أساليب د. نزار ريان في التعليم ومدى تأثرها بالسنة النبوية
المنتدى الإسلامي العالمي للتربية

أساليب د. نزار ريان في التعليم ومدى تأثرها بالسنة النبوية

 

أرسل الله نبيه ﷺ معلما وهاديا وسراجا منيرا، فكان أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، ورسم لنا منهاجا في كل شئون الحياة، ويجدر بالمسلم أن يتعرف على منهج نبيه ﷺ في كل أمر يقدم عليه، فالمجاهد حري به أن يعرف منهاج نبيه ﷺ في الجهاد وعليه أن يلتزم به، وهكذا في كل مجال، والمعلم والتعليم من أشرف المقامات والمهمات، ومن نصب نفسه معلما للناس وجب عليه التعرف على منهاج وأساليب النبي في التعليم، ثم يقوم بالتأسي به فيطبق ما يعلم من أساليب نبوية في التعليم.

وحيث أن العالم المجاهد الشهيد أ. د. نزار ريان عالم معلم قضى جل حياته في التعلم والتعليم، أراد الباحثان بكلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية فى غزة: فاطمة عماد أبو كرش، وزكريا صبحي زين الدين، أن يدرسا مدى تأثر أساليبه في التعليم بأساليب النبي ﷺ، فى دراسة لهما بعنوان: (أساليب الريان في التعليم ومدى تأثرها بالسنة النبوية) -2009-.

وقامت فكرة البحث على اختيار مجموعة من الأساليب النبوية في التعليم مستدلين بالأحاديث الصحيحة الدالة عليها؛ حيث أن الأساليب النبوية في التعليم أكبر من يحيط بها بحث صغير، وقام الباحثان بعمل استبانة تحتوي على اثنين وعشرين سؤالا تشمل الأساليب النبوية، وتم توزيعها على ثمان وأربعين من طلبة العلم الثقات الذين تلقوا العلم من الدكتور الريان، وكان معظم هؤلاء الطلاب من طلاب الماجستير والدكتوراة أي ممن تلقوا العلم المتخصص والدقيق في السنة النبوية.

ثم قام الباحثان بتحليل هذه الاستبانات والخلوص إلى النتائج لتجيب عن السؤال الرئيس لهذا البحث: هل تأثر الشهيد أ. د. نزار ريان- رحمه الله- بالنبي ﷺ في وسائل تعليمه واقتدى به؛ كونه مدرسًا وعالمًا بالسنة النبوية.

 

ترجمة لحياة الشهيد أ. د. نزار ريان

هو نزار عبد القادر محمد عبد اللطيف حسن ريان العسقلاني، بلدته الأصلية هي نعليا، وهي قرية من قرى عسقلان بفلسطين، ولد فجر يوم الجمعة وفق 6/ 3/ 1959م في معسكر جباليا، وترتيبه الثاني بين إخوته، ترعرع في هذا المعسكر إلى أن كبر وتزوج من أربعة وله خمسة عشر من الأبناء.

أنهى الدكتور نزار تعليمه الأساسي والثانوي في مدارس الغوث بمخيم جباليا، وكان متميزا بين إخوته، وبحكم نبوغه اتجه صوب التعليم الجامعي بتشجيع من والديه، ومن شويخه الشيخ أحمد ياسين.

بدأ دراسته في القاهرة بجامعة عين شمس لدراسة الحقوق عام 1978، لكنه عدل عن ذلك لكي يدرس العلوم الشرعية فالتحق بجامعة الإمام محمد بن السعود في الرياض بالسعودية ليدرس بكلية أصول الدين.

حصل على البكالوريوس هناك عام 1402هـ، ثم حصل على الماجستير من كلية الشريعة الغراء بالجامعة الأردنية بعمان، تخصص الحديث الشريف وكتب رسالته بعنوان (الشهادة والشهيد) وذلك عام 1990م بتقدير (ممتاز).

حصل على الدكتوراة من السودان بجامعة القرآن الكريم، وكتب رسالته بعنوان (مستقبل الإسلام. دراسة تحليلية موضوعية) عام 1994م، بتقدير (ممتاز)؛ ثم حصل على رتبة الأستاذ المشارك عام 2001م، وحصل على رتبة الأستاذية عام 2004م.

 

إنجازاته العلمية:

أولًا: التدرج الوظيفي:

  1. عمل معيدًا بكلية أصول الدين اعتبارًا من27/2/1984 وحتى 31/8/1990.
  2. عمل مدرسًا بقسم الحديث الشريف بكلية أصول الدين اعتبارًا من1/9/1990 حتى 21/8/1994.
  3. عمل أستاذًا مساعدًا بقسم الحديث الشريف بكلية أصول الدين اعتبارًا من22/8/1994 وحتى 12/10/1999.
  4. عمل أستاذًا مشاركًا بقسم الحديث الشريف بكلية أصول الدين اعتبارًا من13/10/1999 حتى 5/7/2004.
  5. عمل مساعدًا لنائب رئيس الجامعة للشئون الأكاديمية من تاريخ1/9/2001 وحتى 15/8/2003.
  6. عمل أستاذًا بقسم الحديث الشريف بكلية أصول الدين اعتبارًا من 6/7/2004 حتى اصطفاه الله شهيدًا.

 

ثانيًا: المشاركة العلمية:

شارك الدكتور بتدريس عدد من المواد الجامعية للطلاب منها:

لطلاب البكالوريوس: مادة تخريج (1)، ودراسة أسانيد، ومادة حديث (3)، ودراسات في السيرة النبوية.

لطلاب الماجستير: مادة مناهج محدثين، ومادة جرح وتعديل، ومادة حديث تحليلي، ومادة حديث موضوعي.

 

ثالثًا: وفاته:

ارتقى الأستاذ الدكتور نزار ريان إلى العلياء مساء يوم الخميس، الموافق 1/ 1/ 2441م، برفقه عائلته المكونة من 16 فردًا، رحمهم الله جميعا.

 

الأساليب النبوية في التعليم

لقد كان النبي ﷺ معلمًا وهاديًا للناس، ولقد نهج ﷺ أساليب عديدة ومتنوعة ليبلغ عقول سامعيه، وسنعرض في هذا المبحث تسعة عشر أسلوبًا نبويًا في التعليم وما يدل عليها من أحاديث صحيحة.

1- الحث على طلب العلم:

لقد كان النبي ﷺ يحث على طلب العلم ويحرض عليه كطريقة من طرق التعليم، لذا جعل النبي ﷺ صاحب العلم والحكمة مغبوط يتمنى المرء أن يكون مثله، فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ؛ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا».

 

2- التطبيق والممارسة العملية:

العلم طريق العمل، وهذا الدين دين عملي بل منهج الحياة، لذا كان من نهجه أن يطبق ما يقوله عمليًا ليحفظ الصحابة عنه فيطبقون كما فعل؛ فلقد علمهم الصلاة بالممارسة العملية، وعلمهم الوضوء الذي هو شرط الصلاة بالممارسة كذلك، فقد روى الشيخان من طريق حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ، أَخبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِإِنَاءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ويَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».

                                     

3- التشويق والإثارة:

طبيعة الإنسان أن يصاب بالسآمة والملل، لذا كان النبي حريصًا على أن يبلغ العلم دون حدوث السآمة، فكان يشوق سامعيه ويثيرهم بطرق متعددة ليشدهم للقول فيصل الفهم وحب العلم ذروته، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مَسْعُود قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي قُبَّةٍ؛ فَقَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ». قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْجَنَّةَ لاَ يَدْخُلُهَا إِلاَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلاَّ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ».

 

4- اختيار الأوقات المناسبة:

السـآمة والملل من آفـات العلـم وتبليغـه، والنبـي ﷺ بأساليبه يحرص على ألا يتسلل ذلـك إلى نفـوس المتعلميـن لـذا كـان يتخيـر الوقت المناسب، ولقد تعلم أصحابه منه هذا الأسلوب فعَنْ أَبِي وَائِلٍ [شَقيق بن سَلمة]، قَالَ: كَـانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّـي أَتَخَوَّلُكُـمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السآمة علينا.

 

5- الدعابة والمزاح والمرح:

لقد كان النبي ﷺ مرحًا يحب الدعابة ليدخل بها السرور على أصحابه، وبالدعابة كان يُعلم ويربي، ولقد عالج النبي ﷺ عليًا بن أبي طالب لما كان مغضبًا من فاطمة رضي الله عنها، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ: «أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟»، قَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لإِنْسَانٍ: «انْظُرْ أَيْنَ هُوَ؟»، فَجَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ وَأَصَابَهُ تُرَابٌ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ: «قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ».

                                     

6- التكرار وفصل الكلام:

لقد كان النبي حريصًا أن يصل مراد كلامه لسامعيه واضحًا ليحفظوه ويطبقوه، لذا كان من عادته تكرار الكلام؛ فعَنْ أَنَسٍ أن النَّبِيِّ ﷺ: «كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا، حتى تُفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثًا».

 

7- التدرج في إيصال المعلومة:

لقد كان نهج النبي التدرج في التعليم وكان يعلم أصحابه ذلك فعن ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى نَحْوِ أَهْلِ الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى، فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا صَلَّوْا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ، فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ».

 

8- مراعاة الفروق الفردية:

لقد حبا الله الناس من نعمائه ما شاء من النعم، ولقد خص كلًا منهم بنعم ليست عن الآخرين، فمن الناس من ميزهم الله بقوة العضلات، ومنهم بالغنى، وآخرون بقوة الحفظ، ولقد كان منهج النبي في حياته مراعيًا للفروق الفردية للأشخاص فلقد روى مسلم من طريق ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، قَالَ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ، فَأَبْطَأْتُ عَلَى أُمِّي فَلَمَّا جِئْتُ، قَالَتْ: «مَا حَبَسَكَ؟»، قُلْتُ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ لِحَاجَةٍ»، قَالَتْ: «مَا حَاجَتُهُ؟»، قُلْتُ: «إِنَّهَا سِرٌّ». قَالَتْ: «لا تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللَّهِ أَحَدًا». قَالَ أَنَسٌ: «وَاللَّهِ لَوْ حَدَّثْتُ بِهِ أَحَدًا لَحَدَّثْتُكَ يَا ثَابِتُ».

 

9- الحركات والإشارات والتمثيل باليد:

كان رسول الله ﷺ يستخدم الحركات والإشارات والتمثيل باليد، حيث كـان لهـا أكبـر الأثـر فـي إجادة الأداء، فحركته معبرة تستلفت النظر، وتنبه الغافل، وتعين على الحفظ والتذكر، فكان إذا أراد القلب أشار إلى صدره كقوله: «التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ»، وقوله: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ».

 

10- الرسم ووسائل الإيضاح:

لقد كان النبي ﷺ يستخدم الرسم والخطوط ليوضح لأصحابه مراده، ومراد قول الله في آياته وخاصة في القضايا الرئيسة والكبيرة، فلما وضح النبي طريق الإسلام الحق وتميزه عن طرق الباطل استخدم الرسم لذلك؛ فعَنْ جَابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ فَخَطَّ خَطًّا وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ فِي الْخَطِّ الْأَوْسَطِ فَقَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ، ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ...}».

 

11- التيسير والتبسيط:

أرسل الله نبيه ﷺ رحمة للعالمين، وجعله الله بالمؤمنين رؤوف رحيم، وكان ﷺ من منهجه العام التيسير على الأمة، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها».

 

12- الإقبال على جالسيه:

كان النبي ﷺ يقبل على جلسائه جميعا: في النظرة والابتسامة والإجابة والسؤال.. حيث يشعر كل فرد ممن يلتقي معهم أنه يريده ويخصه ويقبل عليه. فعن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي رضي الله عنه يقول: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ- وَالحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ-، وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً، وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ».

وللإقبال على الجلساء أثر كبير في ود انتباه المستمعين، بل وله سحر خاص في النفوس؛ عفَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ وَحَدِيثِهِ عَلَى أَشَرِّ الْقَوْمِ، يَتَأَلَّفُهُمْ بِذَلِكَ فَكَانَ يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ وَحَدِيثِهِ عَلَيَّ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنِّي خَيْرُ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا خَيْرٌ أَوْ أَبُو بَكْرٍ؟ فَقَال: «أَبُو بَكْرٍ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا خَيْرٌ أَوْ عُمَرُ؟ فَقَالَ: «عُمَرُ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا خَيْرٌ أَوْ عُثْمَانُ؟ فَقَالَ: «عُثْمَانُ»، فَلَمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَصَدَقَنِي فَلَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ سَأَلْتُهُ.

 

13- اتساع الصدر للإجابة على الأسئلة:

الناس مشارب مختلفة، وطباع متباينة، والنبي ﷺ كان بصدره يسع الجميع وخاصة حينما يأتي إليه من يريد التعلم فيسأل وإن كان في أسئلته جفاء أو مودة أو قسوة، ولقد أثمر أسلوب النبي ﷺ بسعة الصدر والإجابة على كل سؤال ثمرة نافعة يانعة فعن أنس بن مالك يقول: بينما نحن جلوس مع النبي ﷺ في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي ﷺ متكئ بين ظهرانيهم فقلنا: «هذا الرجل الأبيض المتكئ»، فقال له الرجل: يا ابن عبد المطلب، فقال له النبي ﷺ: «قد أجبتك». فقال الرجل للنبي ﷺ: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد عليّ في نفسك. فقال: «سل عما بدا لك». فقال: أسألك بربك ورب من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟، فقال: «اللهم نعم». قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة»، قال: «اللهم نعم». قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة. قال: «اللهم نعم». قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا. فقال النبي ﷺ: «اللهم نعم»، فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر.

 

14- استغلال الأحداث الجارية لإبلاغ شريعة لله:

لقد كان النبي ﷺ يبلغ الأحكام والشرائع والتوجيهات في كل فرصة تسنح له، وفي كل مكان يتسع لذلك، في حله وترحاله، في سلمه وحربه، وكان ﷺ يستغل كل حدث أو مناسبة ليعلم من حوله ليكون أوقع في نفوسهم.

فما رأى النبي ﷺ ظاهرة غش في السوق أبلغ حكم الغش فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ مرّ على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟»، قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني».

وعن عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي ﷺ فقالوا: فلان شهيد، فلان شهيد؛ حتى مروا على رجل فقالوا: فلان وهيد؛ فقال رسول الله ﷺ: «كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة»، ثم قال رسول الله ﷺ: «يا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون». قال: «فخرجت فناديت ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون».

 

15- إعطاء إجابة زيادة على السؤال المعروض عليه:

عن ابن عمر أن رجلا سأل النبي ﷺ ما يلبس المحرم فقال: «لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسَّه الزعفران أو ورس».

ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: (باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله).

 

16- التعليم بإصلاح الخطأ فور وقوعه وتنوع أساليب معالجة الخطأ:

عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده؟!»، فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله ﷺ: خذ خاتمك انتفع به، قال: لا والله لا آخذه أبدا وقد طرحه رسول الله ﷺ.

وكان ﷺ يعلم ويصحح الخطأ بالتوجيه المباشر للشخص المخطئ؛ فعن عمر بن أبي سلمة يقول: كنت غلاما في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ: «يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك»، فما زالت تلك طعمتي بعد.

 

17- الحوار والمناقشة:

أسلوب الحوار والمناقشة محبب إلى النفس، يضفي الحيوية والنشاط، ويدفع الملل والشرود، ويشد انتباه السامع، ويجعل الإقبال على متابعة الدرس أشد، والذهن أكثر تفتحا وتجاوبا.

ومن حواره ﷺ أن يحكي السؤال بأسلوب مشوق يرغبهم في معرفة الجواب فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟!»، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط».

وأحيانا يوجه النبي ﷺ سؤالا ويستمع إلى أجوبة الصحابة ثم يناقشهم في أجوبتهم ثم يخلص إلى الصواب فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما المفلس؟»، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطَي هذا من حسناته وهذا من حسناته؛ فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار».

 

18- ربط المنهاج بأمثلة تصويرية لتقريب الفهم:

والأمثلة الدالة على هذا الأسلوب كثيرة ومتعددة نكتفي بذكر حديث واحد يمثل صورة قصصية رائعة، فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه؛ من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها؛ ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح».

 

19- المدح والإطراء للتشجيع والتحفيز:

لقد كان النبي ﷺ يمتدح الخير في أصحابه ويذكر فضلهم، ومما لا يخفى أن كتب السنن والجوامع من مصنفات الحديث حوت كتبا باسم المناقب، وفضائل الصحابة جمعت الأحاديث التي امتدح النبي ﷺ فيها أصحابه وذكر مناقبهم. وللمثال أذكر حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم».

 

نتائج وتوصيات الدراسة

يتضح من خلال المبحث الأول بعرض الأساليب النبوية في التعليم، والمبحث الثاني باستبانة مقياس تطبيق الشهيد ريان رحمه الله وتحليلها ونتيجة التحليل؛ أن الشهيد الدكتور نزار ريان رحمه الله كان متأثرًا وبعمق بالأساليب النبوية في التعليم؛ وكأنه كان يحصيها ويطبقها وهذا يدل على ما يلي:

  1. كان الشهيد رحمه الله عالما بالأساليب النبوية في التعليم.
  2. وكان رحمه عالمًا عاملًا مطبقًا لها يخشى قول الله عز وجل {كَبـرَ مَقْتا عِنْدَ الَّلِّه أنْ تـقُولوا مَا لَا تـفْعَلونَ}، كان متأسيا بتطبيق السنة ونهج النبي ﷺ في شؤون حياته، ولأن التعليم كان الجزء الأكبر من حياته فكان يطبق المنهج النبوي وأساليبه في التعليم.
  3. كان لأساليب تعليمه أثر بالغ في نفوس طلابه، مما جعلهم يرتبطون به ارتباطا يفوق ارتباط الطالب بأستاذ الجامعة، فكان ارتباط الطلاب به ارتباط الأب والأستاذ والعالم المجاهد والقدوة ورجل السنة، مما أثر تأثيرًا بالغًا فيهم وهذا برز في مدى تجاوبهم في تعبئة نموذج الاستبانة ونتيجتها.
  4. وعليه يكون رحمه الله ممن عناهم رسول الله ﷺ بقوله: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها».
  5.  كانت أساليب الريان التي اقتدى فيها بحبيبه ﷺ آثارا إيجابية فكان عدد لا بأس به من طلابه أساتذة جامعات، وممن واصلوا دراستهم العلمية في الحديث، وهم من شاركوا في تعبئة الاستبانة.
  6. يوصي الباحثان الأساتذة الكرام خاصة، وطلبة العلم عامة، أن يسلكوا درب الشهيد باقتدائه بأساليب النبي ﷺ في التعليم، وأن يكونوا ممن يقولون ما يفعلون.

 

وهذه صور الاستبانة التي أنجزها الباحثان لتتبع مدى تأثر أساليب الريان بالسنة النبوية في التعليم:

قد يعجبك ايضا