وسائل الإعلام.. وتربية أبنائنا
المنتدى الإسلامي العالمي للتربية

وسائل الإعلام.. وتربية أبنائنا

 

يحتاج الأبناء إلى الرعاية والاهتمام من قِبل الوالدين، كما يحتاجون إلى التربية السليمة، فمن خلال هذه التربية السليمة يستطيع الأبناء النهوض بالمجتمع والأمّة نحو الأفضل.

كانت الأسرة هي المُربّي الوحيد للأبناء بالتعاون مع المدرسة، ولكن مع تطوّر الحياة دخلت العديد من المؤثرات في التربية ومن أهمّها وسائل الإعلام سواءً كانت هذه الوسائل مرئيةً أم مسموعةً مثل الراديو أو الإذاعة أم مقروءةً مثل الجرائد أم مرئيةً ومسموعةً ومقروءةً في الوقت نفسه مثل التلفاز، فكان لها تأثيرٌ كبيرٌ على تربية الأبناء سواء كان هذا التأثير إيجابيًا أو سلبيا.

وفى دراسة للباحثة عروبة الدبوسى، بعنوان (دور وسائل الإعلام في تربية أبنائنا) -2004-، مقدمة لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية، بجامعة طرابلس بلبنان، ترصد فيها تأثير وسائل الإعلام على تربية الأبناء.

 

تعريف الإعلام ووسائله

  • ما هو الإعلام؟

هو عملية تفاهم تقوم على تنظيم التفاعل بين الناس وتجاوبهم وتعاطفهم في الآراء فيما بينهم، وهو في هذه الحالة ظاهرة طورتها الحضارة الحديثة وجعلتها خطيرة ودعمتها بإمكانات عظيمة، جعلتها قوة لا يستغنى عنها لدى الشعوب والحكومات على حد سواء.

وإذا كانت كلمة (الإعلام) مشتقة من (أعلمه بالشيء) فهي تعني تزويد الجماهير بأكبر قدر ممكن من المعلومات الموضوعية الصحيحة والواضحة.

 

  • ما هي علاقة الإعلام بالاتصال؟

يقوم الإعلام على الاتصال، ولولا الاتصال لما وصلت الحضارة الإنسانية إلى ما هي عليه الآن، ففي طريق الاتصال- اتصال الناس بعضهم ببعض- تكونت الأسرة والعائلة والأمة.

فالاتصال يقوم من أساس وجود المجتمع واستمراره. إنه يتولى نقل عادات العمل والتفكير من الكبار إلى الناشئين، والحياة الاجتماعية لا تستمر بغير هذا النقل الشامل، كما أن المجتمع يستمر بنقل الخبرة واتصال الأفراد بعضهم بالبعض الآخر، فالناس يعيشون جماعة يشتركون في الأهداف والعقائد والمعلومات، والاتصال وسيلة اكتسابهم كل ذلك ويندمج الإنسان في عملية الاتصال منذ ميلاده ولا يمكنه العيش بدونها، فهو يتصل بمحيطه الطبيعي والاجتماعي، بعكس الحيوان، والذي يمكنه من تحقيق هذا الاتصال هو اللغة اللفظية التي طورتها الثورات الصناعية المتلاحقة ووضعت في خدمتها أساليب ووسائل إعلامية متعددة. ولقد أصبح للاتصال أهداف متعددة منها هدف إعلامي يخاطب عقل الإنسان، والثاني إغرائي يخاطب عاطفته، والثالث ترفيهي.

فالاتصال بين الناس قديم قدم الإنسان ذاته. وكانت وسائل هذا الاتصال بدائية ثم تطورت مع مرور الزمن، فالكلام كان الوسيلة الأولى: ]ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم[ (الروم، آية:22)، إلى الكتابة التي استطاع الإنسان من خلالها تسجيل فكره وأحداثه وتراثه.

 

  • تعريف وسائل الإعلام
  1. مصطلح (وسائل الإعلام) إذا أطلق بدون إضافة، شمل كل الوسائل الإعلامية قديمها وحديثها.
  2. أما إذا اضيف إليه عبارة أخرى مثل (الحديثة أو الإلكترونية) فإنه لا يشمل سوى الوسائل المكتشفة حديثًا، وقد توصف أحيانًا بأنها وسائل اتصال جماهيرية كما جاء في تعريف الأستاذ ابراهيم علي عندما قال: «يمكن وصف وسائل الاتصال الجماهيري بأنها أدوات لنشر كافة أنواع المعلومات عن طريق الوسائل الإلكترونية». ومن هنا فإننا نستطيع تعريف وسائل الإعلام بأنها (الوسائل الشفهية والسمعية، والسمعية البصرية، والمقروءة التي تستخدم لبث رسالة إعلامية معينة)، فوسائل الإعلام تشمل كلًا من الاتصال الفردي، والخطبة، والمحاضرة، والندوة، والمذياع والشريط المسموع (الكاسيت)، والخيالة (السينما)، والرائي (التلفزيون)، والمسرح، والكتاب والصحيفة، والمجلة.

 

لمحة عن الاتصال الإعلامي في الإسلام

كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول: «ليبلغ الشاهد الغائب، ربَّ مبلغ أوكل من السّامع» (صحيح البخاري بحاشية السندي ص 23ج1) ولهذا القول أثره العظيم في الاتصال الجمعي أو الجماهيري، هذان النوعان يعدان ركني علم الاتصال أحد علوم الإعلام ووسائله في العصر الحديث، ومما يؤكد وجوب الإعلام والتبليغ قوله- صلى الله عليه وسلم-: «من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة».

وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يأمر الوفود التي تفد إليه بأن يحملوا الإسلام إلى من خلفهم ويعلموهم كما تعلموا منه- صلى الله عليه وسلم-.

 

ويعتمد الاتصال الإعلامي في الإسلام على:

  1. طبيعة المرسل.
  2. الأداة.
  3. الوسيلة.
  4. الرسالة:
  • طبيعة الرسالة.
  • خصائص الرسالة.

       5.المستقبل.

       6.التغذية العكسية.

 

 

واجبات الإعلام العام والإسلامي التربوية تجاه أبنائنا

ويجب أن تهدف كل الوسائل الإعلامية إلى تغيير اتجاهات الأبناء إلى الاتجاه السليم، مع نقل الأفكار والاتجاهات الجديدة التي لا تتعارض مع الاتجاه المدروس المتفق عليه من الجانب الأخلاقي؛ فمن واجبات الإعلام الإسلامي يمكن تلخيصها بالآتي:

  1. أن تتضافر القوى والجهود لإنشاء مؤسسات إعلامية إسلامية تستكمل عدتها الفنية، والعلمية، وتخصص لها المطابع التي تخرج أنشطتها دون تحكم فيها.
  2. أن يجعل الإعلام الإسلامي نصب عينيه قواعد الشعب العريضة، فيخاطب الشباب بلغته، ويعرض قضاياه ومشكلاته، ويخاطب الفتاة المسلمة ويتعرف مشكلاتها، واهتماماتها، ويخاطب الطفل المسلم.
  3. التبصير بالغزو الفكري الذي يندس إلى عاداتنا وتقاليدنا، وينساب في أفكار شبابنا، ويبلبل عقائدنا، ويشوّه فكرنا الإسلامي.
  4. الحوار مع الشباب، ومناقشة مشكلاتهم، ومساعدتهم المستمرة على الخروج من الأزمات الفكرية، والجنسية التي يعانون منها.
  5. التفكير المستمر في إيجاد البدائل للمغريات التي تفتن الشباب وتلهيه، وتضله، وتوقعه في حبائل الشيطان- ببدائل إسلامية تتفق مع منطق الدين الإسلامي.
  6. متابعة المفتريات التي يروجها أعداء الإسلام وتفنيدها، وبيان الحقيقة البعيدة عن أذهان الغربيين، بأسلوب علمي هادئ، ومناقشة مدعومة بالحجج والبراهين.

 

دور الأسرة في حماية أبنائها من مخاطر وسائل الإعلام

نرى أن وسائل الإعلام تلعب دورًا خطيرًا في تمزيق وتشتيت معاني كلمة التربية فهي الدلالة على كل ما يتصل بالسلوك وتقويمه وعنت لغويًا (أن ينمو، ينشأ، يترعرع…).

فعندما نرى في وسائل الإعلام في هذه الأيام أن ولدًا قتل أباه، وأن أما قتلت ولدها، وأن زوجة قتلت زوجها، وأن زوجًا قتل زوجته. وهكذا تتعدد الحوادث وتكثر وتشكل ظاهرة اجتماعية خطيرة لم تكن في حسبان أحد من العقلاء ولا قادة الفكر ولا المصلحين الاجتماعيين.

وعندما حلل علماء النفس هذه الظاهرة وأسبابها وجدوا أن خللًا حدث في الأسرة، وشرخًا أصاب أفرادها، والسبب في هذا الخلل أن تكوين الأسرة تمّ بغير تجانس ولا تلاؤم ولا تكافؤ وفي منأى عن التربية السليمة، ونتيجة لشيء في نفس أحد الزوجين كالطمع والجشع، أو الاستهتار، أو التهتك… وخروج على العرف الجاري في المجتمع الإسلامي وتقاليد البيئة. لكل هذه العوامل أصاب الأسرة ما أصابها.

فالإسلام دين وسط يقول للشخص كوِّن أسرتك واعتمد على الله ولا تخف من الفقر؛ لأن الغني يشرط أن تعمل وتعمل وتبذل جهدك في تجويد صنعتك وإتقان حرفتك، وبَذْل كل ما في طاقتك لزيادة إنتاج دخلك من مصدر مشروع حلال، مع المحافظة على أسرتك، ورعاية أولادك وتعليمهم الصلاة مع الصبر وضبط الأعصاب. يقول الله تعالى في بيان هذا: ]وأمُر أَهلَكَ بالصلاةِ واصْطبر عليها لا نسألكَ رزقًا نحن نرزُقُكَ والعاقبة للتقوى[.

وعليه فإن كان كيان الأسرة سليمًا ومعدن أفرادها طيبًا وكل فرد يؤدي واجبه بأمانة وذمة وعمل في سبيل الحفاظ على كيان تلك الأسرة، فإن ما يقال في وسائل الإعلام لا يؤثر فيها ولا يهز كيانها ولا يمزق ترابطها ولا يفرق بين أفرادها، وتعيش في سعادة نابعة من قوة عزيمة أفرادها.

 

الوسائل الإيجابية للتخفيف من الأخطار التي يسببها الإعلام

لا بد أن نأخذ بعين الاعتبار رغبة الأطفال والشباب في مشاهدة البرامج الوافدة ما لم يتوفر لهم البديل الجيد، مع ضرورة أن يقدم المجتمع مناخًا بديلًا من ثقافته ومجتمعه بحيث يستقبله الجمهور ويستعيض به عن تلك القنوات الوافدة العالمية المفروضة. ولكن هذا الخيار هو الخيار الصعب، فإيجاد تلك المادة المنافسة ليس مما يسهل توافره، ولا أريد أن أستفيض حول هذه النقطة، فهذا دور ومسؤولية الإعلام والإعلاميين العرب.

ولكن ما أحب أن أؤكده هو أن البرنامج الحسن الإعداد مادة وإخراجًا يكسب جمهورًا غفيرًا حتى وان كانت مادته علمية دمسة، بل إن هذه المادة هي التي تخلق ولاء الجمهور المستهلك، وليست السطحية والإثارة العابرة التجارية هي الأصل كما يدعي أصحاب الأعمال التجارية البحتة.

وإذا أرادت دولة أن تصحح وضعها الإعلامي وتعمل على ربط الناس بعقيدتهم وتربيتهم الإسلامية، فلا بد أن تعمل على تحقيق الأهداف الأساسية، مثل:

  1. توضيح القيم الايجابية البناءة التي يؤكد عليها الإسلام لإسعاد المجتمع والارتقاء بأفراده.
  2. تذكير المسلمين بمشاكل إخوانهم والتحديات التي تواجههم واقتراح الوسائل المناسبة لمساعدتهم.
  3. تفنيد الدعايات الكاذبة والافتراءات التي يشنّها أعداء الإسلام وخصومه مستعينين في ذلك بوسائل الإعلام واسعة الانتشار.
  4. تصحيح الصورة الذهنية التي تكونت عند بعض الشعوب والجماعات في الإسلام والمسلمين، عن طريق تقديم الواقع الحقيقي للسلوك الإسلامي القويم، وشرح أبعاد الفكر الإسلامي من خلال قضايا المجتمع الحقيقية والمعاصرة.
  5. التأكيد على أهمية القيم الروحية في استعادة التوازن المفقود لهذا العالم الذي طغت فيه المادة ودور الشرائع في تعميق هذه القيم.
  6. الاستفادة من التقنيات الحديثة وتوظيفها لخدمة الأهداف الإعلامية.
  7. العناية بقضية إعداد الكوادر المدربة وتدريب العاملين على رأس العمل.
  8. الحرص على الارتباط بالناس والتفاعل معهم وتحسس رغباتهم وتوجهاتهم.

 

خاتمة الدراسة

وفي ضوء ذلك فإن وسائل الإعلام مطالبة بالاضطلاع بدورها الهام والدقيق في بناء الطفل المسلم والحفاظ عليه بعد أن أصبحت هذه الوسائل تؤدي دورًا رئيسيًا وتشكل رافدًا أساسيًا في بناء شخصيته والحفاظ على كيانه، وهذه الوسائل مطالبة بأن تضع بذرة صالحة في تربة طيبة لكي تنمو وتزدهر وتثمر، ولن يتأتى ذلك إلا بالعمل الجاد والفهم العميق والتطبيق الفعال لمعطيات الإسلام في النشاط الإعلامي الموجه للأطفال.

وهنا يصبح من الأهمية بمكان أن يلتقي الإعلاميون مع التربويين وقادة الفكر وعلماء الدين وغيرهم ممن يعملون في مجال الطفولة لوضع استراتيجية إعلامية صحيحة للأطفال، وإعداد الخطط التي توفر لهم مضامين جذابة تسهم في تثقيفهم وتربيتهم وتجعل منهم صناعًا صالحين لمستقبل أفضل.

 

 

قد يعجبك ايضا