الحاكم الظالم والدعاء له بالرحمة بعد موته | المنتدى الاسلامى العالمى للتربية
المنتدى الإسلامي العالمي للتربية

الحاكم الظالم والدعاء له بالرحمة بعد موته

ثار الناس وانشغلوا بموت أحد الحكام المعاصرين، ممن عرفوا بالبطش والظلم والإفساد في الأرض، فمنهم من لعنه بما اقترفت يداه من ظلم وبغي، ومنهم من دعى له بالرحمة؛ ظنا أن ذلك من الدين..

السؤال:

هل فعلا من الدين أن ندعو بالرحمة للظالمين المشهود لهم من الناس بظلمهم؟

وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا نعادي الظالمين إذن وهم أحياء إذا كنا سندعو لهم بالرحمة والمغفرة بعد موتهم؟

ألم يكن الأجدى والأفضل عدم معاداتهم حتى لا نتعرض لبطشهم وظلمهم طالما ستأخذنا بهم الرأفة بعد موتهم فندعو الله لهم بالرحمة ؟!

تحدث العوام والعلماء والكتاب كثيراً عن الظلم والظالمين ومآلهم في الآخرة عند الله تعالى فيما نعلم مما وصل إلينا من النصوص الشرعية في ذلك، أما لطف الله وفضله فلا يملك أحد حجبه!

وبشأن الدعاء للظالمين أو عليهم أحياءً كانوا أم أمواتا، فلا بأس من الدعاء لهم بالهداية أحياءً إن ظننا فيهم خيراً، على ألا يشمل دعاؤنا لهم التيسير لهم فيما يفعلون، إذ الدعاء لهم بالتيسير والمضي قدما في غيهم وظلمهم فيه مفسدة عظيمة فضلا عن الأعظم وهو موافقتنا على تبديل عدل الله في أرضه سبحانه وتعالى.

ومما يعتقد الناس أو غالبيتهم أن الدعاء للميت لا يجوز إلا بالرحمة حتى ولو كان ظالماً باطشاً.

وقد فطن علماء الأمة إلى هذه النقطة المحيرة، ومنهم من تعرض للظلم والبطش والعذاب والتنكيل بسبب قولة حق قالها عند سلطان جائر مثل الإمام أحمد بن محمد بن حنبل صاحب المذهب الحنبلي المعروف في المشرق العربي الإسلامي.

وقد سُئل الإمام أحمد بن حنبل ناصر السنة وإمام أهلها في عصره من عموم الناس فيما عرف آنذاك بمحنة خلق القرآن، فقالوا له: يا إمام: الرجل فينا يفرح بموت أتباع ابن داؤود، فهل عليه من إثم؟

فقال: «لا.. ثم أثلج صدورهم بالمنطق الذي لا يتنافى مع صحيح الدين من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة عليهم الرضوان أجمعين قائلا ومخاطبا الأمة في شخص سائليه: إن لم يفرح المسلم بموت الظالم.. فبموت من يفرح إذن؟!»

وكان ابن داؤود وأتباعه هم من اختلقوا فتنة خلق القرآن الكريم وتسببوا في تعذيب الإمام أحمد بن حنبل وأحمد بن نصر الخزاعي وغيرهما ممن تصدوا لمثيري الفتنة.

 وأما الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى سيد التابعين في عصره في القرن الأول الهجري، فقد أنكر على من يدعو للظالم بالرحمة والمغفرة أو دعا للظالم حال حياته بالتيسير قائلاً:

«من دعا لظالم فقد أراد أن يُعصَى اللهُ في الأرض».

لأن الدعاء للظالم بالتيسير إنما يجعله يمتد في غيه وظلمه وغشمه ولا ينتهي عما حرم الله على نفسه وهو الظلم وجعله محرما بين خلقه، ويؤذي من خلق الله الكثير في أنفسهم وأموالهم وأهليهم إن عارضوه أو قالوا عنده في وجهه كلمة حق.

ومن عظيم لطف الله بعباده المستضعفين المظلومين أنه سبحانه كفل رحمته للناس جميعا إلا الظالمين، حيث قال تعالى في سورة الإنسان في آخر آياتها: {يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمَۢا} (الإنسان: 31).

وقوله تعالى في سورة النساء في آياتها (167،168،169):

{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدۡ ضَلُّواْ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا (167) إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا (169)}.

 وآيات الظلم والظالمين ومادة ظلم في القرآن الكريم كثيرة حيث وردت أكثر من 200 مرة.

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: مرت جنازة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأثنى الصحابة عليها خيراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وجبت»، ومرت جنازة أخرى عليهم فأثنى الصحابة عليها شراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وجبت».

فقال له الصحابة : ما وجبت يا رسول الله؟

فقال المعصوم: «في الأولى أثنيتم عليها خيراَ فوجبت لها الجنة وفي الثانية أثنيتم عليها شراً فوجبت لها النار، أنتم شهداء الله في أرضه».

ولو كان ثمة إثم على الصحابة في ذكرهم الجنازة الثانية بخصال السوء والشر التي كان عليها صاحبها حال حياته لنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولأخبرهم أن الميت لا يجوز عليه سوى الرحمة حتى ولو كان شريراً أو ظالماً أو به صفات تنافي حسن الخلق أو أوامر الشرع الحنيف، ولكنه صلى الله عليه وسلم وافقهم فيما قالوا وقال إن النار وجبت له، ولو كان مسلماً وعلل ذلك بأن الناس الذين يخالط بعضهم بعضا هم شهداء الله في الأرض على أفعال بعضهم البعض، بل إن الله تعالى يقبل شفاعتهم.

بتصرف من مقال الأستاذ: خالد كامل

مزيد من الاستشارات