الإعلام المرئي والمسموع والرؤية التربوية للإخوان
المنتدى الإسلامي العالمي للتربية

الإعلام المرئي والمسموع والرؤية التربوية للإخوان

  • دراسة حصرية للمنتدى الإسلامي العالمي للتربية

الإعلام هو تعبير مكتوب بموضوعيّة، للتعبير عن الجمهور وعقليته وعاطفته وميوله واتجاهاته المختلفة، كما أنه نشر للحقائق والأخبار والأفكار والآراء بوسائل الإعلام المختلفة.

ولذا فالإعلام له أهمية كبيرة ومؤثرة في حياة البشر، وأصبح من مكونات تكوين وتشكيل الشخصيات في المجتمعات، حيث يقوم بتزويد الأفراد بالمعلومات المُهمّة والضروريّة؛ حتى يتمكّنوا من فهم المجتمع والعالم، والتصرّف والتواصل بطريقة سليمة.

و تحقيق التنشئة الاجتماعيّة عن طريق توفير المعرفة المُناسبة للأفراد؛ ممّا يُساهم في تعزيز تفاعلهم مع المجتمع، ومشاركتهم في الأحداث العامّة، ويُؤدّي ذلك إلى تطوّر وعيهم الاجتماعيّ.

وقد أدرك الإخوان المسلمون أهمية الإعلام في نشر الدعوة وتطويرها منذ عهد مبكر؛ فحرصوا على استخدام كافة الوسائل الإعلامية المتاحة لخدمة الدعوة بداية من: الدرس، والخطبة، والنشرة، وصولًا إلى الصحيفة التي كانت في ذلك الوقت قمة العمل الإعلامي.

مثلت الصحافة بالنسبة للإخوان أحد الوسائل الهامة في نشر الدعوة، ورفع الواقع الثقافي العام، وزيادة الرابطة بين الإخوان خاصة والمسلمين عامة، حيث حرص المركز العام للإخوان المسلمين على وجود صحفية تعبر بصورة أساسية عن الإخوان ورؤيتهم في مختلف القضايا، وتستوعب الطاقة الصحفية التي أوجدتها مجلة «جريدة الإخوان المسلمين» في الفترة السابقة، بالإضافة إلى إيجاد جيل جديد من صحفيي الإخوان وتأهيلهم لحمل الرسالة الإعلامية الإسلامية.

غير أن الإخوان لم يستطيعوا الولوج في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة لندرتها في ذلك الوقت، ولوقعها تحت المسئولية الرسمية للدولة، خاصة الإذاعة، ولتأخر مصر في دخول عالم التلفزيون لوقت متأخر، حيث كانت السينما والمسرح هى الوسائل المرئية في مصر الملكية.

ولقد أوضح الأستاذ البنا ذلك في رسالة (قضيتنا) بقوله: «لقد سمع الرأي العام المصري والعربي والإسلامي قضية الإخوان المسلمين من جانب واحد، هو جانب الحكومة التى اعتدت على هذه الهيئة بإصدار أمر عسكري بحلها، وهو الجانب الذي يملك كل وسائل الدعاية من الصحف الخاضعة للرقابة كل الخضوع، ومن الإذاعة التى تديرها وتهيمن عليها الحكومة ومن الخطباء فى المساجد الذين هم موظفون حكوميون، ولكن هذا الرأي العام لم يسمع من الطرف الآخر.. لم يسمع من الإخوان المسلمين الذين حُرموا كل وسائل الدفاع عن أنفسهم وشرح قضيتهم للناس فصودرت صحفهم، وعطلت أقلامهم، وكممت أفواههم، واعتقل كل خطيب لهم، واعتبر كل اجتماع خمسة منهم فى أى مكان جريمة أقل عقوبتها السجن ستة أشهر»([1]).

وفي هذا الرسالة يؤكد الإمام البنا أن الإخوان لم يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم في مواجهة الحكومة التي تمتلك الصحف والإذاعة والقرار.

 

البداية

بدأ البث الإذاعي في مصر في عشرينيات القرن العشرين وكانت عبارة عن إذاعات أهلية، وبدأ بث الإذاعة الحكومية المصرية في 31 مايو 1934 بالاتفاق مع شركة ماركوني، وقد مُصِّرَت في عام 1947 وألغي العقد مع شركة ماركوني. كان عدد محطات الإذاعة المصرية في بدايتها أربع محطات، وكان أول من تولى رئاسة الإذاعة المصرية سعيد باشا لطفي من 31 مايو 1934م إلى 22ديسمبر 1947م.

وكما ذكرت فإن التلفزيون قد تأخر عمله لوسط القرن العشرين، حيث كانت أول دولة في هذا الاتجاه هى الولايات المتحدة الأمريكية، ثم بدأ يغزوا البلاد العالمية.

إلا أنه في الوطن العربي كانت العراق هي أول الدول التي عرفت البث التلفزيوني عام 1954م، تلتها الجزائر، حيث أنشأتها فرنسا للترفيه عن الجالية الفرنسية الموجودة فيها، وذلك عام 1956م، ثم تلتها لبنان عام  1959م، وفي عام 1960م اتفقت مصر مع شركة «مع صوت أميركا RCA» لتزويدها شبكة إرسال تلفزيونية وتدريب كوادرها الإعلامية، وكان أول بث تلفزيوني مصري في 21 يوليو 1960م([2]).

 

رؤية الإخوان التربوية الإصلاحية

لقد أولى الإخوان تربية المجتمع أولوية قصوى في منهاجهم، وعملوا على محورين رئيسين؛ الأول: بالتربية والتثقيف والتعليم ونشر الوعي بينهم عن طريق الشعب والأفراد، وكان هذا هو الجهد الأكبر. وأما الثاني: فعن طريق الإعلام، وذلك بالدفاع عن قضاياهم ونشر المآسي التي يتعرضون لها، والمطالبة بحقوقهم كاملة، ومما يؤكد ذلك أن قضايا العمال احتلت المرتبة الخامسة بين الموضوعات الاجتماعية التي تناولتها مجلة (النذير) الأسبوعية، ثم المرتبة الرابعة في مجلة (التعارف) و(الإخوان المسلمون) النصف شهرية، وكانت تمثل المرتبة الثانية في مجلة (المنار) التي كان الإخوان يصدرونها في هذا الوقت([3]).

من منطلق شمولية العمل الإسلامي الذي آمن به الإخوان المسلمين، وعدم حصر فهمهم الإسلامي على جانب من جوانبه فحسب، كان للإخوان نظرة لكل ما يستجد على الحياة ويعود بالنفع أو الضرر على الناس، حيث اهتم بالإخوان بالإذاعة ومحاولة الضغط على الحكومة لتوظيفها الاستخدام الأمثل، لنشر الفضيلة وحسن الخلق، ولا تكون أداة تخريبية تعمل على تخريب النفوس.

بل إن الأستاذ البنا أول من ذكر كلمة التلفاز قبل أن يتواجد التلفاز على الأراضي المصرية بما يزيد عن ربع قرن، حيث طالب في رسالة نحو النور بحسن اختيار ما يقدم في الإذاعة والتلفاز، فتحت عنوان (بعض خطوات الإصلاح العملي) يقول: «حُسن اختيار ما يذاع أو يعرض على الأمة من برامج ومحاضرات وأغاني وموضوعات، واستخدام الإذاعة والتلفاز في تربية وطنية خلقية فاضلة»([4]).

كان للمستعمر يد في نشر الثقافة التغريبية والتي سخرت كل موارد الدولة في نشر هذه الثقافة ومحاولة طمس الهوية الإسلامية، في ظل غياب– متعمد– من المستعمر لعلماء الأمة، ولذا ما إن نشطت حركة الإخوان المسلمين إلا وجابهها المستعمر بكل قوة، لمحاولتهم المستمرة التصدي لمخططاته في نشر التغريب وثقافة الغرب والتي استغل الصحف والإذاعة وكل الوسائل في نشر ذلك.

وقف الإخوان في مواجهة هذا المخطط وظلوا يضغطون على الحكومات لوقف هذا الغث الذي يذاع على الجمهور، فيقول حسن البنا في رسالة المؤتمر السادس: «لقد رسمنا للحكومات المصرية المتعاقبة كثيرًا من مناهج الإصلاح، وتقدمنا لكثير منها بمذكرات ضافية في كثير من الشئون التي تمس صميم الحياة المصرية..

لقد لفتنا نظرها إلى وجوب العناية بإصلاح الأداة الحكومية نفسها باختيار الرجال، وتركيز الأعمال، وتبسيط الإجراءات، ومراعاة الكفايات، والقضاء على الاستثناءات.

وإلى إصلاح منابع الثقافة العامة بإعادة النظر في سياسة التعليم، ومراقبة الصحف، والكتب، والسينمات، والمسارح، والإذاعة، واستدراك نواحي النقص فيها، وتوجيهها الوجهة الصالحة»([5]).

ويضيف في موضع آخر من الرسالة: «وأن تهتم بإصلاح منابع الثقافة العامة إصلاحًا جديًّا، فتحدد مهمة الإذاعة والمسارح والسينمات والصحافة والمطبوعات تحديدًا صالحًا، وتشرف على ذلك كله إشرافًا فعليًّا يجنى الشعب من ورائه فائدتها ويتقى ضررها»([6]).

لقد ظل الإخوان عبر صحفهم يطالبون الحكومة بمراقبة دور التمثيل وأفلام السينما والتشديد في اختيار الروايات والأشرطة، وتهذيب الأغاني واختيارها ومراقبتها والتشديد في ذلك، وحسن اختيار ما يذاع على الأمة من المحاضرات والأغاني والموضوعات واستخدام محطة الإذاعة في تربية وطنية خلقية فاضلة([7]).

لقد أشار الإخوان إلى الفساد الذي تبثه الإذاعة وحذروا منه، لكنهم أيضا شجعوا ما يعرض خلالها من مكارم الأخلاق وتوعية الوعي المجتمعي لكل سلوك قويم، فجاء في مقال (الإذاعة اللاسلكية الغث والسمين في نصف أسبوع»، يقول: «للإذاعة اللاسلكية محاسن لا يسعنا نكرانها وحرمان الناس من الاستمتاع بها، ولها مساوئ نحذر الناس منها، أقل ما فيها أنها تثير عواطف البليد وتدفعه حتمًا إلى ارتكاب الفواحش، وقد يقول قائل: إن التسلية بمثل هذه الملاهي قد يخفف على النفس تحفزها إلى الدخول في الشهوات، ونؤكد له أن الميل إليها يزيده هيامًا بها ورحم الله البوصيري حين قال:

فلا ترم بالمعاصي كسر شهوتها                          إن الطعام يقوي شهوة النهم

وها نحن نورد محاسن الإذاعة في نصف الأسبوع مغفلين القبيح منها: ونعتذر لقرائنا عن نصف الأسبوع الآخر فإننا لم نستطع الوصول إليه لأن الحكومة تحتكره لمجلتها:

الخميس أول يوليو: 6.45 الأستاذ بليغ صفوت قرآن كريم الربعان الأول والثاني من سورة الحج، وفي الساعة 2.30 تبدأ بعض إسطوانات خليعة وتنتهي بقصيدة [الزم باب ربك] للأستاذ الشيخ أحمد الشيخ، وفي الساعة 3 حالة جو والنشرة الأولى الإخبارية والتجارية، وفي الساعة 7.35 قرآن كريم الربعان الخامس والسادس من سورة النساء للأستاذ الشيخ محمد الصيفي، وفي 8.30 النشرة الثانية الإخبارية والتجارية.

الجمعة 2يوليو: 9.30 صباحًا الربعان الثالث والرابع من سورة الكهف الشيخ عبد الحميد السيد إمام، وفي 12.04 مساء أذان الظهر وخطبة الجمعة مذاعان من مسجد سراي حضرة صاحب السمو الملكي الأمير محمد علي، الساعة 7 حديث للأطفال بابا صادق، وفي 8.30 النشرة الثانية الإخبارية والتجارية، 8.50 قرآن كريم للأستاذ الشيخ محمد رفعت من أول سورة الضحى إلى آخر سورة الناس.

السبت 3يوليو: 6.30 صباحًا تمرينات رياضية الأستاذ بليغ صفوت، وفي 6.45 قرآن كريم الربعان الثالث والرابع من سورة الحج للشيخة منيرة عبده، الساعة 3مساء حالة الجو والنشرة الأولى الإخبارية والتجارية، وفي 7.35 قرآن كريم الربعان الأول والثاني من سورة المؤمنون للشيخ عبد العظيم زاهر، 8.30 النشرة الثانية الإخبارية والتجارية، وفي 9.25 قصة مصرية [القصاص العادل] للأستاذ عبد اللطيف واكد.

هذا هو اجتهادنا ابتغاء وجه الله ورسوله، ومن استباح أكثر من هذا فحسابه على الله، والله على ما نقول وكيل([8]).

واستمرت الجريدة على هذا النهج ترشد القراء لمواعيد البرامج النافعة التي تبثها الإذاعة المصرية والتحذير من كل ما هو فاسد، فكتبت تقول: «وهنالك الإذاعة اللاسلكية وهي أيضًا كالصحف والسينما، على أن تكون أداة تثقيف وتهذيب يمكن أيضًا أن تكون وسيلة من وسائل تهييج الشهوات، وتعويد الآذان سماع ما يكرهه أنصار الفضيلة، نقول ذلك بمناسبة ما اعتادته إدارة الإذاعة اللاسلكية من تركيب آلاتها في حفلات كحفلات (كشكش) وصالة بديعة مصابني، فتنقل إلى المنازل وإلى أسماع الفتيات ما لا يرضى به الآباء الذين يهمهم أن تبقى أخلاق بناتهم طاهرة مصونة، فكم من الألفاظ المقذعة والعبارات النابية تلقى في مثل هذه الحفلات، فتقشعر منها جلود الآباء الحريصين على طهارة بناتهم، وينشأ عن ذلك خزي كانت مصر غنية عنه، لأن مثل هذه الصالات والحفلات ليس كل الناس سواء في الرغبة وفي الإذن لفلذات أكبادهم في استماع ما يلقى بين جدرانها» ([9]).

وكرروا طلبهم بحسن اختيار ما يذاع على الأمة من المحاضرات والأغاني والموضوعات واستخدام محطة الإذاعة في تربية وطنية خلقية فاضلة([10]).

 

 

([1])  مجموعة رسائل الإمام البنا: رسالة قضيتنا، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، طـ1، 2008م صـ 832.

([2])  عبدالله زلطه: نشأة وتطور وسائل الإعلام، دار الفكر العربي، 2000م.

([3])  شعيب الغباشي: صحافة الإخوان المسلمين - دراسة في النشأة والمضمون، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 2000م، طـ 1، صـ 217.

([4])  مجموعة رسائل الإمام البنا: رسالة نحو النور، مجلة النذير، العدد (36) السنة الثانية - 17 رمضان 1358ﻫ الموافق 31 أكتوبر 1939م.

([5])  مجموعة رسائل الإمام البنا: رسالة المؤتمر السادس، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 2008م، صـ493.

([6])  المرجع السابق: صـ511.

([7])  جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الرابعة – العدد 39 – 22شوال 1355هـ / 5يناير 1937م.

([8]) جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الخامسة – العدد 7 – صـ12 – 23ربيع الثاني 1356هـ / 2يونيو 1937م.

([9]) جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الرابعة – العدد 11 - 4ربيع الثاني 1355هـ / 23يونيو 1936م.

([10])جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الرابعة – العدد 39 – 22شوال 1355هـ / 5يناير 1937م.

قد يعجبك ايضا