الانطلاق داخل المجتمع حيث اهتموا بسابق عهدهم بالمجالات الإغاثية.

يقول د/ حسنين توفيق إبراهيم: الإخوان هم الذين أسسوا خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات شبكة واسعة من المؤسسات الخيرية التي تقوم بتقديم خدمات صحية وتربوية وثقافية ودينية ومساعدات اقتصادية لفئات واسعة من المواطنين وبخاصة في الأحياء والمناطق الفقيرة مما سمح بخلق ارتباطات مصلحية بين الإخوان وتلك الفئات.

إن أنشطة الجماعة على صعيد خدمة المجتمع والمتمثلة في شبكة المؤسسات التربوية والصحية والاجتماعية التي أنشأتها لتقدم خدماتها مجانا، أو بمقابل رمزي لقطاعات من المواطنين وبخاصة الأحياء المتوسطة والفقيرة في المدن، هذه الأنشطة ساهمت في توسيع قاعدة التأييد السياسي للجماعة(36).

ويقول هشام العوضي: فمرحلة التسعينيات وحتى الآن العلاقة بين النظام والإخوان اتسمت بالتوتر لأن الجماعة رغم كونها محجوبة عن الشرعية القانونية والرسمية استطاعت أن تحقق نمطا آخر من أنماط الشرعية أسميتها " الشرعية المجتمعية " أو  " الشرعية الخدمية" أو "شرعية الانجاز" وهي شرعية مكتسبة من إنجاز خدمات، صحية ونقابية, وتعليمية وتكافلية .. الخ) لشرائح المجتمع  المصري ولا سيما شريحة  الطبقة  المتوسطة اكتسبت جماعة الإخوان  بفضل وجود تفاعل جيل جديد داخل الحركة شرعية غير رسمية، وقد حدث ذلك التطور الجوهري  في سياق تدهور شرعية النظام  وبين المجتمع(37).

 

الإخوان وإغاثة الأفغان

ترجع علاقة الإخوان بأفغانستان منذ عهد الإمام البنا، غير أنها زادت حينما قدم بعض الطلاب في الستينيات أمثال عبدرب الرسول سياف وبرهان الدين رباني للتعليم في الأزهر وهو الوقت الذي سمعوا فيه عن فكر الإخوان– رغم حصار عبدالناصر عليه– فعادوا بالفكرة، يقول قاضي حامد سليمان: خلال 1960م ذهب كثير من الطلاب الأفغان إلى مصر للدراسة في جامعة الأزهر أيضا. وكان هؤلاء الطلاب الذين لعبوا لاحقا دورا قياديا في الجهاد ضد السوفيت في 1980م أمثال عبد رب الرسول سياف وبرهان الدين رباني، وقد نشط هؤلاء وسط طلبة الجامعة حيث استطاعوا أن ينشروا فكر وفهم الإخوان المسلمين وسط الطلبة، حتى أن حكومة داود خان وضعت هؤلاء الطلبة تحت المراقبة، حتى أنه عندما اندلعت مظاهرة للطلبة قامت الشرطة بتفرقة الطلبة بالقوة وقتلوا بعضهم(38).

غير أن محمد داود خان طبق نظامًا ديكتاتوريًّا في حكمه– كما ذكر يقول مصطفى عاشور- فقيَّد الحريات، واضطهد الوطنيين، ولم يراعِ القواعد الإسلامية التي نصَّ عليها الدستور، وكان يتجه إلى اليمين والغرب بعض الوقت، وإلى اليسار والسوفييت البعض الآخر، وهو ما شجَّع "نور محمد تراقي" زعيم منظمة "خلق" الشيوعية إلى القيام بانقلاب في [جمادى الأولى 1398هـ = إبريل 1978م] أطاح فيه بالرئيس داود، واستولى هو على الحكم، فتوثَّقت العلاقات بدرجة أكبر بين الاتحاد السوفيتي وأفغانستان، وعلى النحو الذي يحقق الهدف الأسمى للاتحاد السوفييتي، وهو أن يحاط بحكومات ماركسية وصديقة في آن واحد.

واضطهد تراقي الحركات الإسلامية في أفغانستان، وقتل عشرات الآلاف، ونشبت اختلافات بين أركان الحكم في البلاد، خاصة بين تراقي وبابراك كارمل المتطرف اليساري، إلا أن الأمر لم يكن ليشكل خطرًا بالنسبة لموسكو، لولا حدوث بعض التطورات في المنطقة، ويأتي في مقدمتها انتصار الثورة الإسلامية على الشاه في إيران وتوليها زمام السلطة في طهران، وكان هذا الانتصار مفاجئًا للسوفييت الذين استثمروا هذا الحدث، بالإضافة إلى الانقلاب الذي قام به "حفيظ الله أمين" رئيس الحكومة الأفغانية ضد الرئيس تراقي في [28 من ربيع الآخر 1399هـ = 28 مارس 1979م] وقُتِل فيه تراقي؛ لتكون للسوفيت اليد الطولى في المنطقة.

وأدرك الشعب الأفغاني المسلم الاتجاه الشيوعي للنظام الجديد، فقاموا بثورة عارمة قوبلت بوحشية شديدة من نظام حفيظ الله الشيوعي، حيث سُجِن عشرات الآلاف، وأُعْدِم الكثيرون، وفي نفس الوقت زادت نسبة الهروب من الجيش الأفغاني والانضمام إلى الثوار، عند هذا الحد قرَّرت موسكو أن تتدخل بنفسها، وبدأ مع منتصف يوم (6 صفر 1400هـ = 25 ديسمبر 1979م) نقل طلائع القوات السوفييتية إلى أفغانستان.

غير أن مجاهدي أفغانستان- وعلى رأسهم قادة جماعة الإخوان أمثال سياف وغيره-  أعلنوا عن قيام جبهة موحَّدة للجهاد ضد الروس تحت اسم "الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان" برئاسة الشيخ "عبد رب الرسول سياف" في 9 رجب 1402 هـ = 3 مايو 1982م(39).

وفي مصر تضافر الإخوان مع إخوانهم في أفغانستان، فندد الإخوان باحتلال الاتحاد السوفيتي لأفغانستان، كما أرسلوا الوحدات الطبية وبعض المجاهدين أمثال الشهيد كمال السنانيري وعبدالمنعم أبو الفتوح وغيرهم.

ولقد كتب مجلة الدعوة في عددها الخامس والأربعون تحث المسلمين على التصدي لهذا الغزو تحت عنوان(يا حكام المسلمين أفغانستان ليست الأولى ولن تكون الأخيرة.

كما كتب الأستاذ عبدالمنعم سليم جبارة في نفس المجلة في عددها السابع والأربعين تحت عنوان (الطريق إلى أفغانستان) حيث حذر من المعاهدات والحلاف مع موسكو وواشنطن تعني مصالح الاستعمار على حساب الشعوب.

وكتب أيضا في العدد الثالث والأربعين تحت عنوان (مسلمو أفغانستان بين صمت حكام المسلمين وحرب الإبادة الروسية)(40) .

واستمر العمل الإغاثي في الجماعة، يقول عبد المنعم أبو الفتوح: (… في نهاية عام 1979اجتاحت الجيوش السّوفياتية أراضي أفغانستان لدعم الحكومة الشيوعيّة في كابول فقمنا لنصرة إخواننا في تعاطف فطري وبتصوّر بسيط بل ساذج لمفهوم الجهاد وإقامته كنّا خاصّة القيادات الطلابية نتصوّر أن المسألة سهلة لا تبعد كثيرا عمّا فعله الإخوان المسلمون في فلسطين في حرب عام 1948 نظّمنا عددا من الفعاليات الشّعبية ومنها مؤتمرات في الأزهر الشريف، دعونا فيها الشّباب للتّطوّع من أجل الجهاد وشارك في هذه الحملة عدد من العلماء والشّيوخ في مقدّمتهم عمر التلمساني ومحمد الغزالي وأحمد المحلاّوي وحافظ سلامة، في هذا الوقت دار نقاش طويل بين قيادة الإخوان حول الشكل الأنسب لدعم الشعب الأفغاني وقضيته وبعد أخذ وردّ استقر الرأي على أن تقتصر جهود الإخوان على الإغاثة والدعم المالي والتعريف بالقضية ونشرها وكان هناك سببان لعدم المشاركة العسكرية أوّلهما أنّها كانت رغبة عدد من قادة المجاهدين ممن لنا بهم صلات مباشرة مثل: عبد ربّ الرّسول سيّاف وبرهان الدّين ربّاني فقد أكدوا لنا أنّهم لا يحتاجون أفرادا أو جنودا ولكنهم بحاجة إلى المال والمؤونة، أما السبب الثاني والذي لا يقلّ أهمية فهو عدم ثقتنا بالأنظمة العربية التي فتحت أبوابها أمام الشباب للجهاد فقد كنا نشعر أنّ ذلك العمل ليس لوجه الله وأنّ هذه الأنظمة لو كانت حريصة على الإسلام لكان أولى بها أن تعمل له في بلادها وأنّها لم تفعل ذلك إلاّ بعد أن أذنت لها أمريكا وأنّها من السّهل أن تنقلب على أولئك الشباب الطّيبين بعد ذلك وهو ما حدث بالفعل.

كان عدد من الإخوان القُدامى يؤيّدون المشاركة العسكريّة والعمل الجهادي لكن الاتجاه العام الذي حسم موقف الجماعة كان عدم المشاركة العسكريّة والاكتفاء بالدّعم الإغاثي والإنساني والمعنوي(41).

اهتم الإخوان بالجانب الإغاثي على الجانب العسكري لخشيتهم من أن تنقلب الأنظمة العربية الداعمة للجهاد على المجاهدين فيوظف الأمر لاحقا ضد الإخوان– وهو ما حدث فعليا بعد ذلك ضد المجاهدين– فاكتفى الاخوان بالدعم الاغاثي في هذه الحرب، وقد تكرر الأمر في حرب البوسنة والهرسك(42).

 

الإخوان ولجنة الإغاثة الإنسانية

هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات، أو هيئة الإغاثة الإنسانية والمعروفة بالإنجليزية (IHH) تأسست في إسطنبول عام 1992م بهدف جمع التبرعات والمساعدات الإنسانية وتقديمها لضحايا حرب البوسنة المسلمين، ومارست نشاطاتها في إطار العمل التطوعي حتى عام 1995م حين تم الإعلان عن تأسيسها كهيئة إغاثة إنسانية ومقرها إسطنبول. استمرت الهيئة في ممارسة نشاطاتها وإيصال المساعدات الإنسانية إلى مناطق الأزمات والصراعات مثل الشيشان وفلسطين وكوسوفا وسوريا حتى شملت العديد من البلدان في القارات الخمس.

والمتابع لأنشطة الإغاثة الإنسانية الإسلامية يلاحظ ارتباطها في الغالب ببؤر الصراع في العالم العربي والإسلامي، ومن هنا يأتي الحضور المكثف للقضية الفلسطينية في أنشطة الجمعيات الخيرية والمؤسسات الإغاثية.

لكن المعروف أن هيئة الإغاثة الإنسانية في مصر كانت قد تأسست في وقت سابق، بعدما تأسست في بريطانيا منظمة الإغاثة الإسلامية عبر العالم وهي المنظمة التي تم تأسيسها عام 1984 في بريطانيا بمشاركة مجموعة من شباب مصر الذين كانوا يدرسون للماجستير أو الدكتوراه وقتها وكان من بين المؤسسين الدكتور عصام الحداد، يقول الدكتور مجدي سعيد: تأسست لجنة الإغاثة بعد دخول التيار الإسلامي لنقابة الأطباء عام 1984 كإحدى لجان النقابة وصدر قرار إنشائها من مجلس النقابة في 3 مايو عام 1985 واقتضى القرار المساهمة في تنظيم سفر الأطباء لإغاثة المهاجرين واللاجئين(43).

لكن يبدو أن هناك اختلاف بين هيئة الإغاثة الإسلامية التي تأسست في بريطانيا والتي تأسس فرع لها في مصر بعد ثورة يناير وأغلق بعد انقلاب 2013م- والتي كان سفيرها في الشرق الأوسط في وقت من الأوقات الفنان طارق الدسوقي- وهيئة الإغاثة الانسانية، لكن في النهاية عمل الجميع على إغاثة المنكوبين.

حيث جاء في تعريف هيئة الإغاثة الإسلامية: [منظمة الإغاثة الإسلامية منظمة إسلامية عالمية خيرية، تأسست سنة 1984م بمدينة "برمنغهام" شمال لندن ببريطانيا ويرأسها د.هاني البنا. والإغاثة الإسلامية أيضًا عضو ناشط (فئة خاصة) في المجلس الاجتماعي والاقتصادي التابع للأمم المتحدة، وضمن الموقعين على ميثاق سلوك المهنة لمنظمة الصليب الأحمر الدولية والهلال الأحمر وإغاثة الكوارث التابعة للمنظمات غير الحكومية. كما أنها عضو معترف به في المنظمات التنموية البريطانية غير الحكومية العاملة في الخارج.

وعلى الصعيد الدولي, تتمتع الإغاثة الإسلامية بمركز استشاري لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة. وهي أحد الموقعين على مدونة الصليب الأحمر والهلال الأحمر الدولية لقواعد السلوك. وفي عام 2010 حصلت الإغاثة على المركز الثاني في الشفافية المالية من بين أكثر من 200,000 مؤسسة خيرية بريطانية](44) .

يقول هاني نسيرة: تقوم اغلب الجمعيات الأهلية الإسلامية في مصر- خاصة الجماهيرية منها– بأدوار اجتماعية وإنسانية وخدمية عديدة لقطاعات واسعة من الجماهير خاصة الفقير منها، وتنشئ لذلك المشاريع وفق الأهداف والوسائل الإسلامية من قبل مشروع كفالة اليتيم وزواج اليتامى والعلاج المجاني ... كما أن دور هذه الجمعيات قد اتضح أكثر خلال الأزمات والكوارث التي مرت بها مصر، سواء طبيعية كأزمة الزلزال سنة 1992 أو أزمات السيول عامي 1993، 1994 وغيرها . كما أن لها دورها الخدمي والإنساني في مناطقها الخاصة ومجالات عملها في مساعدة المنكوبين والمحتاجين دون تمييز أو أدلجة محددة !! لذا كان استهدافها من قبل الإدارة الأمريكية عن طريق الحكومة المصرية غير مسموح له بالمرور سوي بما تراه الحكومة في مصلحتها(45).

يضيف الدكتور مجدي سعيد: وقد بدأت هذه اللجنة عملها في أفغانستان عن طريق التعاون مع مؤسسات إغاثية أخرى مثل لجنة الدعوة الإسلامية في الكويت بإمدادها بالأطباء في التخصصات المختلفة، وقد ظل عمل هذه اللجنة محدودا ومقتصرا على أفغانستان حتى اتسع ليشمل فلسطين بعد تصاعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، فبدأ جمع التبرعات من أجلها، كما قامت اللجنة بأنشطة مشابهة في السودان أثناء فيضانات عام 1988، كما أعلنت اللجنة استعدادها لإمداد الكويت بفرق إغاثية أثناء حرب الخليج عام 1990 وقد سافر وفد من اللجنة إلى منطقة الرويشد الحدودية وشارك في تقديم الخدمات الطبية لأهلها ومنكوبيها. كما قامت اللجنة بالتعاون مع الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بإرسال فرق طبية إلي منطقة الأكراد في شمال العراق، وعن طريق التعاون مع جامعة الدول العربية سافر وفد من اللجنة في 28 مايو 1992 إلي الصومال.

كما كان للجنة دورها المحلي داخل مصر في عدد من الكوارث هي :

1) كوارث زاوية عبد القادر عام 1992.

2) أحداث السيول عام 1993، 1994.

3) في إغاثة منكوبي حريق جبل الطيرة في المنيا عام 1995.

 كما ساهمت اللجنة في خدمة قطاعات واسعة من الجماهير في هذه الفترة(46).

أبرزت اللجنة أثناء الكوارث الداخلية- بخاصة– فاعلية هائلة، إذ سبقت كل أجهزة الدولة في تقديم الخدمة للمنكوبين وهو ما أدركه المنكوبون وأذاعته CNN– BBC  في وقته ...فضلا عن الأحداث الخارجية خاصة بعد تصاعد أحداث التطهير العرقي في البوسنة، وتحرك اللجنة للمشاركة في إغاثة الشعب البوسني، ومساعدته سواء بالمال أو المشاريع الطبية، كما اتسع عمل اللجنة ليشمل بعض المناطق الباردة التي لم تشهد حروبا في ذلك الوقت مثل ألبانيا وروسيا التي افتتح فيها مكتب في موسكو ومخاتشكالا عاصمة داغستان إضافة لمكتب في الشيشان وآخر في اذربيجان بعد أن نالت اللجنة عضوية المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة في 23 أغسطس عام 1993م(47).

كان للإخوان دور واضح وفعال فى دعم شعب البوسنة فقد.. انتفض الإخوان .. ومن ورائهم شعب مصر كله يدافعون عن المسلمين فى البوسنة والهرسك .. يجمعون التبرعات لمساعدة شعب البوسنة والهرسك المسلم .. بالسلاح .. والغذاء .. والكساء ، نظموا المظاهرات .. عقدوا المؤتمرات .. كفلوا اليتامى .. وعالجوا المرضى .. وأنشأوا لجنة الإغاثة الإسلامية العالمية .. وضربوا أروع أمثلة التكافل والاتحاد .. والنصرة .. حتى قال علي عزت بيجوفيتش ( رئيس البوسنة والهرسك) " لولا الإخوان في مصر لضاعت البوسنة والهرسك.

ولكن رغم ذلك بدأت الشبه الدولية والداخلية تتصاعد في آن واحد حول دور اللجنة– اتصالاتها وعلاقاتها-بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين وقوي المقاومة في هذه الدول والمناطق المنكوبة وكان ذلك تمهيدا لضرب اللجنة في عام 1994 بتهمة تمويل الحرب في البوسنة والهرسك والمساهمة في توريد العرب الذين يشاركون في الحرب وذلك كما يقول أحد ناشطي الإغاثة اعتمادا علي السمعة السيئة والدفع بالإرهاب الذي أصاب العائدين من أفغانستان وفي ظل أجواء الصراع بين الحكومة وقوي الإسلام السياسي، وتم اعتقال عدد من موظفي ونشطاء اللجنة وعلى رأسهم أمينها د. أشرف عبد الغفار وإصدار قرار عسكري يجرم جمع التبرعات ويقصرها فقط على الهلال الأحمر المصري ومصادرة جميع أموال اللجنة(48).

وقد أفادت هذه التجربة السابقة لجنة الإغاثة الإنسانية بنقابة الأطباء حين استعادت دورها بقوة مع بدء الانتفاضة الفلسطينية عام 2000 ، سواء في التعامل مع الجهات الرسمية أو منطقة المجال الإغاثي، فصارت لا تلزم سوى الجهات الرسمية سواء عن طريق وزارة الصحة المصرية أو مكاتب وزارة الخارجية المصرية بالدول والمناطق ( مجال الإغاثة ) والجمعيات الفاعلة بحق في هذه المناطق، أو حتى داخل مصر. فيذكر تقرير اللجنة في الفترة من يناير 2001 : يوليو 2002 أنها قدمت للشعب الفلسطيني دعما طبيا ودوائيا وصل حجمه حتى 31 / 7 / 2002 ما قيمته 12.552.828 جنيه مصري، كما قدمت للعراق أدوية قيمتها تقريبا 30000 جنيه مصري، كما قدمت إعانات مماثلة للسودان (خيام وأدوية قيمتها مائة ألف جنيه) وللبوسنة والهرسك 40 ألف دولار، وكوسوفا (أجهزة طبية بقيمة 30 ألف دولار) وإلى لاجئي اذربيجان بالتعاون مع الصندوق الفني لدول الكومنولث بوزارة الخارجية المصرية قدمت أدوية بـ 20 ألف دولار وتعد الآن عيادة طبية دائمة بها ... كما تقوم اللجنة بمشروعين إغاثيين إنسانيين داخل مقرها (رعاية المعاقين وإعانة الكوارث) قدمت خلالهما إعانات بما قيمته 350121 ألف جنيه مصري فيكون ما قدمته لجنة الإغاثة الإنسانية بنقابة الأطباء المصرية فقط خلال هذا العام (خلال الفترة من أثناء وحتي 31 / 7 / 2002  ما يوازي  140.922.949جنيه مصري رغم ما تعانيه آليات العمل من معوقات سواء على المستوى الخارجي في شأن التصاريح والتضييق بعد الحادي عشر من سبتمبر خصوصا أو هاجس الارتباط بالإسلام السياسي علي المستوي الداخلي وتظل هذه التجربة قائمة رغم محاولات قتلها وكبحها كمظهر فذ لتحدي الفطرة الإنسانية والكرامة الأخلاقية في معاونة المحتاجين والتائقين للإعانة والإغاثة(49).

وفي عام 2008 و2009، و2010 أدخلت لجنة الإغاثة الإنسانية العديد من شاحنات الأدوية إلى قطاع غزة رغم التعنت الأمني المصري بل واعتقال العديد من المشاركين في هذه القوافل(50).

 

الإخوان وزلزال 1992م

عند الساعة الثالثة و 9 دقائق عصرًا تقريبا وقع زلزال القاهرة 1992 في يوم 12 أكتوبر 1992 وكان مركزه بالقرب من دهشور على بعد 35 كيلومترا إلى الجنوب الغربي من القاهرة، واستمر الزلزال لمدة نصف دقيقة تقريبًا مما أصاب معظم بيوت شمال مصر-القديمة منها- بتصدعات وبعضها تهدم منه، وبلغت قوة الزلزال 5.8 درجة على مقياس ريختر ولكنه كان مدمرا بشكل غير عادي بالنسبة لحجمه، وقد تسبب في وفاة 545 شخصا وإصابة 6512 آخرين وشرد حوالي 50000 شخص إذ أصبحوا بلا مأوى.

انتفض الإخوان في كل مكان لإنقاذ المنكوبين من جراء الزلزال، حتى أنهم سبقوا الحكومة في ذلك.

يقول الباحث أحمد بان: كانت الكارثة كبيرة وكشفت حجم الفساد في المحليات والنقص الفادح في إمكانات التعامل مع الكوارث، فانتشرت على الفور فرق المتطوعين من الإخوان في الأماكن المنكوبة، وقامت نقابة المهندسين من خلال عدد من مهندسي الإخوان فيها بمعاينة المنازل المتضررة بأسرع مما تحركت به الجهات الرسمية، كذلك قلمت نقابة الأطباء من خلال لجنة الإغاثة الإنسانية التي كان يسيطر عليها الإخوان بنشر المخيمات وإعاشة المنكوبين والمساعدة في إخلاء الضحايا بدرجة واضحة من النظام والدقة التي كانت حديث وسائل الإعلام في الخارج، بما آثار حفيظة الحكومة التي تحركت بعدها مباشرة بإصدار قانون يحول دون وصول الإخوان لمجالس هذه النقابات(51).

ويقول شارل المصري: لقد سبق الإخوان الحكومة ونافسوها في الخدمات، والدليل عندما وقع الزلزال في أكتوبر 1992م نزل الإخوان إلى الشوارع، ونصبوا الخيام ووزعوا الأدوية، وخدماتهم التي كانوا يقدمونها أفضل من خدمات الحكومة(52).

وذكرت جريدة الحياة فى عددها الصادر فى 16/10/1992 أن نقابة المهندسين شكلت لجنة من جانبها فور وقوع الزلزال لجنة تضم 10 من كبار أساتذة الجامعات وقيادات النقابة فى مجالات الهندسة المدنية والمعمارية للإشراف على عمليات تقويم أحوال المنشآت والعمل على معالجة آثار الأضرار التي لحقت بها..

كما وجهت نداء إلى أعضائها للحضور إلى مقر النقابة بالقاهرة للمساهمة في دراسة البلاغات التي تقدم بها المواطنون في هذا الشأن واستطاع أعضاء المجلس إحضار مالا يقل عن 500 مهندس متخصص للقيام بدور من دون مقابل، ولوحظ أن الاستجابة الفورية لنداء النقابة جاءت بنسبة أكبر من جانب المهندسين المنتمين إلى التيار الإسلامي.

وحرص مندوبو "الإخوان المسلمين" على أن يكونوا إلى جوار منكوبي الزلزال وقدموا لهم معونات مادية وأطعمة وعاونوهم في نقل الأثاث وكان مظهرهم واضحًا من خلال اللحى وعبارات المواساة الإسلامية في مثل هذه المناسبات، ولم يكن هناك دور حقيقي للجمعيات الخيرية التابعة لوزارة الشئون الاجتماعية التي تقدر بأكثر من 3 آلاف جمعية على مستوى الجمهورية(53).

وكشفت أماني قنديل أنه في أعقاب الدور السياسي الذي لعبه الإخوان في أثناء حرب الخليج وفي أثناء حادثة الزلزال والسقوط المفاجئ لنقابة المحامين في يد التنظيم في العام 1992 طلب منها مسئول أمني رفيع المنصب في الحكومة المصرية كتابة تقرير سري عن الإخوان المسلمين وعن استراتيجياتهم التي يستخدمونها في التأثير في النقابات.

وكشفت أماني قنديل أنه في أعقاب  الدور السياسي الذي لعبه الإخوان في أثناء حرب الخليج وفي أثناء حادثة الزلزال والسقوط المفاجئ لنقابة المحامين في  يد التنظيم في العام 1992 طلب منها مسئول أمني رفيع المنصب في الحكومة المصرية كتابة تقرير سري عن الإخوان المسلمين وعن استراتيجياتهم التي يستخدمونها في التأثير في النقابات وحسب  أماني قنديل :" من الواضح أن النظام لم يكن يعرف شيئا عما يجري داخل النقابات لكنه شعر بالانزعاج والحيرة بسبب قدرة الإسلاميين على تأمين أغلبية في انتخاباتهم  داخل النقابات حاولت في تقريري الذي رفعته إلى النظام تحديد آليات التأثير التي يملكها الإخوان وشرح السبب الذي جعل منهم قوة شرعية في النقابات(54).

لم يتوقف العمل الإغاثي الإخواني فقد نجح نواب الإخوان في تمرير أكثر من 70 قافلة إغاثة لغزة عام 2008م، حيث توجَّه 10 أعضاء من نواب الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين، يمثِّلون محافظات: القاهرة، الإسكندرية، المنوفية، دمياط، الإسماعيلية، السويس، وأسيوط عقب الجلسة العامة بمجلس الشعب أمس الاثنين إلى كوبري السلام؛ وذلك لإجراء مفاوضات مع الجهات الأمنية المختصة هناك، والتي تقوم بمنع شحنات الإغاثة الإنسانية من التوجُّه إلى معبر رفح لنصرة إخواننا في فلسطين، وبحث آليات الإعاقة المتعمدة لهذه الشحنات، رغم سماح الرئيس بفتح المعبر لمدة 5 أيام!!.

وجرت المفاوضات بين نواب الإخوان وأجهزة أمن الدولة وقياداتٍ من الجيش أسفرت عن دخول الشاحنات التي كانت محتجَزةً منذ ثلاثة أيام على كوبري السلام، رغم أنها كانت من جهات الإغاثة التابعة لنقابات الأطباء والصيادلة وبعض أعضاء مجلس الشعب.

واستطاع النواب إدخال (500) طن من لبن الأطفال، و(20) ألف طن أرز، (12) ألف طن مكرونة، و(10) أطنان من البطاطس، بالإضافة إلى قوافل مُحمَّلة بأدوية السرطان والغسيل الكلوي، وأدوية ومستلزمات العمليات الجراحية تُقدَّر بـ4 ملايين جنيه، وملابس ومجموعة من الأغطية والبطاطين؛ وذلك عبر أكثر من 70 شاحنة.

وقد مثَّل نواب الإخوان كلٌّ من: حازم فاروق، أشرف بدر الدين، عبد الله عليوة، عبد العزيز خلف، جمال حنفي، عادل حامد، علي فتح الباب، صبري خلف الله، حمدي محمد إسماعيل، سعد خليفة، عباس عبد العزيز، محمد كسبة، ومحمود عطية(55).

كما وجَّه الأستاذ الدكتور محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين في يناير 2010م، التحية والشكر للشعب المصري على جهوده المتميزة في مواجهة آثار السيول التي ضربت كلًا من سيناء وأسوان.

أكد فضيلته أن هذه الجهود ليست جديدةً على الشعب المصري الأصيل الذي يؤكد معدنه الكريم الذي يظهر وقت الأزمات والشدائد، الذي يثبت دعم الإخوان المسلمين لكافة الجهود التي من شأنها التقليل من حدة آثار هذه السيول.

كما قام الإخوان المسلمين في دمنهور وقرية الخط الوسطاني بالبحيرة عام 2011م تبنَّوا حملةً لمواجهة المجاعة في الصومال وجمع تبرعات في كل القرى.

وقام  الإخوان المسلمين بالدقهلية بحملة ناجحة لانقاذ أطفال الصومال بالتنسيق مع اللجنة التنسيقية لحملة "جسد واحد" بتوفير مواد إغاثية للشعب الصومالي الشقيق تُقدَّر بحمولة طائرة؛ حيث امتلأت بها المخازن المتفرقة على مستوى المحافظة.

وقال محمد سعد "نائب مسئول المكتب الإداري بالدقهلية: إننا نتحرك الآن في إنهاء الإجراءات لتسير قافلة إغاثة كبرى "طائرة محملة بمواد الإغاثة" لإخواننا في الصومال بعد التفاعل الكبير من شعب الدقهلية بجميع طوائفه واتجاهاته(56).

وعلى الرغم من العراقيل وفرض الحراسة على النقابات– خاصة المهندسين والمحامين- إلا أن الإخوان ظلوا يعملون على إغاثة المنكوبين في المناطق المتضررة سواء محليا أو عالميا.

ولقد زاد العمل الاغاثي– خاصة لفلسطين– أثناء تولي الرئيس محمد مرسي رئاسة الجمهورية في مصر، لكنه توقف بعد وقوع الانقلاب ضد الرئيس مرسي في يوليو 2013م.

ولقد صدق إحسان عبدالقدوس حينما وصف شباب الإخوان وعملهم الإغاثي بقوله: وستمر في طريقك داخل الدار بمخازن الذخيرة التي يمتلكها الإخوان: وهي الشباب، شباب امتلأت بهم حجرات الدار على سعتها، ترى على وجوههم نور التقوى والإيمان، وفي عيونهم حماسة الجهاد، وبين شفاههم ابتسامة تدعو إلى المحبة والإخاء، وفي يد كل منهم مسبحة انحنى عليها بروحه يذكر اسم الله، وهم مع كل ذلك شبان (مودرن)، لا تحس فيهم الجمود الذي امتاز به رجال الدين وأتباعهم، ولا تسمع في أحاديثهم التعاويذ الجوفاء التي اعتدنا أن نسخر منها، بل إنهم واقعيون يحدثونك حديث الحياة لا حديث الموت، قلوبهم في السماء ولكن أقدامهم على الأرض، يسعون بها بين مرافقها، ويناقشون مشاكلها، ويحسون بأفراحها وأحزانها، وقد تسمع فيهم من "ينكِّت" ومن يحدثك في الاقتصاد والقانون، والهندسة، والطب(57).

 

المصادر 

  1.   حسن علي خفاجي: الخدمة الاجتماعية، الطبعة الثانية، شركة المدينة للطباعة والنشر، جدة، السعودية، 1980م، صـ56.
  2.   عبدالله غلوم حسين: قضايا من واقع المجتمع العربي في الخليج، مجلس وزارة العمل والشؤون بالدول الخليجية ، 1987م، صـ16.
  3.   وحيد عبد المجيد: موقف الإخوان المسلمين المصريين من الديمقراطية، منظور إلي الأفضل، الحياة اللندنية، 31 / 5 / 2001م
  4.   أمين عبدالخالق وغيره: الجمعيات الأهلية الإسلامية، إشراف عبدالغفار شكر، مركز البحوث العربية، نشر دار الأمين للنشر والتوزيع، طـ1، 2001م، صـ20.
  5.   سلمى محمود جمعة محاضرات في طريقة العمل مع الجماعات، الطبعة الأولى، دار المعرفة الجامعية، القاهرة، 2000م، 17.
  6.   مجلة لواء الإسلام– السنة 42– العدد 12– غرة شعبان 1408هـ / 19مارس 1988م– صـ27.
  7.  جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (34)، السنة الرابعة، 17رمضان 1355ﻫ- 1ديسمبر 1936م، صـ2.
  8.   مجلة النذير الأسبوعية ، السنة الثانية ، العدد 25 ، صـ27 ، 21 جمادى الآخرة 1358هـ / 8 أغسطس 1939م.
  9.   محمد شوقي زكي: الإخوان المسلمون والمجتمع المصري، القاهرة ، مكتبة وهبة، 1958م، صـ145.
  10.   الإخوان المسلمون اليومية، العدد 719، السنة الثالثة، 2 ذو القعدة 1367ﻫ- 5سبتمبر 1948م، صـ1.
  11.   جريدة الإخوان المسلمين: السنة الرابعة– العدد 8- 12ربيع الأول 1355هـ / 2يونيو 1936م.
  12.   جريدة الإخوان المسلمين: السنة الرابعة– العدد 18– 23جماد أول 1355هـ / 11أغسطس 1936م.
  13.   الإخوان المسلمين اليومية– العدد 721– السنة الثالثة– 4 ذو القعدة 1367هـ-  7 سبتمبر 1948م– ص1 ، 7
  14.  مجلة النذير، العدد (3)، السنة الثانية، 15محرم 1358ﻫ/ 7مارس 1939م، صـ10.
  15.   مجلة منبر الشرقية– السنة السادسة عشر– العدد 451 ، 2 جمادى الآخرة 1360هـ / 27 يونيو 1941م، صـ4
  16.   مجلة الأمير– السنة الثانية عشر– العدد 530 ، 10جمادى الآخرة 1360هـ / 5 يوليو 1941م، صـ2.
  17.   مجلة الصعيد الأقصى– السنة الخامسة– العدد 236– 8 ربيع الآخر 1360هـ / 5 مايو 1941م.
  18.  جريدة الإخوان المسلمين: العدد (28)، السنة الثانية، 17صفر 1363ﻫ/ 12فبراير 1944م، صـ8.
  19.   مجلة الإخوان المسلمون: العدد 101، السنة الرابعة، 9 جماد ثان 1365, 11 /5 / 1946م، صـ 13,12.
  20.   محمد شوقي زكي، الإخوان المسلمون والمجتمع المصري ،مرجع سابق.
  21.   المركز العام, نشرة إخبارية رقم1 غير منشورة, 8ذو الحجة 1366هـ, أول نوفمبر1947.
  22.   مجلة الإخوان المسلمين: العدد 173 السنة 5 / 4 ذو الحجة1366 هـ,18/10/1947م، صـ14.
  23.   جريدة الإخوان المسلمين اليومية العدد430 السنة 2/11 ذو القعدة 1366هـ, 26/9/1947 ص6.
  24.   عادل حسنين: مصر والمصريين من الملكية إلى الجمهورية, الطبعة الأولى, دار أمادو للنشر 2002 صـ46.
  25.   المركز العام: نشرة إخبارية رقم1 غير منشورة, 8ذو الحجة 1366هـ, أول نوفمبر 1947
  26.   المركز العام: نشرة إخبارية المرجع السابق.
  27.   جريدة الإخوان اليومية: العدد 474 السنة 2 / 5 محرم 1367هـ, 18/11/1947م، صـ3 والأعداد التي تلتها.
  28.   عباس السيسي: في قافلة الإخوان المسلمين،  دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 2000م،  صـ 139، 140.
  29.   مجلة الإخوان المسلمين: العدد 33، السنة الثانية، 29ربيع الآخر 1363ﻫ/ 22أبريل 1944م، صـ6.
  30.   مجلة النذير، العدد 34، السنة الأولى، 3ذو الحجة 1357ﻫ/ 24يناير 1939م، صـ10.
  31.  جريدة الإخوان المسلمين: العدد 39، السنة الثانية، 24رجب 1363ﻫ/ 15يوليو 1944م، صـ10.
  32.  المرجع السابق: العدد 62، السنة الثالثة، 18رجب 1364ﻫ/ 28يونيو 1945م، صـ12.
  33.   جمعة أمين عبدالعزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، الجزء الخامس، دار التوزيع والنشر الإسلامية.
  34.   محمد عبد الحكيم الخيال ومحمود الجوهري: الأخوات المسلمات وبناء الأسرة القرآنية، الإسكندرية، دار الدعوة للطبع والنشر والتوزيع, 1980م.
  35.   هالة مصطفي ، الدولة والحركات الإسلامية بين المهادنة والمواجهة في عهدي السادات ومبارك ، مركز المحروسة للنشر عام 1995 صـ 339.
  36.   حسنين توفيق إبراهيم، هدى راغب عوض: الدور السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في ظل التعددية السياسية المقيدة في مصر ..دراسة في الممارسة السياسية، 1984– 1990م، طـ 1،مركز المحروسة للبحوث والتدريب والنشر، القاهرة، 1996م، صـ 320.
  37.   هشام العوضي: صراع على الشرعية الإخوان المسلمون ومبارك (1982– 2007) مركز دراسات الوحدة العربية (سلسلة أطروحات الدكتوراه ( 74)، 2009م، صـ 332.
  38.   جماعة الإخوان المسلمين وعلاقتها بأفغانستان: ويكيبيديا الإخوان المسلمين، http://cutt.us/Kpv6
  39.   جماعة الإخوان المسلمين وعلاقتها بأفغانستان: مرجع سابق.
  40.   مجلة الدعوة: العدد 45، السنة 29، ربيع الأول 1400 هـ الموافق فبراير 1980م وما بعدها.
  41.   حسام تمام: عبدالمنعم أبو الفتوح شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر، دار الشروق، مصر، الطبعة الثانية، 2012م، صـ107.
  42.   حسام تمام: الإخوان المسلمون سنوات ما قبل الثورة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى، 2012م.
  43.   مجدي علي سعيد . لجنة الإغاثة الانسانية (مناخ النشأة وعوامل انتهاء الدور)، ورقة غير منشورة مقدمة إلى مؤتمر "الإسلاميون والمجتمع المدني" ! المركز الدولي للدراسات، سنة 2000م.
  44.   الموقع الرسمي لهيئة الإغاثة الإسلامية: http://cutt.us/twMHL
  45.   هاني نسيرة: الجمعيات الخيرية والإنسانية الإسلامية في مصر (دراسة نظرية وميدانية)، دراسة مقدمة لمؤتمر باريس للجمعيات الإنسانية والخيرية  9-10/1/2003م.
  46.   مجدي علي سعيد . لجنة الإغاثة الانسانية ، مرجع سابق.
  47.   مجدي علي سعيد: المرجع السابق.
  48.   أحوال مصرية: العدد 20، 26- المركز 2003م.
  49.   تقرير لجنة الإغاثة ، يوليو 2002 ، إعداد د. عبد القادر حجازي أمين عام اللجنة.
  50.   للمزيد راجع تقرير معلومات (20): قوافل كسر الحصار عن قطاع غزة، قسم الأرشيف والمعلومات، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، صـ 13- 33.
  51.   أحمد بان: الإخوان المسلمون ومحنة الوطن والدين، الطبعة الأولى، مركز المحروسة، 2015م، صـ50.
  52.   شارل فؤاد المصري: رحلات ابن فؤاد في وصف البلاد والعباد، الجزء الأول، دار نهضة مصر للنشر، القاهرة، 2015م.
  53.   محمد حبيب: عن الحياة والدعوة والسياسة والفكر، دار الشروق، مصر، 2012م، صـ357.
  54.   هشام العوضي: صراع على الشرعية الإخوان المسلمون ومبارك: مرجع سابق، صـ 171.
  55.   إخوان أون لاين: نواب الإخوان ينجحون في تمرير أكثر من 70 قافلة إغاثة لغزة، 29 يناير 2008م.
  56.   إخوان أون لاين: طائرة إغاثة للصومال من إخوان الدقهلية، 2011م
  57.   إحسان عبد القدوس: روزاليوسف، 13 سبتمبر 1945م.

 

قد يعجبك ايضا