من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم
المنتدى الإسلامي العالمي للتربية

من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم

بَيَانُ تَأْدِيبِ اللَّهِ تَعَالَى صَفِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَثِيرَ الضَّرَاعَةِ وَالِابْتِهَالِ، دَائِمَ السُّؤَالِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُزَيِّنَهُ بِمَحَاسِنِ الْآدَابِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، فَكَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ حَسِّنْ خُلُقِي وَخَلْقِي» وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ» فَاسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَهُ وَفَاءً بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غَافِرٍ: 60] فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ وَأَدَّبَهُ فَكَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، وَإِنَّمَا أَدَّبَهُ الْقُرْآنُ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الْأَعْرَافِ: 199] وَقَوْلِهِ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ) [النَّحْلِ: 90] وَقَوْلِهِ: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [لُقْمَانَ: 17] وَقَوْلِهِ: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [الْمَائِدَةِ: 13] وَقَوْلِهِ: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) [فُصِّلَتْ: 34] وَقَوْلِهِ: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) [آلِ عِمْرَانَ: 134] وَقَوْلِهِ: (اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) [الْحُجُرَاتِ: 12] وَأَمْثَالُ هَذِهِ التَّأْدِيبَاتِ فِي الْقُرْآنِ لَا تُحْصَرُ.   
وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمَقْصُودُ الْأَوَّلُ بِالتَّأْدِيبِ وَالتَّهْذِيبِ ثُمَّ مِنْهُ يُشْرِقُ النُّورُ عَلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ، فَإِنَّهُ أُدِّبَ بِالْقُرْآنِ وَأَدَّبَ الْخَلْقَ بِهِ. وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» ثُمَّ رَغَّبَ الْخَلْقَ فِي مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ. ثُمَّ لَمَّا أَكْمَلَ اللَّهُ تَعَالَى خُلُقَهُ أَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [الْقَلَمِ: 4] ثُمَّ بَيَّنَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِلْخَلْقِ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَيَبْغَضُ سَفْسَافَهَا. قَالَ علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «يَا عَجَبًا لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ يَجِيئُهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ فِي حَاجَةٍ فَلَا يَرَى نَفْسَهُ لِلْخَيْرِ أَهْلًا، فَلَوْ كَانَ لَا يَرْجُو ثَوَابًا وَلَا يَخْشَى عِقَابًا لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسَارِعَ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، فَإِنَّهَا مِمَّا تَدُلُّ عَلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ» وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ اللَّهَ حَفَّ الْإِسْلَامَ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ» وَمِنْ ذَلِكَ: حُسْنُ الْمُعَاشَرَةِ، وَكَرَمُ الصَّنِيعَةِ، وَلِينُ الْجَانِبِ، وَبَذْلُ الْمَعْرُوفِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ الْمُسْلِمِ، وَتَشْيِيعُ الْجِنَازَةِ، وَحُسْنُ الْجِوَارِ لِمَنْ جَاوَرْتَ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، وَتَوْقِيرُ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَإِجَابَةُ الطَّعَامِ وَالدُّعَاءُ عَلَيْهِ، وَالْعَفْوُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَالْجُودُ وَالْكَرَمُ وَالسَّمَاحَةُ، وَكَظْمُ الْغَيْظِ، وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ وَالْغِيبَةِ وَالْكَذِبِ وَالْبُخْلِ وَالشُّحِّ وَالْجَفَاءِ وَالْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَسُوءِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَقَطِيعَةِ الْأَرْحَامِ وَسُوءِ الْخُلُقِ وَالتَّكَبُّرِ وَالْفَخْرِ وَالِاخْتِيَالِ وَالِاسْتِطَالَةِ وَالْبَذَخِ وَالْفُحْشِ وَالتَّفَحُّشِ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالطِّيَرَةِ وَالْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ وَالظُّلْمِ. قَالَ «أنس» رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «فَلَمْ يَدَعْ نَصِيحَةً جَمِيلَةً إِلَّا وَقَدْ دَعَانَا إِلَيْهَا وَأَمَرَنَا بِهَا، وَلَمْ يَدَعْ غِشًّا أَوْ عَيْبًا إِلَّا حَذَّرَنَاهُ وَنَهَانَا عَنْهُ» ، وَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ هَذِهِ الْآيَةُ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النَّحْلِ: 90] وَقَالَ «معاذ» أَوْصَانِي رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: «يَا معاذ أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَتَرْكِ الْخِيَانَةِ، وَحِفْظِ الْجَارِ، وَرَحْمَةِ الْيَتِيمِ، وَلِينِ الْكَلَامِ، وَبَذْلِ السَّلَامِ، وَحُسْنِ الْعَمَلِ، وَقَصْرِ الْأَمَلِ، وَلُزُومِ الْإِيمَانِ، وَالتَّفَقُّهِ فِي الْقُرْآنِ، وَحُبِّ الْآخِرَةِ، وَالْجَزَعِ مِنَ الْحِسَابِ، وَخَفْضِ الْجَنَاحِ. وَأَنْهَاكَ أَنْ تَسُبَّ حَكِيمًا، أَوْ تُكَذِّبَ صَادِقًا، أَوْ تُطِيعَ آثِمًا، أَوْ تَعْصِيَ إِمَامًا عَادِلًا، أَوْ تُفْسِدَ أَرْضًا. وَأُوصِيكَ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ عِنْدَ كُلِّ حَجَرٍ وَشَجَرٍ وَمَدَرٍ، وَأَنْ تُحْدِثَ لِكُلِّ ذَنْبٍ تَوْبَةً، السِّرُّ بِالسِّرِّ، وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ». فَهَكَذَا أَدَّبَ عِبَادَ اللَّهِ وَدَعَاهُمْ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْآدَابِ.      


بَيَانُ جُمَلٍ مِنْ مَحَاسِنِ أَخْلَاقِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ
كَانَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَحْلَمَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَأَعْدَلَ النَّاسِ، وَأَعَفَّ النَّاسِ، وَلَمْ تَمَسَّ يَدُهُ قَطُّ يَدَ امْرَأَةٍ لَا يَمْلِكُ رِقَّهَا أَوْ عِصْمَةَ نِكَاحِهَا أَوْ تَكُونُ ذَاتَ مَحْرَمٍ مِنْهُ، وَكَانَ أَسْخَى النَّاسِ لَا يَبِيتُ عِنْدَهُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، وَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُعْطِيهِ وَفَجَأَهُ اللَّيْلُ لَمْ يَأْوِ إِلَى مَنْزِلِهِ حَتَّى يَتَبَرَّأَ مِنْهُ إِلَى مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، لَا يَأْخُذُ مِمَّا آتَاهُ إِلَّا قُوتَ عَامِهِ فَقَطْ وَيَضَعُ سَائِرَ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لَا يُسْأَلُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَى قُوتِ عَامِهِ فَيُؤْثِرُ مِنْهُ حَتَّى أَنَّهُ رُبَّمَا احْتَاجَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعَامِ فَاسْتَقْرَضَ. وَكَانَ يَخْصِفُ النَّعْلَ وَيُرَقِّعُ الثَّوْبَ وَيَخْدِمُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، وَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ حَيَاءً لَا يَثْبُتُ بَصَرُهُ فِي وَجْهِ أَحَدٍ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَيَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَلَوْ أَنَّهَا جُرْعَةُ لَبَنٍ وَيُكَافِئُ عَلَيْهَا وَيَأْكُلُهَا، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وَلَا يَسْتَكْبِرُ عَنْ إِجَابَةِ الْأَمَةِ وَالْمِسْكِينِ. يَغْضَبُ لِرَبِّهِ وَلَا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ، وَقَدْ وَجَدَ مِنْ أَصْحَابِهِ قَتِيلًا بَيْنَ الْيَهُودِ فَلَمْ يَجْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا زَادَ عَلَى مُرِّ الْحَقِّ بَلْ وَدَاهُ بِمِائَةِ نَاقَةٍ، وَإِنَّ بِأَصْحَابِهِ لَحَاجَةً إِلَى بَعِيرٍ وَاحِدٍ يَتَقَوَّوْنَ بِهِ، وَكَانَ يَعْصِبُ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ مِنَ الْجُوعِ، يَأْكُلُ مَا حَضَرَ، وَلَا يَرُدُّ مَا وَجَدَ، إِنْ وَجَدَ تَمْرًا دُونَ خُبْزٍ أَكَلَهُ، وَإِنْ وَجَدَ شِوَاءً أَكَلَهُ، وَإِنْ وَجَدَ خُبْزَ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ أَكَلَهُ، وَإِنْ وَجَدَ حَلْوَاءَ أَوْ عَسَلًا أَكَلَهُ، وَإِنْ وَجَدَ لَبَنًا دُونَ خُبْرٍ اكْتَفَى بِهِ، وَإِنْ وَجَدَ بِطِّيخًا أَوْ رُطَبًا أَكَلَهُ، لَا يَأْكُلُ مُتَّكِئًا وَلَا عَلَى خِوَانٍ، لَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى إِيثَارًا عَلَى نَفْسِهِ لَا فَقْرًا وَلَا بُخْلًا. وَكَانَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَشَدَّ النَّاسِ تَوَاضُعًا وَأَسْكَنَهُمْ فِي غَيْرِ كِبْرٍ، وَأَبْلَغَهُمْ فِي غَيْرِ تَطْوِيلٍ، وَأَحْسَنَهُمْ بِشْرًا، لَا يَهُولُهُ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، خَاتَمُهُ مِنْ فِضَّةٍ يَلْبَسُهُ فِي خِنْصَرِهِ الْأَيْمَنِ وَالْأَيْسَرِ، يَرْكَبُ الْحِمَارَ وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ عَبْدَهُ أَوْ غَيْرَهُ. يَعُودُ الْمَرْضَى فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ. يُحِبُّ الطِّيبَ، وَيُجَالِسُ الْفُقَرَاءَ، وَيُؤَاكِلُ الْمَسَاكِينَ وَيُكْرِمُ أَهْلَ الْفَضْلِ، وَيَتَأَلَّفُ أَهْلَ الشَّرَفِ بِالْبِرِّ لَهُمْ، يَصِلُ رَحِمَهُ وَلَا يَجْفُو عَلَى أَحَدٍ. يَقْبَلُ مَعْذِرَةَ الْمُعْتَذِرِ إِلَيْهِ. يَمْزَحُ وَلَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا، ضَحِكُهُ التَّبَسُّمُ مِنْ غَيْرِ قَهْقَهَةٍ. يَرَى اللَّعِبَ الْمُبَاحَ فَلَا يُنْكِرُهُ، يُسَابِقُ أَهْلَهُ، وَتُرْفَعُ الْأَصْوَاتُ عَلَيْهِ مِنَ الْجُفَاةِ فَيَصْبِرُ، لَمْ يَرْتَفِعْ عَلَى عَبِيدِهِ فِي مَأْكَلٍ وَلَا مَلْبَسٍ، لَا يَمْضِي لَهُ وَقْتٌ فِي غَيْرِ عَمَلٍ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِنْ صَلَاحِ نَفْسِهِ، يَخْرُجُ إِلَى بَسَاتِينِ أَصْحَابِهِ، لَا يَحْتَقِرُ مِسْكِينًا لِفَقْرِهِ، وَلَا يَهَابُ مَلِكًا لِمُلْكِهِ، يَدْعُو هَذَا وَهَذَا إِلَى اللَّهِ دُعَاءً مُسْتَوِيًا. قَدْ جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ السِّيرَةَ الْفَاضِلَةَ وَالسِّيَاسَةَ التَّامَّةَ وَهُوَ أُمِّيٌّ لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ. نَشَأَ فِي بِلَادِ الْجَهْلِ وَالصَّحَارِي فِي فَقْرٍ وَفِي رِعَايَةِ الْغَنَمِ يَتِيمًا لَا أَبَ لَهُ وَلَا أُمَّ فَعَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى جَمِيعَ مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ وَالطُّرُقِ الْحَمِيدَةِ وَأَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَمَا فِيهِ النَّجَاةُ وَالْفَوْزُ فِي الْآخِرَةِ وَالْغِبْطَةُ وَالْخَلَاصُ فِي الدُّنْيَا. وَفَّقَنَا اللَّهُ لِطَاعَتِهِ فِي أَمْرِهِ وَالتَّأَسِّي بِهِ فِي فِعْلِهِ، آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ..

بَيَانُ جُمْلَةٍ أُخْرَى مِنْ آدَابِهِ وَأَخْلَاقِهِ
مِمَّا رُوِيَ عَنْهُ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ مَا ضَرَبَ بِيَدِهِ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا أَنْ يَضْرِبَ بِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا انْتَقَمَ مِنْ شَيْءٍ صُنِعَ إِلَيْهِ قَطُّ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، وَمَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِثْمٌ أَوْ قَطِيعَةُ رَحِمٍ فَيَكُونُ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا كَانَ يَأْتِيهِ أَحَدٌ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ إِلَّا قَامَ مَعَهُ فِي حَاجَتِهِ، وَقَالَ أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا قَالَ لِي فِي شَيْءٍ قَطُّ كَرِهَهُ لِمَ فَعَلْتَهُ، وَلَا لَامَنِي نِسَاؤُهُ إِلَّا قَالَ دَعُوهُ إِنَّمَا كَانَ هَذَا بِكِتَابٍ وَقَدَرٍ». وَكَانَ مِنْ خُلُقِهِ أَنْ يَبْدَأَ مَنْ لَقِيَهُ بِالسَّلَامِ. وَمَنْ قَاوَمَهُ لِحَاجَةٍ صَابَرَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُنْصَرِفَ، وَكَانَ إِذَا لَقِيَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ بَدَأَهُ بِالْمُصَافَحَةِ، وَكَانَ لَا يَقُومُ وَلَا يَجْلِسُ إِلَّا عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ. وَكَانَ لَا يَجْلِسُ إِلَيْهِ أَحَدٌ وَهُوَ يُصَلِّي إِلَّا خَفَّفَ صَلَاتَهُ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: «أَلَكَ حَاجَةٌ» ؟ وَلَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ مَجْلِسُهُ مِنْ مَجْلِسِ أَصْحَابِهِ لِأَنَّهُ كَانَ حَيْثُ انْتَهَى بِهِ الْمَجْلِسُ جَلَسَ، وَكَانَ يُكْرِمُ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ حَتَّى رُبَّمَا بَسَطَ لَهُ ثَوْبَهُ يُجْلِسُهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ يُؤْثِرُ الدَّاخِلَ عَلَيْهِ بِالْوِسَادَةِ الَّتِي تَحْتَهُ، وَكَانَ يُعْطِي كُلَّ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ نَصِيبَهُ مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى كَأَنَّ مَجْلِسَهُ وَسَمْعَهُ وَحَدِيثَهُ وَلَطِيفَ مَجْلِسِهِ وَتَوَجُّهِهِ لِلْجَالِسِ إِلَيْهِ، وَمَجْلِسُهُ مَعَ ذَلِكَ حَيَاءٌ وَتَوَاضُعٌ وَأَمَانَةٌ، قَالَ تَعَالَى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) [آلِ عِمْرَانَ: 159] وَلَقَدْ كَانَ يَدْعُو أَصْحَابَهُ بِكُنَاهُمْ إِكْرَامًا لَهُمْ وَاسْتِمَالَةً لِقُلُوبِهِمْ وَيُكَنِّي مَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ كُنْيَةً فَكَانَ يُدْعَى بِمَا كَنَّاهُ بِهَا، وَيُكَنِّي أَيْضًا النِّسَاءَ اللَّاتِي لَهُنَّ الْأَوْلَادُ وَاللَّاتِي لَمْ يَلِدْنَ، وَيُكَنِّي أَيْضًا الصِّبْيَانَ فَيَسْتَلِينُ بِهِ قُلُوبَهُمْ، وَكَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ غَضَبًا وَأَسْرَعَهُمْ رِضَاءً، وَكَانَ أَرْأَفَ النَّاسِ بِالنَّاسِ وَخَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ وَأَنْفَعَ النَّاسِ لِلنَّاسِ. وَلَمْ تَكُنْ تُرْفَعُ فِي مَجْلِسِهِ الْأَصْوَاتُ، وَكَانَ إِذَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ قَالَ: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ).


بَيَانُ كَلَامِهِ وَضَحِكِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ
كَانَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَفْصَحَ النَّاسِ مَنْطِقًا وَأَحْلَاهُمْ كَلَامًا وَيَقُولُ: «أَنَا أَفْصَحُ الْعَرَبِ» وَكَانَ يَتَكَلَّمُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ لَا فُضُولَ وَلَا تَقْصِيرَ، يَحْفَظُهُ سَامِعُهُ وَيَعِيهِ، وَكَانَ جَهِيرَ الصَّوْتِ أَحْسَنَ النَّاسِ نَغَمَةً، لَا يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا يَقُولُ فِي الرِّضَاءِ وَالْغَضَبِ إِلَّا الْحَقَّ، وَيُعْرِضُ عَمَّنْ تَكَلَّمَ بِغَيْرِ جَمِيلٍ، وَيُكَنِّي عَمَّا اضْطَرَّهُ الْكَلَامُ إِلَيْهِ مِمَّا يَكْرَهُ. وَكَانَ إِذَا سَكَتَ تَكَلَّمَ جُلَسَاؤُهُ، وَلَا يُتَنَازَعُ عِنْدَهُ فِي الْحَدِيثِ، وَيَعِظُ بِالْجِدِّ وَالنَّصِيحَةِ. وَكَانَ أَكْثَرَ النَّاسِ تَبَسُّمًا وَضَحِكًا فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ وَتَعَجُّبًا مِمَّا تَحَدَّثُوا بِهِ وَخَلْطًا لِنَفْسِهِ بِهِمْ، وَلَرُبَّمَا ضَحِكَ حَتَّى تَبْدُوَ نَوَاجِذُهُ، وَكَانَ ضَحِكُ أَصْحَابِهِ عِنْدَهُ التَّبَسُّمَ اقْتِدَاءً بِهِ وَتَوْقِيرًا لَهُ. وَكَانَ إِذَا نَزَلَ بِهِ الْأَمْرُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إِلَى اللَّهِ وَتَبَرَّأَ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ وَاسْتَنْزَلَ الْهُدَى فَيَقُولُ: (اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)    
 

أَخْلَاقُهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ
كَانَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَأْكُلُ مَا وَجَدَ، وَإِذَا وُضِعَتِ الْمَائِدَةُ قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا نِعْمَةً مَشْكُورَةً تَصِلُ بِهَا نِعْمَةَ الْجَنَّةِ». وَكَانَ لَا يَأْكُلُ الْحَارَّ وَيَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُطْعِمْنَا نَارًا فَأَبْرِدُوهُ» وَكَانَ يَأْكُلُ مِمَّا يَلِيهِ، وَيَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيرِ وَالْقِثَّاءِ بِالرُّطَبِ. وَكَانَ أَكْثَرُ طَعَامِهِ الْمَاءَ وَالتَّمْرَ، وَأَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ اللَّحْمَ، وَكَانَ يَأْكُلُ الثَّرِيدَ بِاللَّحْمِ، وَيُحِبُّ الْقَرْعَ، وَكَانَ يُحِبُّ مِنَ الشَّاةِ الذِّرَاعَ وَالْكَتِفَ وَلَا يُحِبُّ مِنْهَا الْكُلْيَتَيْنِ وَلَا الذَّكَرَ وَالْأُنْثَيَيْنِ وَلَا الْمَثَانَةَ وَالْغُدَدَ وَالْحَيَاءَ وَيَكْرَهُ ذَلِكَ. وَكَانَ لَا يَأْكُلُ الثُّومَ وَلَا الْبَصَلَ. وَمَا ذَمَّ طَعَامًا قَطُّ، إِنْ أَعْجَبَهُ أَكَلَهُ وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ. وَكَانَ يَعَافُ الضَّبَّ وَالطِّحَالَ وَلَا يُحَرِّمُهُمَا. وَكَانَ إِذَا فَرَغَ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَطْعَمْتَ فَأَشْبَعْتَ وَسَقَيْتَ فَأَرْوَيْتَ لَكَ الْحَمْدُ غَيْرَ مَكْفُورٍ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ» وَكَانَ إِذَا أَكَلَ اللَّحْمَ غَسَلَ يَدَيْهِ غَسْلًا جَيِّدًا. وَكَانَ يَشْرَبُ فِي ثَلَاثِ دُفُعَاتٍ، وَيَمُصُّ الْمَاءَ مَصًّا وَلَا يَعُبُّهُ عَبًّا وَلَا يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ بَلْ يَنْحَرِفُ عَنْهُ. وَكَانَ رُبَّمَا قَامَ فِي بَيْتِهِ فَأَخَذَ مَا يَأْكُلُ بِنَفْسِهِ أَوْ يَشْرَبُ.  .
 

أَخْلَاقُهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي اللِّبَاسِ

كَانَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ مَا وَجَدَ، وَأَكْثَرُ لِبَاسِهِ الْبَيَاضُ، وَكَانَتْ ثِيَابُهُ كُلُّهَا مُشَمَّرَةً فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ، وَكَانَ قَمِيصُهُ مَشْدُودَ الْأَزْرَارِ وَمَا حَلَّ الْأَزْرَارَ، وَكَانَ لَهُ ثَوْبَانِ لِجُمُعَتِهِ خَاصَّةً سِوَى ثِيَابِهِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ، وَكَانَ رُبَّمَا لَبِسَ الْإِزَارَ الْوَاحِدَ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَأَمَّ غَيْرَهُ فَأَمَّ بِهِ النَّاسَ، وَكَانَ لَهُ كِسَاءٌ أَسْوَدُ يَلْبَسُهُ ثُمَّ وَهَبَهُ. وَكَانَ يَتَخَتَّمُ وَرُبَّمَا خَرَجَ وَفِي خَاتَمِهِ خَيْطٌ مَرْبُوطٌ يَتَذَكَّرُ بِهِ الشَّيْءَ، وَكَانَ يَخْتِمُ بِهِ عَلَى الْكُتُبِ. وَكَانَ يَلْبَسُ الْقَلَانِسَ تَحْتَ الْعَمَائِمِ وَبِغَيْرِ عِمَامَةٍ، وَرُبَّمَا نَزَعَ قَلَنْسُوَتَهُ مِنْ رَأْسِهِ فَجَعَلَهَا سُتْرَةً بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ يُصَلِّي إِلَيْهَا. وَكَانَ إِذَا لَبِسَ ثَوْبًا لَبِسَهُ مِنْ قِبَلِ مَيَامِنَهِ وَيَقُولُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي وَأَتَجَمَّلُ بِهِ فِي النَّاسِ» وَإِذَا نَزَعَ ثَوْبَهُ أَخْرَجَ مِنْ مَيَاسِرِهِ. وَكَانَ إِذَا لَبِسَ جَدِيدًا أَعْطَى خَلَقَ ثِيَابِهِ مِسْكِينًا يَقُولُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَكْسُو مُسْلِمًا لِلَّهِ إِلَّا كَانَ فِي ضَمَانِ اللَّهِ وَحِرْزِهِ حَيًّا وَمَيِّتًا». وَكَانَ لَهُ فِرَاشٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهُ لِيفٌ، وَكَانَتْ لَهُ عَبَاءَةٌ تُفْرَشُ لَهُ حَيْثُمَا تَنَقَّلَ تُثْنَى طَاقَتَيْنِ تَحْتَهُ. وَكَانَ مِنْ خُلُقِهِ تَسْمِيَةُ دَوَابِّهِ وَسِلَاحِهِ وَمَتَاعِهِ.
 


عَفْوُهُ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَعَ الْقُدْرَةِ
كَانَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَحْلَمَ النَّاسِ وَأَرْغَبَهُمْ فِي الْعَفْوِ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَقَدْ كَانَ فِي حَرْبٍ فَرَأَى رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ غِرَّةً فَجَاءَ حَتَّى قَامَ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالسَّيْفِ فَقَالَ: " مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي "؟ فَقَالَ: " اللَّهُ " قَالَ: فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ السَّيْفَ وَقَالَ: " مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي "؟ فَقَالَ: " كُنْ خَيْرَ آخِذٍ " قَالَ: " قُلْ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ " فَقَالَ: " لَا، غَيْرَ أَنِّي لَا أُقَاتِلُكَ وَلَا أَكُونُ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ " فَخَلَّى سَبِيلَهُ فَجَاءَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: " جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ. وَكَمِ اسْتُؤْذِنَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي قَتْلِ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ وَقِيلَ: " دَعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَضْرِبُ عُنُقَهُ " وَهُوَ يَأْبَى وَيَنْهَى ثُمَّ يَقْبَلُ مَعْذِرَةَ الْمُعْتَذِرِ إِلَيْهِ، وَرُبَّمَا قَالَ " رَحِمَ اللَّهُ أَخِي مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ " وَكَانَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: " لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ ).           

 
إِغْضَاؤُهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَمَّا كَانَ يَكْرَهُهُ
كَانَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَقِيقَ الْبَشْرَةِ لَطِيفَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ غَضَبُهُ وَرِضَاهُ، وَكَانَ لَا يُشَافِهُ أَحَدًا بِمَا يَكْرَهُهُ، بَالَ أَعْرَابِيٌّ فِي الْمَسْجِدِ بِحَضْرَتِهِ فَهَمَّ بِهِ الصَّحَابَةُ فَقَالَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : «لَا تُزْرِمُوهُ» أَيْ لَا تَقْطَعُوا عَلَيْهِ الْبَوْلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا

 

سَخَاؤُهُ وَجُودُهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ
كَانَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَجْوَدَ النَّاسِ وَأَسْخَاهُمْ، وَكَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ كَالرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ لَا يُمْسِكُ شَيْئًا. وَكَانَ «علي» رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا وَصَفَ النَّبِيَّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: كَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ كَفًّا، وَأَوْسَعَ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَصْدَقَ النَّاسِ لَهْجَةً، وَأَوْفَاهُمْ ذِمَّةً، وَأَلْيَنَهُمْ عَرِيكَةً، وَأَكْرَمَهُمْ عِشْرَةً، مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ، يَقُولُ نَاعِتُهُ: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا أَعْطَاهُ، وَإِنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَسَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا سَدَّتْ مَا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ: «أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ» وَمَا سُئِلَ شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ: لَا، وَحُمِلَ إِلَيْهِ تِسْعُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَوَضَعَهَا عَلَى حَصِيرٍ ثُمَّ مَالَ إِلَيْهَا فَقَسَمَهَا فَمَا رَدَّ سَائِلًا حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «مَا عِنْدِي شَيْءٌ وَلَكِنِ ابْتَعْ عَلَيَّ فَإِذَا جَاءَنَا شَيْءٌ قَضَيْنَاهُ» فَقَالَ عمر: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَلَّفَكَ اللَّهُ مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ» فَكَرِهَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَلِكَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: «أَنْفِقْ وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا». فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَعُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ.   .
وَلَمَّا قَفَلَ مِنْ حُنَيْنٍ جَاءَتِ الْأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى شَجَرَةٍ فَخَطَفَتْ رِدَاءَهُ فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَالَ: «أَعْطُونِي رِدَائِي لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاةِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهَا بَيْنَكُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا كَذَّابًا وَلَا جَبَانًا).     
 

شَجَاعَتُهُ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
كَانَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَكْرَمَ النَّاسِ وَأَشْجَعَهُمْ، قَالَ «علي» رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ بَدْرٍ وَنَحْنُ نَلُوذُ بِالنَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ أَقْرَبُنَا إِلَى الْعَدُوِّ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ بَأْسًا» ، وَقَالَ أَيْضًا: «كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ وَلَقِيَ الْقَوْمُ الْقَوْمَ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَمَا يَكُونُ أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ» وَلَمَّا غَشِيَهُ الْمُشْرِكُونَ نَزَلَ عَنْ بَغْلَتِهِ فَجَعَلَ يَقُولُ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عبد المطلب» فَمَا رُئِيَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ أَشَدَّ مِنْهُ.
 

تَوَاضُعُهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ
كَانَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَشَدَّ النَّاسِ تَوَاضُعًا فِي عُلُوِّ مَنْصِبِهِ، وَكَانَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ مُوكَفًا عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ يَسْتَرْدِفُ، وَكَانَ يَعُودُ الْمَرِيضَ وَيَتْبَعُ الْجِنَازَةَ وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ وَيَخْصِفُ النَّعْلَ وَيُرَقِّعُ الثَّوْبَ، وَكَانَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ مَعَ أَهْلِهِ فِي حَاجَتِهِمْ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ لَا يَقُومُونَ لَهُ لِمَا عَرَفُوا مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ، وَكَانَ يَمُرُّ عَلَى الصِّبْيَانِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ يَجْلِسُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ مُخْتَلِطًا بِهِمْ كَأَنَّهُ أَحَدُهُمْ فَيَأْتِي الْغَرِيبُ فَلَا يَدْرِي أَيُّهُمْ هُوَ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُ، وَكَانَ إِذَا جَلَسَ مَعَ النَّاسِ إِنْ تَكَلَّمُوا فِي مَعْنَى الْآخِرَةِ أَخَذَ مَعَهُمْ، وَإِنْ تَحَدَّثُوا فِي طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ تَحَدَّثَ مَعَهُمْ رِفْقًا بِهِمْ وَتَوَاضُعًا لَهُمْ، وَكَانُوا يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَحْيَانًا وَيَذْكُرُونَ أَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَيَضْحَكُونَ فَيَبْتَسِمُ هُوَ إِذَا ضَحِكُوا وَلَا يَزْجُرُهُمْ إِلَّا عَنْ حَرَامٍ         
 

خِلْقَتُهُ الْكَرِيمَةُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ
وَكَانَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، وَكَانَ أَزْهَرَ اللَّوْنِ وَلَمْ يَكُنْ بِالْآدَمِ وَلَا الشَّدِيدِ الْبَيَاضِ، وَكَانَ شَعْرُهُ لَيْسَ بِالسَّبْطِ وَلَا الْجَعْدِ، وَشَعْرُ رَأْسِهِ يَضْرِبُ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ، لَمْ يَبْلُغْ شَيْبُهُ عِشْرِينَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ فِي رَأْسِهِ وَلَا فِي لِحْيَتِهِ، وَكَانَ وَاسِعَ الْجَبْهَةِ أَزَجَّ الْحَاجِبَيْنِ سَابِغَهُمَا أَهْدَبَ الْأَشْفَارِ مُفَلَّجَ الْأَسْنَانِ كَثَّ اللِّحْيَةِ، وَكَانَ يُعْفِي لِحْيَتَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ، وَكَانَ عَظِيمَ الْمَنْكِبَيْنِ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، وَكَانَ يَمْشِي الْهُوَيْنَا كَأَنَّمَا يَتَقَلَّعُ مِنْ صَخْرٍ.
 

شَذْرَةٌ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ
اعْلَمْ أَنَّ مَنْ شَاهَدَ أَحْوَالَهُ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْغَى إِلَى سَمَاعِ أَخْبَارِهِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى أَخْلَاقِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ وَعَادَاتِهِ وَسَجَايَاهُ وَسِيَاسَتِهِ لِأَصْنَافِ الْخَلْقِ وَهِدَايَتِهِ إِلَى ضَبْطِهِمْ وَتَأَلُّفِهِ أَصْنَافَ الْخَلْقِ وَقَوْدِهِ إِيَّاهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ مَعَ مَا يُرْوَى عَنْ عَجَائِبِ أَجْوِبَتِهِ فِي مَضَايِقِ الْأَسْئِلَةِ وَبَدَائِعِ تَدْبِيرَاتِهِ فِي مَصَالِحِ الْخَلْقِ وَمَحَاسِنِ إِشَارَتِهِ فِي تَفْصِيلِ ظَاهِرِ الشَّرْعِ الَّذِي يَعْجِزُ الْعُقَلَاءُ عَنْ إِدْرَاكِ أَوَائِلِ دَقَائِقِهَا فِي طُولِ أَعْمَارِهِمْ، لَمْ يَبْقَ لَهُ رَيْبٌ وَلَا شَكٌّ فِي أَنَّ ذَلِكَ اسْتِمْدَادٌ مِنْ تَأْيِيدٍ سَمَاوِيٍّ وَقُوَّةٍ إِلَهِيَّةٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ لِمُفْتَرٍ وَلَا مُلَبِّسٍ، بَلْ كَانَتْ شَمَائِلُهُ وَأَحْوَالُهُ شَوَاهِدَ قَاطِعَةً بِصِدْقِهِ، حَتَّى إِنَّ الْعَرَبِيَّ الْقُحَّ كَانَ يَرَاهُ فَيَقُولُ: «وَاللَّهِ مَا هَذَا وَجْهُ كَذَّابٍ» ، فَكَانَ يَشْهَدُ لَهُ بِالصِّدْقِ بِمُجَرَّدِ شَمَائِلِهِ، فَكَيْفَ مَنْ شَاهَدَ أَخْلَاقَهُ وَمَارَسَ أَحْوَالَهُ فِي جَمِيعِ مَصَادِرِهِ وَمَوَارِدِهِ؟ وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَا بَعْضَ أَخْلَاقِهِ لِتُعْرَفَ مَحَاسِنُ الْأَخْلَاقِ، وَلِيُتَنَبَّهَ لِصِدْقِهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَعُلُوِّ مَنْصِبِهِ وَمَكَانَتِهِ الْعَظِيمَةِ عِنْدَ اللَّهِ، إِذْ آتَاهُ اللَّهُ جَمِيعَ ذَلِكَ وَهُوَ أُمِّيٌّ لَمْ يُمَارِسِ الْعِلْمَ وَلَمْ يُطَالِعِ الْكُتُبَ وَلَمْ يُسَافِرْ قَطُّ فِي طَلَبِ عِلْمٍ، بَلْ نَشَأَ بَيْنَ أَظْهُرِ الْجُهَّالِ مِنَ الْأَعْرَابِ يَتِيمًا ضَعِيفًا مُسْتَضْعَفًا، فَمِنْ أَيْنَ حَصَلَ لَهُ مَحَاسِنُ الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ وَمَعْرِفَةُ مَصَالِحِ الْفِقْهِ مَثَلًا دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْعُلُومِ فَضْلًا عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ خَوَاصِّ النُّبُوَّةِ لَوْلَا صَرِيحُ الْوَحْيِ، وَمِنْ أَيْنَ لِقُوَّةِ الْبَشَرِ الِاسْتِقْلَالُ بِذَلِكَ؟ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا هَذِهِ الْأُمُورُ الظَّاهِرَةُ لَكَفَى. وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ آيَاتِهِ وَمُعْجِزَاتِهِ مَا لَا يَسْتَرِيبُ فِيهِ مُحَصِّلٌ، فَلْنَذْكُرْ مِنْ جُمْلَتِهَا مَا اسْتَفَاضَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ فَنَقُولُ: اسْتَفَاضَ أَنَّهُ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَطْعَمَ النَّفَرَ الْكَثِيرَ مِنَ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ فِي مَنْزِلِ «جابر» وَمَنْزِلِ «أبي طلحة» وَيَوْمَ الْخَنْدَقِ. وَمَرَّةً أَطْعَمَ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَقْرَاصِ شَعِيرٍ حَمَلَهَا أَنَسٌ فِي يَدِهِ فَأَكَلُوا كُلُّهُمْ حَتَّى شَبِعُوا مِنْ ذَلِكَ وَفَضَلَ لَهُمْ، وَنَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَشَرِبَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ كُلُّهُمْ وَهُمْ عِطَاشٌ، وَتَوَضَّؤُوا مِنْ قَدَحٍ صَغِيرٍ ضَاقَ عَنْ أَنْ يَبْسُطَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَدَهُ فِيهِ، وَأَرَاقَ وَضُوءَهُ فِي عَيْنِ تَبُوكَ وَلَا مَاءَ فِيهَا وَمَرَّةً أُخْرَى فِي بِئْرِ الْحُدَيْبِيَةِ فَجَاشَتَا بِالْمَاءِ فَشَرِبَ مِنْ عَيْنِ تَبُوكَ أَهْلُ الْجَيْشِ وَهُمْ أُلُوفٌ حَتَّى رَوُوا، وَشَرِبَ مِنْ بِئْرِ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا قَبْلَ ذَلِكَ مَاءٌ، وَرَمَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ جَيْشَ الْعَدُوِّ بِقَبْضَةٍ مِنْ تُرَابٍ فَعَمِيَتْ عُيُونُهُمْ وَنَزَلَ بِذَلِكَ الْقُرْآنُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) [الْأَنْفَالِ: 17] وَحَنَّ الْجِذْعُ الَّذِي كَانَ يَخْطُبُ عَلَيْهِ إِلَيْهِ لَمَّا عُمِلَ لَهُ الْمِنْبَرُ حَتَّى سَمِعَ مِنْهُ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ مِثْلَ صَوْتِ الْإِبِلِ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ فَسَكَنَ، وَدَعَا الْيَهُودَ إِلَى تَمَنِّي الْمَوْتِ وَأَخْبَرَهُمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَتَمَنَّوْنَهُ فَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ تَمَنِّيهِ كَمَا أَخْبَرَ، وَأَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْغُيُوبِ فَأَنْذَرَ «عثمان» بِأَنَّ بَلْوَى تُصِيبُهُ بَعْدَهَا الْجَنَّةُ، وَبِأَنَّ «عمارا» تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، وَأَنَّ «الحسن» يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَظِيمَتَيْنِ، وَأَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ رَجُلٍ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَظَهَرَ ذَلِكَ بِأَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ قَتَلَ نَفْسَهُ، وَهَذِهِ كُلُّهَا أَشْيَاءُ إِلَهِيَّةٌ لَا تُعْرَفُ الْبَتَّةَ بِشَيْءٍ مِنْ وُجُوهٍ تَقَدَّمَتِ الْمَعْرِفَةُ بِهَا لَا بِنُجُومٍ وَلَا بِكَشْفٍ وَلَا بِخَطٍّ وَلَا بِزَجْرٍ لَكِنْ بِإِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ وَوَحْيِهِ إِلَيْهِ     


وَاتَّبَعَهُ «سراقة بن مالك» فَسَاخَتْ قَدَمَا فَرَسِهِ فِي الْأَرْضِ حَتَّى اسْتَغَاثَهُ فَدَعَا لَهُ فَانْطَلَقَ الْفَرَسُ، وَأَنْذَرَهُ بِأَنْ سَيُوضَعُ فِي ذِرَاعَيْهِ سِوَارُ كِسْرَى فَكَانَ كَذَلِكَ، وَأَخْبَرَ بِمَقْتَلِ «الأسود العنسي الكذاب» لَيْلَةَ قَتْلِهِ وَهُوَ بِصَنْعَاءِ الْيَمَنِ وَأَخْبَرَ بِمَنْ قَتَلَهُ، وَأَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ يَقْتُلُ «أبي بن خلف الجمحي» فَخَدَشَهُ يَوْمَ أُحُدٍ خَدْشًا لَطِيفًا فَكَانَتْ مَنِيَّتُهُ فِيهِ، وَأُطْعِمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ السُّمَّ فَمَاتَ الَّذِي أَكَلَهُ مَعَهُ وَعَاشَ هُوَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعْدَهُ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَكَلَّمَهُ الذِّرَاعُ الْمَسْمُومُ، وَأَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمَصَارِعِ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ وَوَقَفَهُمْ عَلَى مَصَارِعِهِمْ رُجَلًا رَجُلًا فَلَمْ يَتَعَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ، وَأَنْذَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّ طَوَائِفَ مِنْ أُمَّتِهِ يَغْزُونَ فِي الْبَحْرِ فَكَانَ كَذَلِكَ، وَزُوِيَتْ لَهُ الْأَرْضُ فَأُرِيَ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَأَخْبَرَ بِأَنَّ مُلْكَ أُمَّتِهِ سَيَبْلُغُ مَا زُوِيَ لَهُ مِنْهَا فَكَانَ كَذَلِكَ، فَقَدْ بَلَغَ مُلْكُهُمْ مِنْ أَوَّلِ الْمَشْرِقِ مِنْ بِلَادِ التُّرْكِ إِلَى آخِرِ الْمَغْرِبِ مِنْ بَحْرِ الْأَنْدَلُسِ وَبِلَادِ الْبَرْبَرِ، وَأَخْبَرَ «فاطمة» ابْنَتَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِأَنَّهَا أَوَّلُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ فَكَانَ كَذَلِكَ، وَأَخْبَرَ نِسَاءَهُ أَطْوَلُهُنَّ يَدًا أَسْرَعُهُنَّ لُحُوقًا بِهِ فَكَانَتْ «زينب» أَطْوَلَهُنَّ يَدًا بِالصَّدَقَةِ وَأَوَّلَهُنَّ لُحُوقًا بِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَمَسَحَ ضَرْعَ شَاةٍ لَا لَبَنَ لَهَا فَدَرَّتْ وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ إِسْلَامِ «ابْنِ مَسْعُودٍ» رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَفَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى فِي خَيْمَةِ «أم معبد الخزاعية» وَنَدَرَتْ عَيْنُ بَعْضِ أَصْحَابِهِ فَرَدَّهَا عَلَيْهِ بِيَدِهِ فَكَانَتْ أَصَحَّ عَيْنَيْهِ وَأَحْسَنَهُمَا، وَتَفَلَ فِي عَيْنِ «علي» رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ أَرْمَدُ يَوْمَ خَيْبَرَ فَصَحَّ مِنْ وَقْتِهِ وَبَعَثَهُ بِالرَّايَةِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِهِ وَمُعْجِزَاتِهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم.     


وَمَنْ يَسْتَرِيبُ فِي انْخِرَاقِ الْعَادَةِ عَلَى يَدِهِ وَيَزْعُمُ أَنَّ آحَادَ هَذِهِ الْوَقَائِعِ لَمْ يُنْقَلْ تَوَاتُرًا بَلِ الْمُتَوَاتِرُ هُوَ الْقُرْآنُ فَقَطْ كَمَنْ يَسْتَرِيبُ فِي شَجَاعَةِ علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَسَخَاوَةِ «حاتم الطائي» ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ آحَادَ وَقَائِعِهِمْ غَيْرُ مُتَوَاتِرَةٍ وَلَكِنْ مَجْمُوعُ الْوَقَائِعِ يُوِرثُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا، ثُمَّ لَا يُتَمَارَى فِي تَوَاتُرِ الْقُرْآنِ وَهُوَ الْمُعْجِزَةُ الْكُبْرَى الْبَاقِيَةُ بَيْنَ الْخَلْقِ، وَلَيْسَ لِنَبِيٍّ مُعْجِزَةٌ بَاقِيَةٌ سِوَاهُ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذْ تَحَدَّى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بُلَغَاءَ الْخَلْقِ وَفُصَحَاءَ الْعَرَبِ، وَجَزِيرَةُ الْعَرَبِ حِينَئِذٍ مَمْلُوءَةٌ بِآلَافٍ مِنْهُمْ، وَالْفَصَاحَةُ صَنْعَتُهُمْ وَبِهَا مُنَافَسَتُهُمْ وَمُبَاهَاتُهُمْ، وَكَانَ يُنَادِي بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ أَوْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ أَوْ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ إِنْ شَكُّوا فِيهِ، وَقَالَ لَهُمْ: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الْإِسْرَاءِ: 88] قَالَ ذَلِكَ تَعْجِيزًا لَهُمْ فَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ حَتَّى عَرَّضُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْقَتْلِ وَنِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ لِلسَّبْيِ وَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يُعَارِضُوا وَلَا أَنْ يَقْدَحُوا فِي جَزَالَتِهِ وَحُسْنِهِ، ثُمَّ انْتَشَرَ ذَلِكَ بَعْدَهُ فِي أَقْطَارِ الْعَالَمِ شَرْقًا وَغَرْبًا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وَعَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ عَلَى مُعَارَضَتِهِ. فَأَعْظِمْ بِغَبَاوَةِ مَنْ يَنْظُرُ فِي أَحْوَالِهِ ثُمَّ فِي أَقْوَالِهِ ثُمَّ فِي أَفْعَالِهِ ثُمَّ فِي أَخْلَاقِهِ ثُمَّ فِي مُعْجِزَاتِهِ ثُمَّ فِي اسْتِمْرَارِ شَرْعِهِ إِلَى الْآنَ ثُمَّ فِي انْتِشَارِهِ فِي أَقْطَارِ الْعَالَمِ ثُمَّ فِي إِذْعَانِ مُلُوكِ الْأَرْضِ لَهُ فِي عَصْرِهِ وَبَعْدَ عَصْرِهِ مَعَ ضَعْفِهِ وَيُتْمِهِ. ثُمَّ يَتَمَارَى بَعْدَ ذَلِكَ فِي صِدْقِهِ. فَمَا أَعْظَمَ تَوْفِيقَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ وَاتَّبَعَهُ فِي كُلِّ وِرْدٍ وَصَدَرٍ. فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنَا لِلِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي الْأَخْلَاقِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَحْوَالِ بِمَنِّهِ وَسَعَةِ جُودِهِ آمِينَ.         

من كتاب موعظة المؤمنين / مختصر إحياء علوم الدين للغزالي رحمه الله تعالي

وصلي الله على سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

قد يعجبك ايضا