أبو العربي مصطفى يكتب: في ذكرى ميلاده.. حسن البنا المربي الصغير
المنتدى الإسلامي العالمي للتربية

أبو العربي مصطفى يكتب: في ذكرى ميلاده.. حسن البنا المربي الصغير

لقد عرف الإمام البنا تاريخ الأمم وتاريخ الدعوات والرسالات، وعرف من قراءة التاريخ أن نهضة الأمم ورسالات النبيين ودعوات المصلحين لا تنجح ولا تنتصر إلا بالرجال المؤمنين الأقوياء، ولذا عمل جاهد على تأليف الرجال لا تأليف الكتاب، واستطاع أن ينجح فيه.

 

تربية في الصغر

ولد الإمام الشهيد حسن أحمد عبد الرحمن البنا في ضحى يوم الأحد 25شعبان 1324هـ الموافق 14أكتوبر 1906م، بالمحمودية في محافظة البحيرة بمصر.

حرص والده الشيخ عبد الرحمن الساعاتي على غرس روح الرجولة فيه منذ الصغر، كما حرص أن ينشأ نشأة إسلامية حقيقية، فعهد به إلى الشيخ محمد زهران، ليتم على يده حفظ القرآن الكريم.

وضحت هذه التربية في وصف عبد الرحمن أخو الإمام البنا بقوله: «كنا نعود من المكتب فتتلقفنا يد الوالد الكريم، فتعدنا وتصنعنا، وتحفظنا دروس السيرة النبوية المطهرة وأصول الفقه والنحو، وكان لنا منهاج يدرسه لنا الوالد الكريم».

هذه التربية التي جعلت الإمام البنا يعرف قيمة بر الوالدين، ويُعلي من الاهتمام بإخوته فيعمل– بعدما انتقل للإسماعيلية– على مساعدة والده في تربية إخوته، بل لا يدخر جهدًا في إنفاق ما لديه من مال على والديه وإخوته.

هذه التربية جعلته يعلى قيمة الأسرة التربوية؛ فمع انشغاله الشديد لم يهمل شأن بيته أو أولاده، حيث كان البنا رب أسرة مثاليًا فلم يقصر في رعاية أبنائه والعناية بهم والاهتمام بكل شئونهم، فقد كان لكل ابن من أبنائه ملفًا ورقيًا (دوسيه) خاصًا يكتب فيه الإمام بخطه تاريخ ميلاده ورقم قيده وتواريخ تطعيمه، ويحتفظ فيه بجميع الشهادات الطبية التي تمت معالجته على أساسها، وهل أكمل العلاج وكم استغرق المرض إلى آخر هذه التفاصيل، وكذلك الشهادات الدراسية ويدون عليها البنا ملاحظاته، وتروي ابنته الفاضلة ثناء: «وكان عند عودته ليلًا إذا وجدنا نائمين يطوف علينا ويطمئن على غطائنا، ويقبلنا، بل يصل الأمر أنه كان يوقظ أحدنا ويصطحبه إلى الحمام»(1)

 

التربة الإيجابية من الصغر

حرص حسن البنا على أن ينشأ التربية الإسلامية القويمة، فكان مبادرًا وإيجابيًا في النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، فألّف مع بعض أصدقاءه جمعية (الأخلاق الأدبية)، وجمعية (منع المحرمات)، قبل أن يصل لدار العلوم فينتفض غِيرةً على إسلامه، وما يقوم به المبشرون، فيبادر لزيارة الشيخ يوسف الدجوي ويحدثه، إلا أن الشيخ لم يلق له بالًا، فما يأس، بل ظل يتبعه في كل مكان يذهب إليه، حتى بادر العلماء بإصدار مجلة الفتح الإسلامية التي رأس تحريرها الشيخ عبد الباقي سرور، وكان مدير تحريرها السيد محب الدين الخطيب، وكانت حربًا ضد المبشرين والملحدين.

 

الدعوة على المقاهي

لقد نظر الإمام البنا نظرةً مختلفة غير التي كان يراها العلماء، ففي الوقت الذي كان يجوب العلماء المساجد، توجه الإمام البنا إلى المقاهي يقول: «فعرضت عليهم أن نخرج للوعظ في المقاهي، فاستغربوا ذلك وعجبوا منه، وقالوا: إن أصحاب المقاهي لا يسمحون بذلك ويعارضون فيه لأنه يعطل أشغالهم، وإن جمهور الجالسين على هذه المقاهي هم قوم منصرفون إلى ما هم فيه، وليس أثقل عليهم من الوعظ، فكيف نتحدث في الدين والأخلاق لقوم لا يفكرون إلا في هذا اللهو الذي انصرفوا إليه؟. وكنت أخالفهم في هذه النظرة، وأعتقد أن هذا الجمهور أكثر استعدادًا لسماع العظات من أي جمهور آخر، حتى جمهور المسجد نفسه، لأن هذا شيء طريف وجديد عليه، والعبرة بحسن اختيار الموضوع، فلا نتعرض لما يجرح شعورهم، وبطريقة العرض فتعرض بأسلوب شائق جذاب وبالوقت فلا نطيل عليهم القول»(2).

ولذا اجتمع على الشيخ البنا الشباب والشيوخ، وأبناء المدن والقرى، والفلاحون والمتعلمون، والأميون وطلاب الجامعة وأساتذتها، وخريجو المدارس المدنية وخريجو المعاهد الأزهرية، وكذلك الرجال والنساء، وكان يقوم على توجيههم وتربيتهم تربية إيمانية صنعت منهم نماذج أثرت في مجرى الأحداث.

 

الفدائي الصغير

كان لتربية الإمام البنا على مفاهيم الإسلام الحنيف أثرًا في تشكيل شخصيته الوطنية، حيث بغض المحتل، مما دفعه للوقوف ضده في كل المواقف، وعلى الرغم من العناية بالتربية الروحية، إلا أن ذلك لم يمنعه وهو تلميذ في الإعدادية- في سن الثالثة عشرة- من المشاركة في الحركة الوطنية، وقيادة زملائه في المظاهرات والإضرابات التي كانت تنظم في المدرسة، بل يكتب شعرًا يُرثي فيه الزعيم الوطني محمد فريد، ويهاجم في إصرار لجنة «ملنر»(3)

لقد ترجم الإمام البنا تربيته في الصغر إلى تربية عملية في الكبر، وترك بصمات أثرت في مجرى التاريخ.

 

المراجع

  1. لواء الإسلام جمادى الأولى 1419هـ / 11-12 / 1988م، أعلام الدعوة من الأخوات ص51.
  2. حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية، دار التوزيع والنشر الإسلامية، صـ 53
  3. جمعة أمين عبد العزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2003، صـ130

 

قد يعجبك ايضا