العبادات.. غذاء الروح ووقود العمل
المنتدى الإسلامي العالمي للتربية

العبادات.. غذاء الروح ووقود العمل

شرع الله تعالى الأعمال والقربات كالصلاة والزكاة وغيرها لتزكية النفس وتطهيرها من الرذائل, ولتبلغ الكمال في العبودية والطاعة لله. وفي القرآن مواضع كثيرة قرن الله فيها العبادة بالتقوى، إذ لا تزكية للروح إلا بالعبادة, وكذلك العبادة ما لم يظهر آثرها على سلوك المسلم وتصرفاته فتمنعه من ارتكاب الحرام فإنها قد لا تنفع صاحبها في الآخرة.

والربانية هي طريق تغيير النفس والسلوك، وبناء الرجال, وتحقيق الآمال, وهي عماد التربية, فهي التي تصوغ القلب الحي الموصول بالله تبارك وتعالى, الموقن بلقائه وحسابه, الراجي لرحمته, الخائف من عقابه، وهذا ما أشارت إليه الدكتورة ساجدة طه محمود الفهداوي، جامعة بغداد، في دراستها: »أثر الصلاة والصيام والزكاة والحج على التربية الربانية للمسلم«.

 

أثر الصلاة

الصلاة من الفرائض التي شرعها الله تعالى وأوجبها على عباده المؤمنين، فهي تحقق للمسلم الراحة النفسية الطمأنينة والسكينة كما تلعب دورًا في ترسيخ العلاقات الاجتماعية بين المسلمين، ويتضح ذلك جليًا من خلال تشريع الصلوات الجامعة كصلاة الجماعة والجمعة والعيدين، والصلوات الجامعة الأخرى التي شرعت في مناسبات معينة, كالاستسقاء والخسوف.

والصلاة أيضًا تطهر الإنسان من المعصية والرذيلة، وتربي فيه الطاعة والفضيلة, يقول تعالى: {إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ والْمُنكَرِ}, فعندما يؤديها يتطهر بها, ويناجي ربه وهو يؤديها فيتذكر حاله إن كان مسيئًا فيستحي وهو واقف بين يدي الله تعالى, فينتهي عن المحرمات والمنكرات.

 

أثر الزكاة

والمزكي بأدائه للزكاة يطفئ سعار حب المال في نفسه الذي هو داء مستطير لا تكاد تسلم منه نفس, ولذلك يحتاج إلى العلاج بمثل هذه النفقات, فلذلك أمر الله تعالى الأغنياء أن يخرجوا من أموالهم حقًا معلومًا للفقراء؛ ليطهروا بذلك نفوسهم من أسر هذا الداء العضال, ويشير إلى ذلك قول الله سبحانه وتعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكِّيهِم بِهَا}.

وحين توزع الزكاة على مستحقيها, ويستغني الفقير والمسكين وذو الحاجة, وتقنع نفوسهم, وتطهر قلوبهم من الحقد والحسد, ويصيرون عونًا للمجتمع الذي يرعاهم ويكفلهم, فلا يرضون تدميره, ولا يثورون ضده, ولا يعملون على إفساده والتخلص منه.

 

أثر الصوم

والصوم أيضًا من العبادات التي شرعها الله تعالى، فهو يعمل علي تحرير الإنسان من سلطان غرائزه, ومساعدته في التغلب على نزعات شهوته, والله تبارك وتعالى يبين لنا حكمة الصيام في قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

وللصيام فوائد كثيرة تنعكس آثارها على الفرد المسلم, فالحق تبارك وتعالى قد فرض الصيام وقاية للإنسان ليحول بينه وبين الميول المرذولة والمنكرات, وكل ما من شأنه هدم شخصية الإنسان, والصوم يقي الشخص في مفرده, والمجتمع في مجموعه, فهو يقي الشخص المفرد أن يكون حيوانًا يعمل بشريعة الغاب, ويقي المجتمع بتهيئة الفرد الصالح العامل على خيره، فيكون إنسانًا مع إنسان لا حيوانًا ضاريًا مع إنسان.

 

أثر الحج

لقد ذكر الله سبحانه وتعالى الحج في أكثر من موضع في كتابه العزيز مقرونًا بالتقوى.. فالله سبحانه وتعالى يقول: {وأَتِمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ..} إلى أن قال: {..واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ}, ويقول سبحانه: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ فِي الحَجِّ ومَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى واتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}.

والحج تدريب للإنسان على الصبر وتحمل المتاعب, ويعلمه الانضباط والتزام الأوامر, فيستعذب الألم في سبيل إرضاء الله تعالى, ويدفعه أيضًا إلى التضحية والإيثار.

ومن الفوائد الأخرى التي يحققها الحج أنه عيد موسمي يجتمع فيه المسلمون من كل حدب وصوب, ومن كل لون وشكل, ومن كل جنسية وقومية, لا تفرقهم لغة ولا وطن ولا زيّ ولا فقر ولا غنى, إنما يجمعهم دين واحد, همهم واحد ألا وهو طلب المغفرة من الرب الغفور, وهذا الاجتماع يساعد على تقوية أواصر الإخوة والجماعة مع اختلاف أوطانهم وألوانهم ولغاتهم, ويساعد كذلك على تبادل الأفكار والمعلومات بين المسلمين, ومعرفة أخبار الأوطان المسلمة وأحوال شعوبها, مما يساعد على نشر الدعوة الإسلامية.

كما يربطنا الحج بالجيل الأول الذي عاش في هذه البقاع الطاهرة, وتحمل في سبيل الله إظهار هذا الدين إلى النور ونشره بين الناس، متحملين في ذلك أنواع العذاب والأذى من الكفار, فيقوي ذلك فينا ارتباطنا بهذا الدين وحرصنا على نشره والجهاد في سبيل إعلاء شأنه، كما يذكرنا بإبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام عندما كانا يرفعان أركان هذا البيت العتيق.

 

قد يعجبك ايضا