المأمون الهضيبي وبحور التربية
المنتدى الإسلامي العالمي للتربية

المأمون الهضيبي وبحور التربية

عجيب أمر آل الهضيبي فإن أمرهم كله خير وبركة، وقد اضحى في لحظةٍ بيتٌ تحيطه بحور التربية التي تفيض بفيوضات ربانية على جموع الناس.

لقد ضرب الرجال والنساء فيه أروع الأمثلة، وأصبحت حياتهم مدرسة تربوية تأثر بها كل من عرفهم أو عاشرهم أو اقترب منهم، حتى أضحوا مثالًا للتضحية الحقيقة التي تشربوها من دينهم.

لقد غرس المستشار حسن الهضيبي هذا الغرس الذي أينع ثمارًا طيبة، وبذر بذورًا تشعبت فروعها في قلب كل إنسان عرفهم أو سمع عنهم أو قرأ لهم.

حسن الهضيبي الذي لم يمنعه كبر سنة من أن يضحي بنفسه وماله، بل شاركه كل فرد في أسرته في هذا النموذج التربوي الحي، وعلى رأسهم ابنه محمد المأمون الهضيبي.

 

نشأة وسط العلماء

حرص والداه أن يغرسا فيه معاني الرجولة الحقيقية، وتحمل المسئولية، والمناهزة عن دين ربه مهما كلفه الأمر، كما حرص الوالد– وهو القاضي– أن يغرس معاني الشورى في نفوس أبناءه، فيقول المستشار المأمون الهضيبي: «البيت كان في غاية الانضباط.. ولكن في الوقت نفسه في غاية الرحمة والأدب والشورى.. وكان الأب يسمح لكل واحد أن يدلي برأيه، والأم كانت مثالًا للأدب والأخلاق وكان الوالد يحترمها احترامًا كبيرًا أورثنا أن نكون دائمًا تحت أرجلها».

ورغم أن الأب من قرية عرب الصوالحة مركز شبين القناطر بالقليوبية إلا أن المأمون لم يولد فيها لطبيعة عمل والده في المحاماة والنيابات، حيث ولد في قرية الشواولة بمحافظة سوهاج بصعيد مصر في 28 مايو 1921م، وهو الابن البكر للمستشار الهضيبي والحاجة نعيمة خطاب.

التحق المستشار المأمون الهضيبي بمراحل التعليم المختلفة حتى تخرج في كلية الحقوق جامعة الإسكندرية، وكان ترتيبه العاشر على دفعته، وعُين وكيلًا للنيابة، وتدرج في سلمه الوظيفي في القضاء حتى أصبح رئيسًا لمحكمة استئناف القاهرة.

نقل المستشار المأمون لتولى محكمة غزة عام 1954م، وهناك وقع العدوان الثلاثي عام 1956م على مصر حيث شارك في المقاومة الشعبية ضد الغزاة، ووقع في الأسر فضرب أروع الأمثلة المشرفة في الثبات أمام الصهاينة.

اعتقل عام 1965م وكان عند حسن ظن والده في التصدي لفكر التكفير الذي ظهر في السجن، وكان حائط صد لمن سولت له نفسه بالضعف، وظل كذلك حتى خرج في السجن عام 1971م والتي سافر للعمل في السعودية بعدها.

على الرغم من كونه تربى في بيت جرت على أرضه كثير من الأحداث المتدافعة إلا أنه لم ينتظم بين صفوف الإخوان إلا بعد العدوان الثلاثي وذلك لكثرة تنقله في عمله كقاضي، لكن بعدما عاد من الأسر قام نظام عبدالناصر باعتقاله وأجبره على تقديم استقالته من القضاء فتفرغ لدعوته.

ظل يعمل في السعودية حتى طلب منه إخوانه بإنهاء عمله والعودة للقاهرة فعاد، وكانت محكمة النقض حكمت له ببطلان الاستقالة فأعادته إلى منصة القضاء مرة ثانية، ويصف ذلك بقوله: «وصدر قرار جمهوري بالفعل من الرئيس مبارك بتعييني رئيسًا لمحكمة استئناف القاهرة بناءً على قرار مجلس القضاء الأعلى، وعلى اعتبار أنني منتدب في الخارج، فقطعت سفري وعدت وتسلمت عملي لأيام ثم صدر قرار إحالتي للتقاعد».

عاد إلى السعودية مرة أخرى حتى زارها الأستاذ التلمساني وطلب منه العودة للقاهرة فاستجاب وعاد من فوره، ليستعد لانتخابات البرلمان مع حزب العمل عام 1987م ويحظى الإخوان بما يزيد عن الـــ30 مقعدًا ويصبح المأمون هو رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان.

شغل منصب المتحدث الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين في فترة الأستاذ محمد حامد أبو النصر، ثم اختير نائبًا للمرشد العام الأستاذ مصطفى مشهور، قبل أن يختار مرشدًا عاما في مساء يوم الأربعاء 22 من رمضان 1423هـ، الموافق 27 من نوفمبر 2002م.

وظل كذلك حتى انتقل إلى رحمات الله 9 يناير 2004م الموافق 17 ذو القعدة 1424هـ، حيث شيعته جموع المحبين في جنازة مهيبة من مسجد رابعة العدوية.

 

المأمون الهضيبي وسطور من التربية

كان المأمون الهضيبي نموذجًا من التربية الحقيقية التي بذرها والده المستشار حسن الهضيبي، فأينعت ثمارًا تربوية تركت بصمات وأثر في نفوس الجميع ومن هذه الثمار التي تركها:

1- أسدًا في الأسر

نقل المأمون الهضيبي ليتولى القضاء في غزة عام 1954م– والتي كانت إدارة مصر في ذلك التوقيت– وهو الوقت الذي كان الحاكم العسكري لها محمد فؤاد الدجوي، وفي عام 1956م وقع العدوان الثلاثي وسيطر الصهاينة على غزة في وقت لم تستطع الحامية المصرية الدفاع عنها، فوقع المأمون الهضيبي وفؤاد الدجوي في الأسر، فسلم الدجوي غزة لإسرائيل دون قتال، بل حينما طلبوا منه أن يسب مصر وقيادتها في إذاعة إسرائيل نفذ المطلوب على أكمل وجه، بل كان يبكي كالأطفال خوفًا وجذعًا في حين وقف المأمون الهضيبي ثابتًا راسخًا رافضًا سب مصر أو أحد من قادتها، حتى شهد له اليهود بالرجولة الحقه، وظلوا كذلك حتى حدث تبادل الأسرى، فعاد إلى الوطن ليسجن الهضيبي ويكافأ الدجوي بمحاكمة الهضيبي.

يقول الصحفي الشهير مصطفى أمين: «إنني أعرف الدجوي منذ عام 1956م، عندما هاجمت الجيوش البريطانية والفرنسية والإسرائيلية مصر، واحتُلت سيناء وبورسعيد، واستدعاني الرئيس جمال عبد الناصر، وطلب مني أن أركب وحدي أول طائرة مصرية مدنية تغادر مصر أثناء العدوان، وأن أحمل معي صور العدوان وأنشرها في جميع أنحاء العالم.. ووصلت إلى مدينة نيويورك وفوجئت بجميع تليفزيونات أمريكا تعرض فيلمًا للواء فؤاد الدجوي حاكم غزة، وهو يستسلم للجيش الإسرائيلي، كان الفيلم مُهينًا للجيش المصري ولمصر كلها، وكان الحاكم المصري يقف ذليلًا أمام ضابط إسرائيلي يقدم له خضوعًا، ويثني على الجيش الإسرائيلي وشجاعته وقوته ومروءته وإنسانيته، ويدلل على هذه المروءة بأن زوجته كانت مريضةً وأن اليهود نقلوها إلى مستشفى في تل أبيب لإجراء عملية جراحية لها».

2- حربًا على التكفير

كما كان المأمون الهضيبي حربًا على الفكر التكفيري الذي حاول أن يحيط بشباب المعتقلين، ووقف أيضًا موقفًا شديدًا من هذا الفكر بعدما انقشعت الغمة عن الجماعة، يقول الدكتور عصام العريان: «في فتنة التكفير كان حاسمًا وقاطعًا، ولم يقبل أنصاف الحلول- وهذا دأبه إلى آخر دقيقة من عمره وقيادته- فعندما بلغه أن بعض الإخوان في إحدى المحافظات أوصَوْا الإخوان بمدارسة أحد الفصول من كتاب إسلامي، اشتم فيه أحد الإخوة شبهة تكفيرية بين السطور، فسارع إلى استدعاء الأخ المسئول، وحاوره طويلًا حتى أقنعه الأخ أن هذه الشبهات لا أساس لها، وقد حضرت جزءًا من النقاش».

 

قد يعجبك ايضا