الإخوان المسلمون بين شرعية الفن وإصلاح وسائله
المنتدى الإسلامي العالمي للتربية

الإخوان المسلمون بين شرعية الفن وإصلاح وسائله

  • دراسة حصرية للمنتدى الإسلامي العالمي للتربية - أبو العربي مصطفى

 

تلعب الفنون بأنواعها المختلفة دورا هاما في حياة الإنسان، ولا يقتصر دورها علي رفع  مستوى الذوق العام للفرد أو الجماعة فحسب، بل يمتد ليشمل  نواح عديدة ومجالات شتى علي مستويات مختلفة، بدءا من الفرد وملبسه ومسكنه، وصولا للمجتمع  والمجاورة السكنية التي تضمه، بل قد يمتد ليصل إلي الحي أو المدينة التي يسكنها عددا أكبر من السكان.

ويمكن تعريف الفن كنشاط إنساني يحتل جزءا هام من التركيب البشري ولا يمكن الفصل بين الفن وبين الإنسان، وله ضرورته القصوى في حفظ التوازن الوجداني لدى الإنسان للمحافظة على حياته من الفناء أو الانقراض.

ويعتبر الفن وسيلة للحوار الحسي بين المجتمعات المتنامية منذ القدم وحتى يومنا هذا، فعن طريقه يتم بث رسائل لكل أصناف البشرية متجاوزة حدود اللغات التي تنطق بها أمم مختلفة.

يقول عادل محمد ثروت عثمان: «الفنّ هو قدرة استنطاق الذات بحيث تتيح للإنسان التعبير عن نفسه أو محيطه بشكل بصري أو صوتي أو حركي، ومن الممكن أن يستخدمه الإنسان لترجمة الأحاسيس والصراعات التي تنتابه في ذاته الجوهرية، وليس بالضرورة تعبيرا عن حاجته لمتطلبات في حياته رغم أن بعض العلماء يعتبرون الفنّ ضرورة حياتية للإنسان كالماء والطعام».

فالفنّ هو موهبة وإبداع وهبها الخالق لكل إنسان لكن بدرجات تختلف بين الفرد والآخر. بحيث لا نستطيع أن نصنف كل الناس بفنّانين إلا الذين يتميزون منهم بالقدرة الإبداعية الهائلة، فكلمة الفنّ هي دلالة على المهارات المستخدمة لإنتاج أشياء تحمل قيمة جمالية، على تعريفة فمن ضمن التعريفات أن الفنّ (مهارة – حرفة – خبرة – إبداع – حدس –محاكاة)](1).

لكن قد يظن كثير من الناس أن معنى الالتزام أو التدين أن يكون المسلم الملتزم عابس الوجه مقطب الجبين، قليلاً ما يضحك أو يمازح أحدًا.

هذه صورة أصبحت راسخة عند الكثيرين، حتى إن كثيرًا من المتدينين تقمصوا تلك الشخصية فعلاً، وظنوا أن تلك الصورة هي كمال التدين، وهم بقدر تقمصهم لتلك الشخصية بقدر بعدهم عن روح الإسلام الصحيح.

وإلى هؤلاء المتقمصين لهذه الشخصية الجامدة، وإلى من ظن أن هذه هي الصورة النمطية للملتزمين، نتذكر معهم ما قاله الإمام على رضى الله عنه وأرضاه: روحوا القلوب واطلبوا لها طرف الحكمة؛ فإنها تمل كما تمل الأبدان(2).

وعن مالك بن دينار قال‏:‏ كان الرجل ممن كان قبلكم إذا ثقل عليه الحديث قال‏:‏ إن الأذن مجاجة والقلب حمض فهاتوا من طرف الأخبار(3).

ولقد اتفق العلماء على حرمة التمثيل إذا اقترن به محرم أو كان مفضا إليه، أو لم يكن منضبطا بآداب الشرع وقواعده، أو كانت فكرته مخالفة للكتاب أو السنة أو إجماع الأمة، لكن إذا كان الأداء ملتزما بالآداب الإسلامية وأن يستهدف التمثيل مصلحة الدين والعلم والمجتمع والإنسانية، وأن لا يستهدف مبدأ هداما أو عقيدة باطنية كافرة فهو مباح، وهو رأى كثير من العلماء أمثال الشيخ محمد رشيد رضا ومحمد بن صالح العثيمين وعبدالله بن جبرين، ومصطفى الزرقا وغيرهم(4).

فقد روى ابن مسعود (رضى الله عنه) قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء، ضربه قومه وهو يسمح الدم عن وجهه ويقول: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون](أخرجه البخاري في صحيحه(3/ 1283) ومسلم في صحيحه (3/ 1417).

ولهذا فالمسرح والفن له رسالة يستطيع أن يغرسها في نفوس الناس،  وهذه الموضوعات من أكثر الموضوعات التباسًا في حياتنا الثقافية وهي علاقة الإسلام بالفن، ومن أكثره غموضًا أيضًا موقف الإسلاميين من الفن وتجاربهم فيه.

ولذا يخطئ كثير من الباحثين عندما يختزلون الفن في الغناء والموسيقى والرقص لأن الفن له رسائل تربوية وإصلاحية عميقة إذا أحسن استخدامه.

فالسينما والمسرح وغيرها من الوسائل التي يستخدمها الفنان أداة من أدوات تشكيل الرأي العام، يقول الدكتور محمد زكي العشماوي: "ما أظننا نغلو في القول إننا اليوم أشد منا في أي يوم آخر حاجة إلى العناية بالمسرح ... ولعلنا كذلك لا نغالي إذا قلنا إن الأدب التمثيلي هو أكثر آدابنا حاجة إلى الرعاية وبذل الجهد والتماس النضج والأصالة، والتطلع إلى النهوض. نهضة تكفل لشعبنا العربي ما هو أهل له, وعلى الأخص في هذا الوقت الذي نخطط فيه لمستقبلنا وندعم فيه البناء لغد آمن مستقر(5).

ومن هذه الإشكاليات التي اشتبك العلمانيين فيها مع الإخوان محاولتهم إظهار الإخوان أنهم أعداء الفن والسينما وأنهم كارهون لهذا الفن الرفيع، وهذه القوة الناعمة التي تعتمد عليها الدول وقد لووا أعناق التصريحات التي تحدث بها الإخوان على طريقة ولا تقربوا الصلاة، ولم ينزلوا تصريحاتهم الموضع الصحيح من أن الإخوان لا يكرهون الفن ولا السينما ولكن يكرهون ما يعرض فيها من ابتذال منافي للدين والأخلاق ويحض على الرذيلة والتعري والخروج من حقيقة العادات والتقاليد الإسلامية(6).

 

الإخوان والفن

من المسلم به أن للفن رسالة وهى نشر القيم والمبادئ والدفاع عن التاريخ الحقيقي للأمة، ونشر التعاليم الحضارية، وقيم التقدم وحب العمل، والقيم الفاضلة والتسامح وحب الغير والمثل العليا.

ومن ثم لم يقف الإمام من الفن مجرد المنظر أو مبدي الرأي الفقهي، أو الداعي نظريَّا إلى تبني الفن، دون الولوج إلى ذلك عمليًّا، بل ربما سبق عنده جانب التطبيق الجانب التنظيري، وليس معنى ذلك أنه لم يكن معنيًّا بذلك بل لم يكن معنيًّا بالوقوف كثيرًا عند الإسهاب في التنظير، ما دام قد اقتنع بشرعية فعل الشيء، وهذا ما حدث معه رحمه الله، فقد جعل للفن مساحةً ليست بالصغيرة في دعوة الإخوان المسلمين، فأنشأ فرقةً مسرحيةً- بل أنشأ فرقًا مسرحيةً- لعل أبرزها وأشهرها فرقة القاهرة، فقد أنشأ الأستاذ البنَّا في معظم شعب الإخوان المسلمين فرقًا مسرحيةً، كشعبة السيدة عائشة، والتي قدمت عددًا من المسرحيات للناس، منها ما هو تاريخي، ومنها ما هو خلقي، ومعظمها كان من اللون الفكاهي النظيف الراقي(7).

ولقد نهج الإخوان منهج مرشدهم – طالما توافق الأمر مع شريعة الرحمن – فنشدوا الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي من منظور إسلامي شامل، فكانت نظرتهم للإصلاح لكل مجتمع إسلامي، ولذا ترجموا هذه الرؤية واقعيا على كل مجريات الأمور فلا ضروا أن نجدهم يسبغون جميع الإصلاحات وفق الرؤية الإسلامية.

وفي ذلك يعبر الإمام البنا بقوله: إن الإخوان المسلمين لا يحاربون المسرح ولا المذياع؛ لأنهم ليسوا من الجمود بحيث يقفون هذا الموقف وإنما يريدون أن يطهروهما من الشر والإثم، ويزيلوا أثرها السيء المنصب على نفوس الشباب والفتيات، ولذلك فهم قد أعدوا للمسرح قصصًا كريمًا وأدبًا رائعًا ومثلاً وتوجيهًا صادقًا(8).

ولذلك تميز فن الإخوان بالالتزام بما جاء في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والانفتاح والواقعية ويجمع بين الأصالة والمعاصرة.

وكان من عوامل نجاح التجربة: اعتماده مبدأ إنسانية الفن، وتبنَّى فقه التيسير في قضايا الفن، واعتماده على المختصين في هذا الفن، وتبني قضية الفن جماعيًّا.

لقد التزم الإخوان بقواعد دينهم فأحلوا ما أحله الله وما حرمه، ولم ينظروا في يوم إلى رضا الناس مقابل سخط الله عز وجل، فظهر الصدام مع من يريد أن ينشر الفاحشة وسط المسلمين متحججا بأن هؤلاء يقدمون فن راقي ولا مانع من القبلات والأجساد العارية والمشاهد الساخنة طالما في سياق العمل وتؤدي هدف ولم يكن هذا منهج الإخوان.

 

اعتراض وإصلاح

كما ذكرنا أن دعوة الإخوان قامت على منهج الإسلام الذي حواه الكتاب والسنة ولذا التزموا بما أحله الله وما حرمه، ولم ينظروا في يوم إلى رضا الناس مقابل سخط الله عز وجل، فظهر الصدام مع من يريد أن ينشر الفاحشة وسط المسلمين متحججا بأن هؤلاء يقدمون فن راقي ولا مانع من القبلات والأجساد العارية والمشاهد الساخنة طالما في سيق العمل وتؤدي هدف ولم يكن هذا منهج الإخوان.

ففي رسالة المؤتمر السادس 1941 ، توجه الأستاذ حسن البنا بدعوة إصلاحية إلى الحكومة المصرية، فيقول: «لقد رسمنا للحكومات المصرية المتعاقبة كثيرا منه مناهج الإصلاح، وتقدمنا لكثير منها بمذكرات ضافية في كثير من الشئون التي تمسّ صميم الحياة المصرية ، لقد لفتنا نظرها إلى :

أ   – وجوب العناية بإصلاح الأداة الحكومية نفسها ، بـ : اختيار الرجال ، وتركيز الأعمال، وتبسيط الإجراءات ، ومراعاة الكفايات ، والقضاء على الاستثناءات.

ب  – وإلى إصلاح منابع الثقافة بإعادة النظر في سياسة التعليم ومراقبة الصحف والكتب والسينما والمسارح والإذاعة ، واستدراك نواحي النقص فيها وتوجيهها الوجهة الصالحة ».

جـ – وإصلاح القانون واستمداده من شرائع الإسلام »(9).

وليس ذلك فحسب بل كان اعتراض الإخوان على دور السينما نفسها ليس لكونها مباني تعرض أفلام لكنها كانت مجالا للدعاية الصهيونية أو من يملكون المال للترويج لباطلهم، ولهذا كان للإخوان موقف مما يعرض فيها ويجمل صورة الصهيونية، مما دف الأستاذ البنا أن يرسل برسالة إلى وزير الداخلية ينبهه لهذا الخطر:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. اتصل بنا أن سينما رويال ومتروبول وديانا تعرض فى دورها نشرة فرنسية تشمل دعاية للصهيونية قبل عرض الأفلام، وذلك منذ أول أمس (الاثنين)، وسيستمر عرضها إلى نهاية الأسبوع.

وبما أن موقف مصر من الصهيونية يحتم عليها ألا تسمح لمثل هذه الدعايات المثيرة أن تعرض في أرضها، فنرجو التكرم بإصدار أمركم إلى الجهات المختصة لوقف عرض هذه النشرات الخطرة. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام(10).

كما أشار الإخوان إلى الفساد الذي تبثه الإذاعة، فجاء في مقال "الإذاعة اللاسلكية الغث والسمين في نصف أسبوع": "للإذاعة اللاسلكية محاسن لا يسعنا نكرانها وحرمان الناس من الاستمتاع بها، ولها مساوئ نحذر الناس منها، أقل ما فيها أنها تثير عواطف البليد وتدفعه حتمًا إلى ارتكاب الفواحش(11).

لم يكتف الإخوان على أنفسهم ومشروعهم الإصلاحي بل وقفوا وشجعوا كل من طالب بذلك ومنهم العقاد الذي هاجم السينما وابتذالها فكتب صحف الإخوان تنقل موقفه:

وللتدهور الذي حدث في السينما المصرية "قدم الأستاذ توفيق الحكيم مذكرة إلى لجنة مراقبة الروايات السينمائية أثبت فيها ما شاع من التبذل وخوفه من زوال الحضارة والمدنية، وما أعجب قوله: "إن الأخلاق تطلب رد اعتبارها"، وهذا بعد قوله: "وأظهر علامات الفناء في حضارة ذيوع الفحش فيها والتبذل وفساد الأخلاق والإغراق في سوء فهم الحرية حتى تنقلب حيوانية، وأشفق أن يكون ذلك علامة انتهاء المدنية الحديثة، كما انتهت مدنيات آشور وبابل واليونان والرومان والعرب في الأندلس(12).

 

هدف الإخوان من السينما والمسرح

لقد حدد الإخوان منهجهم من هذه الوسائل في قول السيدة الفاضلة لبيبة أحمد –مسئولة قسم الأخوات المسلمات- والتي قالت: السينما من العوامل المؤثرة في تطور الأمة وتكوين عقليتها وتكييف أخلاقها، ولا شك أنها أفادت بعض الشيء في توسيع معارف الجمهور، ولكن مما يؤسف له أن هذه الأفلام التي تذاع في الدنيا وخصوصًا في أقطار الشرق يتوخى فيها مجاراة ميول الجماهير وأهوائهم أكثر مما يتوخى فيها إفادتهم وتوسيع معارفهم وتقويم أخلاقهم، وقد ثبت في محاضر البوليس والنيابة العمومية وفي حرم القضاء أن كثيرًا من الجرائم المؤسفة التي تقع بين ظهرانينا قد ساعدت أفلام السينما على التفنن فيها، وابتكار أساليب لم تكن لتخطر على بال الذين ارتكبوها لو أنهم لم يتلقوا دروسًا عن الشاشة البيضاء، وهذا التهاون في أمر الأعراض من جانب الشبان ومن جانب الشابات على السواء ما كان ليبلغ الدرجة التي بلغها في مصر الآن لو لم تساعد على ذلك مناظر السينما، ولو لم تحبب إلى الناشئين، وهم في سن الطيش والرعونة – مالا يقدّرون عواقبه وسوء نتائجه".

وأشارت لمن يقول بأن الحالة التي صارت إليها أفلام السينما من خير أو شر حالة عالمية لا تملك مصر وحدها تحويل وجهتها، والخطط التي قد ترسم في مصر لمقاومة هذا التيار قد تبقى حبرًا على ورق لأن مصر لا تملك الحكم على تيار عالمي سكتت عنه كل الأمم.

فردت على ذلك بقولها: "إن التخريج السينمائي يتبع رغبة الأقطار ويتقلب مع أذواقها، والأخلاق حاجة مشتركة بين جميع شعوب البشر، وما نتألم منه لابد أن غيرنا يتألم منه، وإحجام عن مقاومة الشر فيه لابد أن يكون لملاحظة أنه شر عالمي لا يملكون مقاومته، فإذا تجاهرت مصر بالألم من الفساد الخلقي الذي جره عليها هذا النوع من الأفلام لابد أن يشاركها في إبداء هذا الألم كل من يشعر به مثلها، زد على ذلك أن مصر أخذت تضرب بسهم في صناعة السينما، ولا ريب أن إقبال الجمهور على الروايات المصرية أعظم من إقباله على الروايات الأجنبية، فمصر تستطيع أن تستغني بالتدريج عن كثير من الأفلام الأجنبية التي نشكو منها، وهذا الاتجاه من المراقبة على السينما في نصرة الفضيلة وتشديد الخناق على الرذيلة من شأنه أن يزيد المخرجين المصريين تشجيعًا على سلوك هذا السبيل، فنكون أصبنا ثمرتين اثنتين بحجر واحد: إحداهما وهي المقصودة بالذات من هذا المقال هي أن تكون السينما في جانب الأخلاق، والثانية تشجيع التخريج الوطني والإقلال من الروايات الأجنبية التي تعبر عن أخلاق غير أخلاقنا، وتنظم لبيئات غير بيئتنا".

واعترضت على الحل القائل بأن يُسنَّ تشريعًا لمنع الأطفال من غشيان السينما إلى سن معينة، فقالت: "كأنما شر السينما محصور في المشاهد المزعجة التي لا تتحملها أعصاب الأطفال، وكأن ذلك أعظم أهمية عندهم من أخلاق العذارى التي تنهدم من أسوارها صخرة بعد صخرة في كل نظرة تقع من عين البنت على مشهد غرامي يهيج كل ذي حس، وهل شاع هذا الانحلال في أخلاق غير المتزوجين، بل وفي رباط الأسرة عند المتزوجين، إلا بشيوع هذه المشاهد الفاسقة".

ثم ختمت المقال بقولها: "نكتب هذا لكل قادر على استنكار الشر من الآباء والأمهات والإخوة والأزواج، متوسلين إليهم بما لأخلاق بناتهم وإخوانهم وزوجاتهم من كرامة عندهم، فكفانا تجاهلاً بالداء العياء الذي يسري في أوردتنا وشرايينا، وحبذا لو يكون لمصر شرف البدء بمقاومة هذا الشر العالمي حتى يوقن كله بأنه شر، وأن من الخير العدول عنه إلى ما ينفع الناس، فتتحول السينما بعد ذلك إلى نعمة تفتخر بها إنسانية العصر الحاضر(13).

وكتب محمد لبيب البوهي قصة تدل على هذه المأساة فقد ذكر أن زملاء الدراسة الذين وفدوا من الريف لإكمال تعليمهم فى الجامعة قد غيرتهم دور السينما وأصبحوا يقلدون كل ما يرون فيها دون تمييز, ومن ثم طالب بأن تكون الأفلام التي تعرض من خلال السينما مهدفة وتعالج مشاكل المجتمع, وتعمل على حماية بناتنا وسيداتنا اللواتي يذهبن إلى السينما وإلا فلنغلق هذه الدور التي تعرض كل ما هو منكر(14).

 

كيف اهتم حسن البنا بالمسرح؟

كتب الأستاذ البنا وإخوانه الكثير عن المسرح والسينما ووضعوا الروشتات التربوية العملية للاستفادة من هذه المؤسسات، حيث دعا البنا لإنشاء فِرَق في معظم شعب الإخوان، وتمرين طلاب الثانوية والجامعة على التمثيل المسرحي  بل كان البنا يحضر بنفسه البروفات والإعداد للمسرحيات ، ويولي ذلك اهتمامًا كبيرًا، وكان العمل الفني عند البنا أشبه ما يكون بالعمل المؤسسي والمختص، لا من باب الهواية، أو على هامش الحياة(15).

وفي أربعينيات القرن الماضي كتب الناقد الفني المعروف عبد الله أحمد عبد الله المشهور بلقب “ميكي ماوس” رسالةً طريفةً تُعدُّ في حد ذاتها وثيقةً تاريخيةً مهمةً، يتساءل فيها عن موقف الإخوان المسلمين من الفن؟!

وهذا نص الرسالة:

“سيدي صاحب الفضيلة الأستاذ الجليل مرشد الإخوان المسلمين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد!!

فإن مجلة (دنيا الفن) ترجو أن تعلم من فضيلتكم وجهة نظر الإخوان المسلمين في شئون (المسرح- السينما- الإذاعة) وترجو أن يتسع وقت فضيلتكم كذلك للإجابة عما تعدونه من المشروعات للإفادة من هذه الأدوات الثلاث فيما لو تقلَّد الإخوان المسلمون حكم البلاد؟!

هذان سؤالان لمجلة فنية يسرها أن تنقل إلى قرائها في شتى البلاد العربية آراءَ الإخوان الأكرمين، وهم الهيئة القوية التي يرنو إليها الملايين بالإعجاب والإكبار.

وفي انتظار رد فضيلتكم، نسأل الله أن يهبكم العون والتوفيق في جهودكم المباركة.

والسلام عليكم ورحمة الله

عبد الله أحمد عبد الله - سكرتير تحرير مجلة (دنيا الفن) بمصر

وللأسف لم اعثر على رد البنا لكن له مواقف مشابه، فقبلها بسنوات كان الإمام البنا يُلقي محاضرةً بجامعة القاهرة بمناسبة المولد النبوي الشريف، وأثناء المحاضرة قاطعه طالب ظريف وسأله: هل السينما حلال أم حرام؟ فرد فضيلته سريعًا وموجزًا: السينما الحلال حلال والسينما الحرام حرام، وعاد إلى استئناف محاضرته(16) .

 

بين المسرح والمجتمع

حينما ولج الإخوان من باب الفن سواء المسرح أو السينما كان هدفهم إصلاحي وتقديم ما هو نافع، وترجمة حقيقية لتعاليم الإسلام لما وجدوا تأثير الفن قوي في التربية.

فقد كانت باكورة أعمال الإخوان المسرحية هو المسرحية التى قدمها عبدالرحمن البنا أخو الأستاذ البنا بعنوان جميل وبثينة حيث أنتجت هذا العمل “لجنة تشجيع التمثيل” التابعة لوزارة المعارف، وقررت إخراجها على نفقتها عام 1934، لما وجدت فيها من معان طيبة وقيم رفيعة. ويبدو أن المسرحية قد حققت نجاحًا لافتًا، فشوقي قاسم صاحب رسالة دكتوراة “الإسلام والمسرح المصري” يقرر بوضوح: أن جميل بثينة قد صارت موضع المقارنة مع درة أمير الشعراء “مجنون ليلى”.

ونظرة واحدة إلى الأسماء التي شاركت في هذا العمل تبين مدى حِرفية هذه المسرحية؛ إذ تضم قائمة النجوم: جورج أبيض – أحمد علام – عباس فارس – حسن البارودي – فتوح نشاطي – محمود المليجي، ومن العناصر النسائية: فاطمة رشدي، وعزيزة أمير(17).

 

مسرح الإخوان ومعالجة القضايا

كان من الأهداف التربوية التي وضعها أيضا الإخوان هو تعريف الناس بالقضايا الإسلامية وإيقاظ الوعي المجتمعي لديهم خاصة القضية الفلسطينية، فكانت مسرحية عامان في شِعب" للأستاذ عبد الرحمن الساعاتي، والمسرحية تدور أحداثها حول حصار قريش للمسلمين في شعب أبي طالب

وفي مايو 1948 وعلى مسرح دار الأوبرا كانت تُعرض مسرحية (صلاح الدين الأيوبي) تمثلها فرقة الإخوان المسلمين المسرحية، وكان إهداء المسرحية “إلى شهداء فلسطين الأبرار، وأبطال الجهاد المقدَّس لإنقاذ الوطن الإسلامي وتحرير الأرض.. إليكم هذه المسرحية التي أُعدت لتعمل عملَها مع قصف المدافع وأزيز الطائرات؛ لإدراك الغاية ورفع الراية وإصابة الأهداف”.

وكان ثلاثةٌ من أعضاء الفرقة قد اعتذَروا عن عدم المشاركة في العمل لذهابهم إلى ميدان القتال، وهو ما نصَّ عليه إعلان المسرحية حين كتب في هامشه: “من أعضاء الفريق في ميدان الحرب الآن إبراهيم الشامي، فطين عبد الحميد، إبراهيم القرش”.

عرضت هذه المسرحية على مسرح دار الأوبرا الملكية، يوم الجمعة ١٤ مايو ١٩٤٨، فى الساعة التاسعة والنصف(18).

وكتب عنها الناقد الأستاذ صلاح ذهني في مجلة (آخر ساعة) يقول: “قدمت جمعية الإخوان المسلمين مسرحيةً مِن وضع أحد أعضائها الأستاذ عبد الرحمن البنا على مسرح الأوبرا، وليس الجديد أن تقدِّم إحدى فرق الهواة مسرحية، ولا أن يؤلف أحد الهواة مسرحيةً، ولكنَّ الجديد أن المسرحية تتناول موضوعًا مطروقًا جدًّا، فهي عن صلاح الدين الأيوبي، وليس هناك مَن لم يرَ رواية صلاح الدين ومملكة أورشليم، والتي مثلها كل مسرح وكل فرقة منذ عشرات الأعوام.. هذا هو الجديد، ولقد جلست أشاهد المسرحية وأنا حذر يقظ، فحياة صلاح الدين وفتحُه لفلسطين واحدة وحتى ما يحيط بقصة هذه الحياة من أساطير أصبح بالتكرار جزءًا من هذه الحياة، ومن أصعب الأمور على مؤلف أن يتناول موضوعًا مطروقًا.. إنه إذ ذاك يسير على صراط دقيق تحته هاويتان: التقليد من ناحية والخروج على الواقع من ناحية أخرى.

لكن عبد الرحمن البنا نجا من الهاويتين معًا وابتعد عن التقليد، فحين انصبَّتْ رواياتٌ أخرى على صلاح الدين وحده وأحداثه مع الفرنجة تناولت رواية البنا عصر صلاح الدين في مصر والنزاع بين السنة والشيعة وجوّ المؤامرات الذي كان يعمل وسطه.

إنك تحس أن المؤلف هنا حرص على تاريخ العصر أكثر مما حرص على تاريخ البطل، وتحسُّ أيضًا أنه حرص على الواقع أكثر مما حرص على مواقف البطولة الجوفاء حتى الفصل الأخير حين يلتقي قلب الأسد بصلاح الدين.. إنك ترى الصورة العربية للملك المسلم والصورة الإفرنجية للملك الفارس دون إغراق في البطولة أو الإسراف في الشجاعة، كم كنت أتمنى لو مُثِّلت هذه الرواية أكثر من مرة أو أن الذين مثَّلوها كانوا غير الهواة- وليس ذلك طعنًا- إنها روايةٌ تلائم الموقف والظرف، وفيها مع ذلك شيءٌ جديد(19) .

 

لماذا اهتم الإخوان بالفن؟

1-      تهذيب الذوق و صقله لأن الفن هو الجمال و الإقبال عليه يسمو بالإنسان.

2-      التعريف بقضايا الأمة وطريقة معالجتها خاصة القضية المصرية والقضية الفلسطينية.

3-      إظهار وتجسيد التراث الإسلامي ليتعرف عليه الناس في ظل محاولات طمس هذا التراث

4-      إصلاح المجتمع بوسائل محببة ولا يحرمها الشرع ولإظهار المعاني الجمالية في الأخلاق الإسلامية عن طريق الفن.

5-      يلعب الفن دورا مهما في تحقيق التوازن النفسي عند الإنسان ذلك أنه يخفف عنه عبء الحياة اليومية و على ضفافه تتحطم أمواج السخط و الغضب فتلين النفس وتسترد هدوءها.

6-      هدف الإخوان التقريب بين الشعوب من حيث إعلاء المعرفة بما يحدث للشعوب عن طريق تصويرها بالفن.

 

روشتة علاج

لم يعارض الإخوان السينما في ذاتها لكن كان معارضتهم لها لما تعرضه، ولذا وضعوا مقترحات عملية في برامجهم الإصلاحية، ومنها رفع مذكرة إلى رئيس الوزراء وضعوا أمامه الداء والدواء فقالوا:

وأهم منابع الثقافة العامة فى كل أمة: المدارس والصحف والمطبوعات والسينما والتمثيل والإذاعة اللاسلكية وهذه كلها تحتاج إلى إصلاح.

وفى الصحف والمطبوعات والسينما والتمثيل والإذاعة تراقب كل هذه النواحي مراقبة فعالة منتجة، وينص فى القانون على عقوبات زاجرة رادعة، وأساس ذلك أن يختار المراقبون من الأمناء على دينهم الموثوق بأخلاقهم، بحيث لا تكون الناحية الفنية وحدها هي الأساس فى الاختيار، فكم يحارب الفن باسم الفن، وكم يعدل الفنيون عن الحقائق إلى الأهواء، وما كل فن يذاع، وليس كل ما درس فى أوروبا يطبق فى مصر، فلتختر الحكومة لجان المراقبة على أسس صالحة لتنتج مراقبة صالحة ولتوضع مناهج الإذاعة بدقة وإحكام، فإن "الراديو" بقدر ما أفاد غيرنا بقدر ما جنى على أخلاقنا، وحرام أن يستخدمه هتلر فى إنهاض شعبه وإلهاب شعور الحماسة فيه، ونستخدمه نحن فى الحب والغرام وأدوار العبث والهيام وهذه الأنواع الرخيصة من الأغاني التي تذاع.

ولتصادر الصحف الماجنة الخليعة التي يتشرب روحها أبناؤنا الأطهار وفتياتنا الصغار فتفسد عقولهم وأرواحهم وعواطفهم وشعورهم سواء كانت أجنبية أو مصرية، ولتهتم الحكومة بحركة التأليف والنشر، فتشجع المؤلفين الذين يعالجون النواحي الإصلاحية النافعة، وتعين اللجان لوضع البحوث والرسالات فى هذه النواحي، ولتهتم كذلك بتهذيب الأغاني والأناشيد، فأثرها في تكوين الشعب الروحي جد خطير، بل لعلها أقرب الوسائل فى هذا الباب.. بذلك وأمثاله تصلح منابع الثقافة، ونقدم للشعب غذاء شهيا صالحا ينمو به أفضل النماء وتزكو عليه العواطف والعقول والأرواح.

وهذه السينمات ودور التمثيل -وهى معدودة عند الناس من وسائل التثقيف- لا يوزن ما فيها بميزان الأحكام الإسلامية، بل يعرض على مسارحها ما يحمر له وجه الفضيلة ويقضى على ما بقى فى نفوس هذا الشعب المسلم من دين(20).

وكتب إلى وزير الداخلية ورئيس مجلس الوزراء مصطفى النحاس باشا قال فيه:

وتكلفوا قلم المطبوعات بمراقبة الجرائد والمجلات ودور السينما لما يظهر فيها من صور ومقالات مبتذلة وتقطعوا دابر الإعلانات كالتي ظهرت باسم "شيكوريل" ملآى بصور العاريات ترويجًا للتهتك بالسواحل(21).

ويقول الأستاذ البنا:

إن العلاج تربية الفتيان والفتيات تربية إسلامية عفيفة طاهرة، ومصادرة هذا الداء الوبيل من الصحف والمجلات والروايات والكتابات والمسارح والسينمات والإذاعات الهازلة الضئيلة المثيرة التي تستغل في الناس أخس مشاعرهم وأحط غرائزهم. ومقاومة هذا التيار من التبرج والاختلاط ومفارقة البيوت والخدور للتسكع في الحدائق والمصايف والمتنزهات وعلى الشواطئ وفي البلاجات. وتحريم هذه الوسائل الخسيسة التي تيسر على الشباب مقاصدهم بغير تبعة ولا رقابة ولا حساب. ثم تشجيع الزواج وتيسير سبيله على راغبيه وإقناعهم بالغاية الصحيحة منه(22).

ويشدد على ذلك في رسالة نحو النور فيقول:

1-      مراقبة دور التمثيل وأفلام السينما والتشديد في اختيار الروايات والأشرطة.

2-      تهذيب الأغاني واختيارها ومراقبتها والتشديد في ذلك.

3-      حسن اختيار ما يذاع أو يعرض على الأمة من برامج ومحاضرات وأغاني وموضوعات واستخدام الإذاعة والتلفاز في تربية وطنية خلقية فاضلة.

وكتبوا مرارا لوزير الداخلية جاء فيه: حضرة صاحب الدولة وزير الداخلية

أن تزاد الرقابة على أفلام السينما فتنقي بقدر الإمكان من المشاهد الغرامية التي يسوء فريقًا عظيمًا من الآباء أن تقع أنظار أبنائهم وبناتهم عليها، بل أن تقع أنظار الفريقين على إعلاناتها على الجدار وفي أكثرها صور التقبيل بين الجنسين مما لا يجوز عرضه على أنظار الفتيات وهن في دور الطهارة لئلا يهون عليهن اعتياد النظر إليه فيما يعترضن من تجارب، وكم كان لذلك من آثار مؤلمة ونتائج محزنة.

ثالثًا: وهنالك الإذاعة اللاسلكية وهي أيضًا كالصحف والسينما على أن تكون أداة تثقيف وتهذيب يمكن أيضًا أن تكون وسيلة من وسائل تهييج الشهوات، وتعويد الآذان سماع ما يكرهه أنصار الفضيلة(23).

وأكد الإخوان على العلاج فأكدوا على العناية بالسينما والتمثيل عناية صالحة ومراقبتها مراقبة دقيقة، واستبدال الأفلام والروايات الخليعة بكل ما يرمي إلى أهداف قومية، وتشجيع المؤلفين المسرحيين والسينمائيين على اختيار الموضوعات، وتأليف هيئة خاصة بذلك(24) .

وكتب صالح عشماوي تحت عنوان: ماذا تعرض المسلسلات التليفزيونية؟

يقول الدكتور أحمد خيري حافظ، مدرس علم النفس بآداب عين شمس "أن الشخصيات التي تعرضها معظم المسلسلات شخصيات مضطربة نفسيا أو منحرفة سلوكيا، تضرب القيم الطيبة عرض الحائط، ولا تقوم المسلسلات بتعريتها وكشفها. وإنما تقدمها كنماذج لامعة تنال الإعجاب وتحظى بتقدير المشاركين في تقديم هذه المسلسلات.

كما تطرح المسلسلات قضايا مستهلكة كاذبة مثل الخيانة الزوجية وعصابات المافيا، والاختلاسات والانحرافات الجنسية، والعلاقات المشبوهة مع الشغالات وسير الراقصات والفنانات.. فهل هذه القضايا تشغل حقيقة اهتمام الأسرة المصرية؟

وكتب إلينا الأستاذ: مصطفى عبد الوهاب، كاتب وناقد سينمائي يقول في فيلم "صراع العشاق" الذي يعرض الآن لا ينبغي السكوت عليه لأنه يمس الدين مسا مباشرا، لا يخلوا من انعدام في الذوق وتبلد في الإحساس، واستهتار بكل قيمنا وشعائرنا الدينية من يحمي مصر من الفساد

كما وجه السيد مصطفى غباشي عضو المجلس، انتقاد عنيفا إلى ما يقدم على الشاشة الصغيرة وأكد أن كثير مما يعرض في التليفزيون يتعارض مع قيمنا المصرية والدينية وبخاصة المسلسلات العربية التي تثير الخوف في نفوسنا على مستقبل أولادنا(25) .

كما حيوا فعل وزير الشئون الاجتماعية حينما اتخذ موقف ضد الرقص ودور السينما فكتب صالح عشماوي تحت عنوان هل نطمع في إصلاح شامل يقول:

قرأنا هذا البيان في الصحف فقلنا "أنجز وزير حر ما وعد"! وشجعنا هذا الوفاء على التقدم بطلب المزيد من الإصلاح حتى يكون شاملا كاملا، إن وزارة الشئون الاجتماعية تشرف على الصالات و"الكباريهات" كما تشرف على أفلام السينما، وإذا كانت الوزارة منعت منعا باتًا مناظر الرقص الخليع الذي يهدف إلى إيقاظ الغرائز ولن تسمح بعد اليوم بإظهار الأجسام العارية والحركات المثيرة على الشاشة البيضاء فأولى ثم أولى أن تمنع ظهور الأجسام العارية والحركات المثيرة من الراقصات في الصالات و"الكباريهات" إذ لا شك أن الفتنة هنا أشد وإثارة أحط الغرائز وإيقاظ الشهوات أقرب وأيسر! إن المنطق يقضي بمنع الرقص الخليع في أفلام السينما وفي الصالات وفي المسارح وفي الموالد وفي كل مكان أما أن يحال بين النظارة وبين خيال الراقصات العاريات على الشاشة البيضاء في الوقت الذي يسمح لهم فيه برؤية الراقصة العارية لحمًا ودمًا وهي تتلوى وتتثنى على خشبة المسرح أو الصالة فأمر غير مستساغ(26).

 

الإخوان والفن ما بعد المحنة

جاء قرار النقراشي باشا بحل جماعة الإخوان المسلمين عام 1948م فأوقف كل أنشطتهم الفنية وصرف جميع الفنانين عنهم، لكن بعدما عادت الجماعة مرة أخرى لم يسعفها الأمر فتسير على منهج الشيخ حسن البنا لأسباب عدة مثل تدافع الحوادث في البلاد سواء حرب القنال واشتراك متطوعي الإخوان فيها، أو دخول الإخوان في صراع مع الوفد لنيل الشرعية وإعادة المركز العام، أو التحضير لثورة 23 يوليو 1952م، والتي بطرد الملك.

حاول الإخوان بعد نحاج الثورة العودة لسابق عهدهم إلا أن المشاكل والصراعات الداخلية أثرت عليهم، فقد كانت البلاد في فترة ثورة وعمد الجيش إلى الصدام مع الجميع حتى أن هذه الفترة كانت فترة زهيدة في الأعمال الفنية، والتي تحولت من عبودية الملك إلى عبودية العسكر، فأصبحت كل الأعمال تهدف لتمجيد رجالات الثورة وقادتها وبطولاتهم المزيفة، بل وتغير مبادئهم التي نادوا بها مع الأيام الأولى للثورة، حتى أن بعض الضباط ذكر أننا طردنا ملكا وجئنا بثلاثة عشرا ملكا أخر(27).

وتمثل ذلك في أفلام تمجد الثورة ورجالاتها مثل فيلم رد قلبي الذي أنتج عام 1958م والذي يصفه الناقد الفني محمود قاسم بقوله: إن فيلم رد قلبي تم إصداره في عام 1958، وصنعه رجال ثورة 23 يوليو، حيث جاء تنفيذه بأمر مباشر من جمال عبد الناصر موضحا أن مؤلف الفيلم هو يوسف السباعي وكان ضابطا، والممثل أحمد مظهر كان ضابطا ودفعة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

وأضاف "قاسم" في حواره مع الإعلامي خيري رمضان في برنامج "مصر النهاردة " المذاع على قناة " مصر الأولى"، أن الفصول الأولية من رواية "رد قلبي"، التي تم تحويلها إلى فيلم تؤكد أن "محمد نجيب هو من قام بثورة يوليو وتروي تفاصيل العلاقة بينه وبين ضباط قيادة الثورة، لكن الفيلم أنكر ذلك تماما".

ولذا أخرج الإخوان بيان تضمن "تصورهم للإصلاح المنشود وطرق محاربة الفساد ومحاربة المفسدين"، فكان من مطالب الجماعة: "أن تعمل الحكومة على تحريم ما حرم الله وإلغاء مظاهر الحياة التي تخالف ذلك، مثل القمار والخمر ودور اللهو والمراقص والمجلات الجنسية المثيرة للغرائز الدني(28).

لكن في الفترة التي تلت عبدالناصر والغياب التام للجماعة ما يقرب من العشرين عاما، أخرج نماذج كان لها تحفظها بعض الشيء على الفن، فنجد مثلا الشيخ محمد عبدالله الخطيب يهاجم السينما بقوله: دور للعرض مكدسة بالشباب وغير الشباب في اختلاط وتبرج. كلها حيل ماكرة لجذب الشباب إلى الباطل، وتدريبهم على الاستخفاف والاستهزاء والتجريح. وكأنما أغلقت كل السبل وسُدت كل الأبواب أمام الفنانين والمؤلفين والمخرجين، ولم يبق إلا مستوى الحب الرخيص والاستهانة بكل القيم. والواقع يشهد على صدق ما نقول.

وقد يعجب بعض الناس من هذا ويقول: إن هذه الأشياء من المقومات الكبرى لدى سائر الأمم المتحضرة في هذا العصر. ونقول: إن الإسلام لم يقف من هذه الأشياء هذا الموقف إلا لأنها مستوردة من حضارة غير حضارته، ونابعة من تصور غير تصوره، وللإسلام منطلق حضاري آخر مستقل بذاته لا يتفق أبدًا ومنطلقات هذه الحضارة(29).

لكنه وضح الشيخ الغاية من تحريم السينما أو غلقها والتي من أجلها هاجمها فيقول:

وكل مسلم وخاصة الشباب ينتظرون منه على الأقل أن يطلب من المسئولين عن الإعلام أن يحذفوا مناظر الخلاعة والاستهتار بكل القيم من أفلام السينما وأشرطة التليفزيون.. وإلغاء مناظر القبلات المحمومة المحشورة عن قصد في كل مشهد لتحريك الغرائز الدنيا في نفس الإنسان، إنه يعلم يقينًا خطر هذه الأشياء على فلذات أكبادنا الذين يقلدون غيرهم في الفعل والسلوك والألفاظ والأزياء، ويتأثرون بكل صغيرة وكبيرة يسمعونها أو يشاهدونها".

ونسأل ما هو الحلال في السينما اليوم؟ وأين هي المصلحة التي تغلب على المفسدة؟ هل الاتجار بالجنس وإثارة الشهوات وطمس معالم الفضيلة .. حلال؟ وهل تجسيم الخيانات الزوجية وشرب الخمور كحل للمشاكل.. حلال؟ وهل التبرج والقبل والعري.. حلال؟ وهل تصوير رجل الدين الإسلامي ومدرس اللغة العربية بصورة مزرية وشكل مضحك أو رجل أبله أو وصولي أو جشع.. حلال؟ وهل اختلاط الجمهور داخل هذه الدور بصورة هي الفوضى بعينها.. حلال؟.

ويكشف الشيخ زيف العاملين في السينما والذي صرحوا بحقيقة ما يقومون من هدم وتدمير لصالح مصلحتهم فحسب فيقول: سأل النقاد أحد المخرجين لماذا سلطت الأضواء على جسد الممثلة طوال الفيلم وهي تتكسر وتتلوى وتبالغ في إثارة الجنس، وأهملت الجوانب الوطنية الجادة في القصة؟. قال بصراحة.. إنني أهتم بالشباك أكثر من عنايتي بالهدف الوطني أو بأي شيء آخر.. فهي تجارة ومكسب من أي طريق إذن(30) .

ويكتب الأستاذ صلاح شادي مقالاً عنوانه: ”الفساد في كل واد وعلاج الحكومة سيل من الكلام“ فبعد أن حمل على الخمور والمتبرجات والشباب المتهتك والتجاوزات الأخلاقية في المواصلات، ينتقل الكاتب إلى الأفلام السينمائية التي يعرضها التليفزيون فيقول: ”في المنازل.. تُعرض أحط الأفلام قدرًا، وأشنعها عرضًا، وأسخفها موضوعًا، وأبعدها عن الأخلاق إخراجًا. ويكفي اسمها ليدل على مواضيعها.. جوز مراتي.. فرخة وديك.. أنا وأختي والشيطان.. آخر أوتوبيس للجنة.. حفنة بنات.. المراهقين. أسماء فيها من سوء الأدب والخلق بقدر ما فيها من التطاول والتهجم الوقح على قيم الدين ومعالمه(31)“.

ويكتب الدكتور إبراهيم هلال مقالاً عنوانه: ”حضارتنا.. تبدأ حيث تنتهي الحضارات“، ويذهب الكاتب إلى أن المسئولين عن الإعلام يهدمون ما يشيده الدعاة، ويروجون للغناء والرقص والتمثيل الهدام باسم الفن“، ويصل إلى القول: ”والأدعى لموقف الاستغراب أن تكون هذه حفلات يحج إليها الناس، ويهرعون إلى إحدى دور السينما، أو نادى هيئة من الهيئات التي يفترض فيها أن رسالتها جدية، وأن البلد والشعب ينتظر منها تلك الجدية، وحياة الحزم، والوقار، كنادي الضباط مثلاً أو قاعة الاحتفالات بجامعة القاهرة. وأن تكون هذه الجلسة الشيطانية التي لا يترك إبليس فيها ركنًا إلا وقد حشد فيه من جنوده ما حشد من شياطين الإنس وشياطين الجن معًا لصالح جمعية خيرية أو عمل وطني!!“.

السينما تناقض الجدية والحزم والوقار، ومشاهدة الأفلام بمثابة جلسات شيطانية يحشد فيها إبليس جنوده!. كيف السبيل إلى مناقشة كاتب هذه أفكاره ومفرداته؟(32).

وتكتب المذيعة التليفزيونية كريمان حمزة مقالاً عنوانه: ”بين الفن والترويح“ تقول: إن وسائل الترويح كثيرة وعديدة: ”ومن بين ذلك وسائل الإعلام المتعددة، ودور السينما والمسرح، وأندية الرياضة والرحلات والموسيقى والطرب“. إلا أن الترويح قد اختلط أمره فهمًا ومأخذًا عند الكثيرين.. وخاصة من بيدهم أمر هذه الوسائل.. فظنوه رخصة تبيح لهم التحلل من كل القيم تحت شعار الفن من أجل الفن.. وتمادي القوم في ذلك فقدموا صورًا تخدش الحياء.. وتهتك ستر الأدب والخلق“(33).

ويتساءل محمد عبد القدوس: "هل الفن بصورته الحالية يستحق أن يُقام له عيد يحضره كبار رجال الدولة؟ وهل هذا التصرف يرضي مشاعر الشعب؟ وهل يمثل هذه التصرفات تنهض الأمة من كبوة الفن الماجن الرقيع؟"(34).

لكن كل ذلك كان من نتاج فترة الستينيات والتي انتشر فيها العي والسفور والابتذال والفاحشة، مما دفعهم للتصدي لما يعرض وعمدوا لإصلاح المجتمع والفساد الذي كان يستشري في كل ركن من أركان هذا المجتمع، حتى تحقق ذلك بعودة الالتزام وانتشار الحجاب بين الطالبات.

 

أجيال تعشق الفن

لم يجد “عبد الرحمن البنا” حرجًا من ظهور الممثلات على خشبة المسرح.. ساعده على ذلك البيئة العربية التي استمد منها معظم أعماله والتي فرض جوها على الممثلات الظهور برداء محتشم يتلاءم مع جو النص، ومن طرائف ذلك ما رواه عبد الرحمن البنا في إحدى مقالاته أنه وجد حرجًا من الفنانة عزيزة أمير، حيث كانت ترتدي فستانًا بكم طويل لكنه واسع لدرجة تجعل ذراعيها تظهران، وحين لفت انتباهها لم تستنكف أن تربط هذا الكم بخيط لتضيقه نزولاً على رغبة المؤلف.

وتعددت تأثيرات مسرح الإخوان المسلمين على المناخ المسرحي العربي خاصة في مصر، ومن ذلك اهتمام القوى الإسلامية المختلفة بالمسرح، فقد أنشأت جمعية الشبان المسلمين فريقًا مسرحيًّا بقيادة الفنان “محمد عثمان” ظل منبرًا للمسرحيات الإسلامية إلى أن شعر بخطورته ضباط ثورة يوليو فجمدوه(35).

كما حاول شباب الإخوان ولوج السينما بأشياء هادفة فقاموا بعمل أفلام منها فيلم (وحدة مكافحة الزندقة) فقد قرر شباب الإخوان في مصر أن يطرحوا تجربتهم الخاصة – التي يعبرون من خلالها عن رؤيتهم للفن الراقي – ويقوموا بدخول عالم الفن السابع، حيث عنونوا هذه التجربة بـ”سينما الإخوان.. للفن الراقي عنوان”، في محاولة لخلق نوع جديد من الفن الهادف، الذي يعبر عن هموم المواطن المصري بطريقة غير مبتذلة.

قال ياسر السعيد، طالب في كلية الإعلام، وأحد فريق عمل “سينما الإخوان”، إن الفن عند الإخوان المسلمين ليس جديداً، بل هو موجود منذ إنشائها، وتهتم الجماعة به لخلق نوع من الفن الهادف البديل للفن الذي يسعى لإفساد العادات والتقاليد، لذلك قررنا نحن – عدداً من شباب الإخوان – خوض التجربة، ليتعرف العالم عن قرب أن الإخوان دعوة لا يشوبها التشدد أو التسيب والتفريط، بل هي جماعة لا تمانع في الدعوة لفن (هادف)، وذلك عن طريق جهد فردي غير تابع للإخوان رسمياً.

وطرح شباب الإخوان فيلم «وحدة مكافحة الزندقة» أحد أفلام فريق “سينما الإخوان”، رداً على كثرة الشائعات التي تواجه جماعة الإخوان المسلمين بالتعصب والتطرف.

ومن المعايير التي وضعها فريق «سينما الإخوان» للمشاركة فى إنتاج عدة أفلام كان أهمها العمل لتحقيق نهضة البلاد والحفاظ على المبادئ والأخلاق والعادات والتقاليد للشعب المصري، بالإضافة إلى ضرورة وجود موهبة فنية(36).

وعن فيلم التقرير علقت صحيفة تايمز أوف إسرائيل وقتها على هذا المشروع وقالت في تقرير لها: يتم نشر الأفلام الجديدة التي يقدمها الإخوان عبر قناة خاصة على موقع يوتيوب، تحظى بمتابعة 687 مشتركًا، و300 ألف مشاهد.

واستعرضت الصحيفة فيلمين، أحدهما كوميدي، والآخر سياسي، يحملان عنواني: وحدة مكافحة الزندقة ، واعمل الصح يا حمدي .

وقالت الصحيفة: الغريب هنا هو أن صناع السينما الإخوانية يعتقدون أن إنتاجاتهم ستخاطب شتى الفئات على رغم أنهم سيقدمون أعمالاً من اتجاه واحد في المجتمع من دون طرح الاتجاهات الأخرى ومن البديهي أن أي مجتمع يتوزع على اتجاهات عدة فكيف يتصورون إمكانية جذب الجميع، وهم يعبرون عن فكر ورأي واحد؟

ورغم الانتقادات التي حاصرت الإخوان من صناع السينما وأبرزهم تامر حبيب ومدحت العدل والمخرج خالد يوسف وآخرون، ورغم أن أكاديمية الفنون رفضت عرض فيلم تقرير ، داخل إحدى قاعاتها، في مارس 2013، بعد تعرضها لانتقادات من قبل فنانين وهيئات فنية، اعتبروا موافقة إدارة الأكاديمية على عرض الفيلم، بمثابة مشاركة فنية مع الإخوان المسلمين، خصوصا وأن الفيلم لم توافق عليه الرقابة، وتم الإعلان عنه في تحد لمؤسسات الدولة، رغم كل هذا إلا أن الإخوان شرعوا في التجهيز لأعمالهم السينمائية التي قالوا إنها ستصل بهم للعالمية، وبدأ الشاعر والكاتب سيد درويش في كتابة فيلمين معا هما حسن البنا و ثورة 25 يناير . غير أنهما لم يخرجا إلى النور بسبب المشكلات التي بدأت تواجه الجماعة وجعلتها تجيش أعضائها لتحقيق المكاسب السياسية بعيدا عن شاشات السينما.

 

الأثر الواقعي لجهود الإخوان في مجال الفن

ظل الإخوان يطالبون بحماية المجتمع مما يعرض في السينما حتى أتت جهودهم بثمارها فنرى عبد الفتاح الطويل وزير الصحة يصدر قانونًا بمنع الأطفال الذين لم يبلغوا سن الرشد من غشيان دور السينما، حتى لا تتأثر أدمغتهم بمفاسد العرض، وقد رحب الإخوان بذلك في جريدتهم، وذكرت أن تلك يد بيضاء يسجلها الإخوان المسلمون للحكومة(37).

 

مع أنور وجدي

ولنا في قصة الفنان أنور وجدي في الأستاذ البنا خير دليل على جهود الإخوان وعلى تقبل الإخوان للفن لكن الهادف، يقول الدكتور محمود عساف:

فى يوم من أيام صيف عام 1945.. وكان الجو صحواً، ونسمة خفيفة تداعب الشجر فى ميدان الحلمية الجديدة.. ذهبت إلى الإمام - وكان فى ذلك الوقت غير مشغول بضيوف أو بأعمال لها صفة الاستعجال.. وما إن جلست حتى قال لى: قم بنا نذهب إلى البنك العربي لنفتح حساباً للجماعة هناك.. ولم يكن للإخوان أى حساب فى أى بنك حتى ذلك الوقت!!.. وكان البنك العربي هذا بنكاً حديث النشأة، وكان مركزه الرئيسي فى مدينة القدس يرأسه وصاحب رأسماله عبدالمجيد شومان أو عبدالحميد شومان، لا أدرى بالضبط، فهو فلسطيني الجنسية.. وكان العرب والمسلمون متحمسين للتعامل مع هذا البنك الجديد فى وقت كانت فيه البنوك كلها أجنبية حتى البنوك المصرية كانت فى ظاهرها مصرية، أجنبية فى حقيقتها.. بالإضافة إلى بنوك ملكية فردية، أصحابها من اليهود.. فيما عدا بنك مصر الذى كان الإنجليز يحاربونه بشتى الطرق.. ويعملون على إغلاقه بأى شكل وبأي طريقة، ولكن الله غالب على أمره.

ركبنا الترام - الإمام وأنا - !! من شارع محمد على من أمام مسجد قيسون متوجهين إلى العتبة الخضراء ومن هناك سرنا على الأقدام إلى ميدان الأوبرا ثم إلى شارع قصر العينى، حيث يوجد البنك هناك!!

توجهنا إلى مكتب رئيس البنك السيد شومان رأساً، وكان يتبع سياسة الباب المفتوح لكل العملاء.. يستطيع أى عميل أن يدخل إليه بلا أى استئذان.. دخلنا وألقينا السلام من على بعد وجلسنا- الإمام وأنا - على أريكة مواجهة للمكتب.. وكان هناك رجل جالس على مقعد مجاور للمكتب وظهره منحرف نحونا، كان يتحدث مع شومان بك حديثاً خاصاً هامساً.. انتظرنا صامتين إلى أن تنتهى تلك المقابلة.. ولكن فاجأنا شومان بك بقوله بصوت عال حينما لمحنا: أهلاً أهلاً.. أهلاً وسهلاً.. مما جعل الجالس أمامه ينظر إلينا، فإذا به ينتفض هو الآخر، ويهتف قائلاً حسن بك!! حسن بك!! أهلاً وسهلاً حسن بك!!

ثم تقدم نحونا مصافحاً الإمام ثم إياى.. ثم جلس على كرسى مواجه للإمام، وقال لنا:

-أنا أنور وجدى المشخصاتى- يعنى الممثل- طبعاً فأنتم تنظرون إلينا ككفرة، نرتكب كل يوم المعاصى، فى حين أنا والله أقرأ القرآن، وأصلى، كلما كان ذلك مستطاعاً!!

كانت مفاجأة لى.. فلم يكن أحد ينادى الإمام أو يشير إليه فى كلامنا إلا بقولنا فضيلة الأستاذ أو السيد الإمام.. أما حكاية حسن بك كانت نشازاً غريباً عليه وعلى مسامعه هو أيضاً.

رد عليه الإمام بقوله:

- يا أخ أنور، أنتم لستم كفرة ولا عصاة بحكم أعمالكم. فالتمثيل ليس حراماً فى حد ذاته.. ولكنه حرام إذا كان موضوعه حراماً.. وأنت وإخوانك الممثلون تستطيعون أن تقدموا خدمة عظمى للإسلام إذا عملتم على إنتاج أفلام أو مسرحيات تدعو إلى مكارم الأخلاق.. بل أنتم تكونون بذلك أكثر قدرة على نشر الدعوة الإسلامية من كثير من وعاظ المساجد.

ثم قال الإمام:

- إني أرحب بك.. وآمل أن تحضر لزيارتنا بدار الإخوان المسلمين بالحلمية الجديدة لنتبادل الرأي حول ما يمكن أن تسهموا به في نشر الفضيلة والدعوة إلى الله تعالى(38).

 

مع حسين صدقي

الفنان الآخر هو حسين صدقي، الذي يشير بعض معاصري البنا إلى علاقة بينه وبين البنا في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي، قبل وفاة البنا ببضعة شهور، وأكمل الأستاذ سيد قطب المشوار الدعوي معه؛ إذ كان يسكن بجواره الفنان حسين صدقي رحمه الله، وقد ذهب إليه يخبره أنه ينوي اعتزال التمثيل، وتركه نهائيًّا، فقال له سيد قطب: إنني أكتب عشرات المقالات، وأخطب عشرات الخطب، وبفيلم واحد تستطيع أن تُنهي على ما فعلته أنا أو تقوِّيه.. أنصحُكَ أن تستمرَّ ولكن بأفلام هادفة.

 وبالفعل قدَّم حسين صدقي بعد ذلك فيلمين: الأول ضاع عن ذهني اسمه، وقد مثَّل فيه معه حسن فايق وعزيزة حلمي وماجدة، وكان يدور حول علاقة الأب بأبنائه، وأسلوب التربية الخطأ، وقد دخل هذه الأسرة المفكّكة فأقام علاقةً جيدةً بالأولاد؛ مما كان سببًا في تحسين علاقتهم بأبيهم وربهم.

 أما الفيلم الآخر فهو فيلم: (الشيخ حسن) ولم أرَه، ولا يعرضه التلفزيون المصري، فقد صادرته الرقابة آنذاك، ولكني رأيت إعلانَه في الجرائد القديمة، وقد رأيت صورة حسين صدقي يرتدي الزى والعمامة الأزهرية، وشاركته في البطولة ليلى فوزي(39).

وتقول السيدة سميرة المغربي عن علاقة زوجها بالإخوان: حسين صدقي كان يؤدى الفروض، وكنت ألح عليه بعد التزامي أن يترك العمل في السينما، وذات مرة أثناء زيارتنا لسيد قطب في المستشفى قبيل إعدامه، ذكر زوجي له ما أطلب منه، فكان رده عليه: إن الحركة الإسلامية محتاجة لفن إسلامي، وإنني أكتب عشرات المقالات وأخطب عشرات الخطب، وبفيلم واحد تستطيع أنت أن تقضى على ما فعلته أنا أو تقويه، أنصحك أن تستمر لكن بأفلام هادفة(40).

مما سبق اتضح الفهم الواعي والراقي للشيخ حسن البنا والإخوان تجاه الفن، بل أنهم استخدموه لنشر دعوتهم مع الحرص على الالتزام بكتاب الله وسنة نبيه وعدم الوقوع فيما يخالف شريعة الرحمن سبحانه.

 

المصادر

  1.   عادل محمد ثروت عثمان: الفن وعلم الجمال،  الجامعة السعودية، 2006م
  2.   كتاب أخبار الحمقى والمغفلين لابن الجوزي، المكتب التجاري – بيروت، مجلد 1
  3.   كتاب أخبار الحمقى والمغفلين المرجع السابق
  4.   عبد الفتاح محمود إدريس: تجسيد الأنبياء والصحابه في الأعمال الفنية، الدورة الحادية والعشرون لمؤتمر مجمع الفقه الإسلامي الدولي 1435هـ/ 2013م، صـ32
  5.   محمد زكي العشماوي: المسرح: أصوله واتجاهاته المعاصرة، دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع, بيروت، 1989م.
  6.  عصام تليمة، السينما والمسرح في فكر الإمام البنا، 25 فبراير 2007م
  7.  عصام تليمة نقلا عن حوار تلفزيوني لصلاح عبد المتعال
  8.  أنور الجندي: الإخوان المسلمون في ميزان الحق، دار الطباعة، ص(38).
  9.  مجموعة رسائل الإمام البنا، رسالة المؤتمر السادس.
  10.  مجلة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (239)، السنة الأولى، 21ربيع أول 1366ﻫ / 12فبراير 1947م، ص(2).
  11.  جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الخامسة – العدد 7 – صـ12 – 23ربيع الثاني 1356هـ / 2يونيو 1937م.
  12.    جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الثالثة – العدد 14 – صـ22، 23 – 15ربيع الآخر 1354هـ / 16يوليو 1935م.
  13.   مجلة الفتح – العدد 557 ، 29ربيع الآخر 1356هـ، صـ10، 11.
  14.   مجلة الإخوان المسلمون الأسبوعية العدد 136 السنة 5 /2ربيع أول 1366هـ, 25/1/1947 صـ8
  15.  عصام تليمة نقلا عن لقاء على الإنترنت مع الدكتور صلاح عبد المتعال، ومقابلة مع الأستاذ فهمي هويدي في إستانبول بتاريخ 10 يوليو سنة 2006م.
  16.  محمد المدهون، الإمام البنا ورؤية جديدة في المسرح والسينما.
  17.   مسرح الإخوان المسلمين.. البداية رومانسية، أحمد زين، http://cutt.us/om5UG
  18.   من وثائق الإخوان المسلمين المجهولة، جمال البنا، دار الفكر الإسلامي للنشر والتوزيع، جـ1، 2010م
  19.   صلاح ذهني، مجلة آخر ساعة، والمصري اليوم لايت، 12,فبراير 2015م.
  20.  مجلة النذير، العدد (3)، السنة الأولى، الاثنين 14 ربيع الثانى 1357ﻫ- 13 يونيو 1938م، ص(3-10). كتب الإمام البنا هذه الرسالة أثناء تولى محمد محمود باشا "وزارته الثالثة".
  21.  جريدة الإخوان المسلمين الاسبوعية – السنة الرابعة – العدد 8 – صـ9 – 12ربيع الأول 1355هـ / 2يونيو 1936م.
  22.  مجلة الإخوان المسلمين، العدد (35)، السنة الثانية، 27 جماد أول1363/ 20 مايو1944، ص(3، 4-18).
  23.  جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الرابعة – العدد 11 - 4ربيع الثاني 1355هـ / 23يونيو 1936م.
  24.  مجموعة رسائل الإمام البنا، رسالة المنهج.
  25.  الدعوة – العدد (63) – رمضان 1401هـ / يوليو 1981م.
  26.  الإخوان المسلمون – العدد (56) – 28ربيع آخر 1364هـ / 4/4/1945م.
  27.  محمد نجيب: كنت رئيسا لمصر، المكتب المصري الحديث، القاهرة، 1984م، صـ201.
  28.  مجلة الدعوة، العدد السابع عشر، أكتوبر 1977م.
  29.  الدعوة – العدد رقم "49" في يونيو 1980م، باب الإفتاء
  30.  الدعوة-  المرجع السابق
  31.  الدعوة-  العدد الثامن، يناير 1977
  32.  الدعوة-  العدد 21، فبراير 1978م
  33.  الدعوة-  العدد رقم 27، أغسطس 1978م
  34.  الدعوة-  العدد رقم "30"، نوفمبر 1978م
  35.    مسرح الإخوان المسلمين.. مرجع سابق
  36.   عين نيوز- رصد، الاثنين ٢/ ٧/ ٢٠١٢م.
  37.  جريدة الإخوان المسلمين: السنة الخامسة، العدد 16 ، 5 رجب 1356هـ / 10 سبتمبر 1937م.
  38.  محمود عساف، مع الإمام الشهيد حسن البنا، صـ 39- 41
  39.  عصام تليمة المسرح والسينما مرجع سابق
  40.  عبده مصطفى دسوقي، مريم السيد هنداوي: عمالقة في زمن النسيان، نقلا عن مجلة لواء الإسلام، العدد الثامن، السنة (44)، غرة ربيع الآخر 1410ﻫ- 1 نوفمبر 1989م.

قد يعجبك ايضا